الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 271الرجوع إلى "الثقافة"

صيد من بلاد الشام

Share

٤ - لا تعاقبوا المجرمين لأنهم مرضى !

وهذا حديث فيه من الإمتاع ، قدر ما فيه الإبداع . أصغي إليه ، في الجامعة السورية ، طوال ساعة ونصف ساعة ، صفوة من قضاة دمشق ، وأطبائها ، ومدرسيها وأهل الدراية فيها . أما المحدث فطبيب مشهور ، ووزير مذكور . واما الحديث فهو : " الدوافع التي تدفع إلي الجنايات ، والأمراض التي تسوق إلي الجرائم " :

وحديث كهذا ، فيه نظريات العلماء ، وتجاريب الأطباء ، ونظرات المتفلسفين ، وفيه نقد لهذا المجتمع الضال بأبنائه ، ووصف لهؤلاء الأبناء المنكوبين بعقولهم ، الناقصين في خلقتهم ؛ حديث كذا جدير بأن بنشر ، خليق بأن يلخص ويذاع .

بدأ المحاضر حديثه بالسؤال : لماذا يجب البحث في الدوافع المرضية في الجنايات والجراثم ؟ فذكر أن الأمم كلما مضت في الرقي الاجتماعي ، أمعنت النظر في العلل التي تصاب بها الأفراد ، وتؤثر في المجتمع ، لأن البشر لم يخلقوا ليكونوا مجرمين جناة ، وليس الشر هدفهم . فلابد من علة تشوقهم للجريمة ، وتسوقهم إلى الجناية . فإذا عرفت هذه العلل ودرست ، ثم اتخذت الوسائل لدوائها . والوقاية منها ، والابتعاد عنها ، والشفا ، مبها ، قل الضرر ، عندئذ ، وخف الفساد .

لقد كانت دراسة الجنايات والجرائم في الزمن الخالي ، عن تتناول نتيجة العلة التي دفعت إلي الإجرام . أعني الجريمة نفسها ، وكانت لا تحفل بالعوامل النفسية ووصفها . وكان حكم الحاكم ينحصر في تعيين نوع الجرم ، وتقدير العقوبة التى يجب له ، أملا بإصلاح الفاسد ، وتقويم المعوج . فكان العقاب غرامة يخسرها الجاني ، أو زمنا يفصل فيه عن الناس ليحرم ما كان له مباحا ، أو عذابا يقترن بالسجن فيمنعه من العود إلى المحرم عودة أخرى ، أو قتلا يذهب به من هذه الدنيا ، حيث لا يصلح ان يكون فيها . وفي هذه الأحوال كلها كانت الجنابات تنتهي بقصاص وليس

بمداواة . فلما ارتقت معارف البشرا ونالوا من الرقي طرفا ، وتقدمت العلوم الاجتماعية ، وتناول الطب الشرعي والفلسفة الروحية درس هذه المسائل الدقيقة ، تبدلت نظرة ذوي الشرائع الاجتماعية ، إلى الجريمة . واخذوا ينظرون إلى الحوادث نظرة مختلف عن النظرة الاولى . مقدرين الوجهة الاجتماعية ، والنفسية ، والأخلاقية . فقدت الحريمة مظهرا مفاجئا لأمر نفسي ، تدفعه علل مرضية يجب وصفها ومنعها قبل ظهورها ، أو مداواتها والشفاء منها بعد ذلك . ومن ثم انتهت البلاد الراقية إلى هذا ، فجعلت من السجون التى كانت مأوي البؤس والشقاء ، مشافي للإصلاح والمداواة ، لأن التهذيب أصلح للمجتمع من التعذيب .

إن الجنايات كأمراض الجسم ، لا تقع ما لم يتوفر عاملان . الأول : أحوال خاصة في الأفراد ، والثاني : الاستعداد في المجتمع . اما الاحوال الخاصة التي تسوق الأفراد إلي ارتكاب الجرائم ، فهي الدوافع المرضية التي تسيطر على المريض فتوجه أفكاره وتفيد إرادته ، ويدفع به إلى ارتكاب أعمال يراها القانون جريمة .

وإذا تكلمنا على هذه الدوافع ، فلا بد من أن يستفيض بحثنا فيها ، لمعرفة أسبابها وأعراضها ، وآثارها ونتائجها . ولكي نعلم علاقاتها بالقانون وصلتها به ، ونعلم بعد ذلك ، كيف ينظر القضاة إلي رجل مجرم ، كان مجنونا ، أو معتوها ، أو أبله ، أو مريض العقل ؛ أينظرون إليه كما ينظر الطبيب الاجتماعي ، أو الفيلسوف أو العالم النفسي ، فيتناولونه بالإرشاد والإصلاح ، ويرسلونه إلى المستشفى ليبرأ ، أم يدفعون به إلى القصاص والتعذيب والقتل ؟ " ما هي الأسباب التي تدفع إلى ارتكاب الجريمة ؟ "

وإذا أمعنا النظر في أسباب الجريمة ، رأينا أن الإنسان يجرم ، إما خطأ ، كرجل رام أن يصطاد طيرا فأخطأ مرماه ، فصاب رجلا ، أو لأمر ، لا حول له على رده ، كمن رأي شرفه ينتهك . أو عرضه يستباح ، أو حياته تهدد ، فهاج وماج ، فقتل . أو كان تحت تأثير غضب شديد ، أو هيجان بالغ ، أو انفعال نفسي ، غشى على عقله ، فلم يجد رادعا يخفف هيجانه ، فاستيقظ

فيه حس الانتقام ، فأجرم . أو لجنون حدث فجأة ، وراهفه هذيان ، وصور وهمية ، ودوافع مرضية تدفعه للجنابة . أو لمرض في العقل ، يجعل صاحبه شاذا عن سائر الأفراد الأصحاء ، في إدراكه وشعوره ، وحسه . أما الأسباب الأولى ، فإنما يرتكب الإنسان فيها الجريمة تحت تأثير فجائي أو ضرورة مبرمة . أما النوع الأخير ففيه الخطر كله . لأن الدوافع المرضية التي جعلناها موضع حديثنا ، لا تظهر لكل إنسان . والمصابون بها منتشرون في كل مكان ، ولأنها تسوق إلى الجريمة ، فيكون صاحبها ضحية المرض الذي فتك به ، وضحية الحاكم الذي حكم عليه ولم ينظر إلي مرضه . تري ما هي اسباب هذه الدوافع

أسباب هذه الأمراض

ذكر علماء النفس أن الوراثة من الأسباب ذات الشأن التى تدفع للإجرام . واستدلوا على ذلك ؛ باكتشافات ( ما تدل ) . لقانون الوراثة ، وتدقيقات ( مورل )  - أحد فلاسفة التربية - في الأمراض الذهنية.

وإلى جانب الوراثة ، ينبغي أن تذكر عوامل أخري . تستدعي المرض العقلي وتدفع إليه . كالجهد الذهني ، والإفراط في الشهوات ، وإدمان المسكرات والمخدرات ، وداء الزهري ، وسوء نمو الجسم ) إبان الطفولة . فهذه - كلها - أسباب منقصة للعقل ومضعفة له . تجعله يقبل الأمراض ، وتجعل صاحبه مريض العقل . ولكن من هو مريض العقل ، الذي يقترف الجرائم بسبب مرضه وكيف نعرفه ؟

من هو مريض العقل ؟

مريض العقل هو ذو الانحراف عن الأنموذج الصحيح للإنسان . ويعرف بفقدان التوازن بين مراكز الدماغ ، فيبدو لا انسجام بين تفكيره ، وعواطفه ، وإرادته ، وحركاته ، وأعماله . ومرضي العقول ، أنواع منوعة . يختلفون في الظاهر ، ولكنهم يتفقون في الباطن ؛ لأن لهم جميعا نفسا واحدة مريضة ، فتوازنهم مختل ، ونموهم مضطرب . وقد تجد فيهم ذا الحافظة القوية ، ولكنك تراه لا يستطيع أن يسخرها عند البحث في أمر أو التفكير فيه .

وقد ترى أحدهم لا ينبت في أمر ، ولا يقدر على عمل . فاذا بلوته ألقيته كل يوم في واد ؛ فهو شاذ الأحوال ، غريب الأفكار . وقد تلقي بينهم ذا الأحلام والأوهام والأميال ، الغارق في أوهامه وأحلامه ، لا يفارقها ، ويأنس بها . أو تجد الأناني ، ذا الأثرة البالغة ، المغتر بمواهبه ، المحتقر غيره ، أو تصادف ذا الأخلاق الفاسدة والآراء التي لا يقبلها عقل ولا مجتمع ولا دين .

فأياس كهؤلاء ، تسوقهم دوافعهم المرضية إلى الجريمة ، وتستحوذ عليهم ، فقد يقتلون أو يسرقون أو ينتهكون الأعراض . ولكن كيف يساقون ، بل كيف تستحوذ الدوافع عليهم ؟

ما هو الاستحواذ olesession وكيف يكون ؟ تغزو العقل أفكار وصور مختلفات ، فيقبل بعضا ويمانع في دخول بعض آخر . ولكن هذه الصور تعود قوية مزركشة فاذا كانت الإرادة قوية ايضا استطاع صاحبها طرد تلك الفكر ، وهذا يسمى ( الاستحواذ الطبيعي ) لأنه لا يتحول إلي دافع مرضي . أما إذا ضعف العقل وكانت الإرادة ضعيفة ، ظلت الأفكار والصور الغازية ، وطردت الأفكار والصور السابقة ، واستحوذت على العقل وما فيه ، بعد عراك وألم روحي . وهذا يسمى ) الاستحواذ المرضى ) ، لأنه غير طبيعي . دخل فأتسر فاستحوذ . وقد يستعبد هذا الاستحواذ الإرادة . وقد يقوده إلى حيث يهلك . والإنسان يعلم ما يجري في نفسه ويعلم اضطراره إلى مساوقة تلك الآراء والصور ومسايرتها ، وارتكاب ما لا يرضاء وجدانه وهو يلبي نداءها ويطيعها ، ويخضع لها .

ويتصف الاستحواذ المرضى بصفات ثلاث : ١ - الصحو بالنظر للحادث . ٢ - النزاع القوي بين الأفكار السابقة والصور اللاحقة . ٣ - العذاب الروحي في أثناء ذلك .

ويلازم الدوافع المرضية أمران لا يفارقها - الأول : عمل فجائي يصدر عن مركز منعزل عن الذهن دون اشتراك القوة البرهانية Reasonning ، والثاني عجز مؤقت في الإرادة الحاكمة self-control

ولكن مني يظهر سلطان الاستحواذ ويبدو أمره ؟

أوقات الاستحواذ

ويظهر سلطان الاستحواذ عند شدة الغضب ، ونهك القوي العقلية بالتفكير الدائم الطويل ، وعند الإفراط في الشهوات واللذائد . أو عند إدمان المسكرات والمخدرات ، كالحشيش والغوغائيين والمورفين ، وعند قراءة الروايات الجنائية التي تستولي على العقل يحادثانها ، وتوقظ حس الإجرام ، أو إثر تزف دموي في النساء . وقد ساق المحدث أمثلة شتى تذكر منها أن امرأة تخطت الخامسة والثلاثين من عمرها . أسقطت جنينها مرات . وصحب الإسقاط نزف دموي نهك قوتها ، وكانت أمها تدمن الخمر ، وكان أبوها مصابا بالزهري ، وجدها قد فلج في آخر عمره .

تزوجها قصاب شديد البأس ، فكانت تساعده على تشريح اللحوم وتقطيعها ، وفي ذات يوم ظهرت دوافع الجريمة فيها ، فبينما كانت تقطع اللحم شعرت بميل قوي إلي قتل رجل كان أمامها ، وهاجت مشاعرها ، واستحوذت فكرة القتل عليها ولذت بها . ولكن عقلها حاول صد هذه الفكرة فلم يفلح . فلما عجزت عن المقاومة وأشهرت المدية وهمت بالقتل ، أخذت تجهش بالبكاء ، ثم سقطت على الأرض تنادي : أدركوني ، أبعدوه عني ، كيلا أرتكب جناية . .

وحدث في ( حلب ) أن معلما ضعيف العقل هام بتلميذ له . فتدلل التلميذ وتفسر ولج المعلم في التهيام به وحبه ، فاستعطفه ، وذل له ، كي ينال منه ما يشتهي ، فأبى التلميذ عليه ما أراد . وحدث أن نقبل المعلم إلى قرية بعيدة ، فكان يرد حلب كل أسبوع ليرى محبوبه وغلامه . فلما يئس من عطفه ، وخشي أن يتعلق به غيره أو يتمتع به سولت له نفسه أن يقتله(1) وفي ساعة من ساعات جنونه ، استحوذت فكرة القتل عليه ، فترصده حتى مر، وطعنه طعنات في قلبه ، فخر صريعا ، وعند ما قبض عليه أقر بما فعل ، وطلب أن يقتل فداء عنه .

وأشباه هذه الحوادث التي تجري في حياة المجتمع سببها مرض العقل ، ووجود الدوافع المرضية واستحواذها على المريض . وقد تسوقه هذه الدوافع إلى السرقة ، ولو لم يكن ذا حاجة ، أو إلى استباحة أعراض الناس ، ولو كان محصنا أو إلى حرق الدور ولو كان ذا دور وقصور . وهم ، جميعا ، يرتكبون ما يرتكبون ، وهم يعلمون حقارته ودناءته ، ولكنهم يساقون ، ثم يستسلمون ، ويغلبون على أمرهم ، للأسباب التي مر ذكرها وراثية كانت أم مرضية أم كسبية .

نتائج الاستحواذ

إن مظاهر الاستحواذ تكون موقتة ، أو دائمة ، أو منقطعة . فتظهر يوما وتختفي في يوم آخر . يقول ( ما غنام ) : إن هذه المظاهر موقتة ، ولكنها لتداخلها في حياة المصاب الذهنية لا تفارقه .

فمن نتائج الاستحواذ ( الماليخوليا ) Meleucolie  وما يصاحبها من حالات فالمصاب بها يتعذب روحه العذاب الأشد من الوهم الذي يستولي عليه ، لخطيئة ارتكبها أو هفوة تعمدها ، ثم اعتقد أن لا سبيل للتكفير عنها ، أولئك كره ما اقترفته بداء من مظالم وآثام ، فيطلب الخلاص مما يحس فيرغب في الانتحار أو تستولي عليه أفكار وأوهام تدفعه إلى سلوك طرق شتى غريبة ، يخيل إليه معها أن أقاربه سيقاضونه أو يعذبونه أو يطردونه ، أو يرى أن زوجه ستتألم لأمر ما فيفضل أن يقتلها ليخلصها من العذاب .

وكذلك ينمو في المصابين بمرض ( البارانويا ) أو الشذوذ العقلي والخلقي ، عداوة وكراهة ونفور لأشخاص يظنون فيهم السوء . فيخيل إليهم أن أولئك يزاحمونهم في أعمالهم ، ويحاولون إقصاءهم عن مناهجهم . وقد يخيل إليهم أن أصواتا قدسية تأتيهم فيدعي بعضهم النبوة ويدعو بعضهم إلى الإرشاد ، ويزعم بعضهم أنهم يغفرون الذنوب وقد يقولون إن الشريعة تحرم قبول المناصب الرفيعة ، أو يتصدون لنقد نظام المجتمع وينسبونه للفساد . ومن هذا النوع من يتظاهر بالعلم ، وأنه فوق كل مقام ،

وأنه الرجل الذي لا شبه له ولا نظير ، فإذا أنكر شيئا فدعواه الحق ، ومن خالفه فأحمق أو جاهل . ومنهم من يجب العظمة حبا جما ، فيتعاظم على الخلق ، أو يعتقد أنه الكاتب الفذ الذي لم يكتب مثله أحد ، فهؤلاء كلهم مرضي عقول ، تسوقهم دوافعهم المرضية إلى القتل أو الشر أو السرقة أو الحقد .

وكذلك يكون الأمر في أصحاب ( العته الشيخوخي ) وفي الصرعى ، لأن المصاب بالصرع يظل ، بعد ( التوبة ) في حالة يمازجها غموض وتشويش وهذيان ، تجعل الدوافع أثناء هذه الحال قادرة على سوق المريض إلى ارتكاب القتل والانتحار.

العوامل النفسية التي تنتهي بالاستحواذ ليست العوامل النفسية التي تنتهي بالاستحواذ ، أو الدوافع المرضية نوعا واحدا ، بل هي سلسلة طويلة تختلف حلفائها ، تبدأ بالنبوغ الخارق وتنتهي بالبلادة الشديدة . ولذلك يجب تبيان أهم الأقسام الموجودة ، لمعرفة ما يتعلق بالقانون منها .

١ - العته التام : وهو حال من كان مشوء العقل . ٢ - البله : وهو حال من كانت فيه بعض القوي العقلية غير كاملة النمو .

٣ - الضيف العقلي : وهو يدل علي أن بعض القوي العقلية قادرة على الوصول إلى درجة معينة من النمو . والمصابون بهذا الضعف ، مختلفو القدرة على الا كتسابات الذهنية ، فمنهم من يكون ضعيفا في البرهان ، أو في التلخيص ، أو في الحفظ ، أو في جمع الأفكار وتأليفها ، ولكنهم جميعا يتجلي فيهم اختلاف القوى العقلية وعدم تساوي نموها.

أما المتوهون فلا يسألون عما يفعلون ؛ لأن عقلهم لا يدرك الأشياء ، ولا تجد صلة بين أنفسهم وبين العالم الخارجي ، ولا تؤثر فيهم التربية ولا التعليم وإنما تقودهم الغريزة

أما البلهاء فهم أرقي عقلا ممن سبقهم . فقد ينجح الإنسان في تعليمهم ، ويغلب على الأبله ضعف اللسان ، ونقص الألفاظ ، تدل تعابيره على نقص مداركه ، وقد

يظهر فيه ميل للغدر والشر والاستماء والجبن . . وهذه أشياء تسوق إلي الجرائم كالسرقة والانتحار .

أما أصحاب الضعف العقلي ، فهؤلاء ذوو الشأن في نظر علم الاجتماع والقانون . لان عددهم وافر . يعيشون بيننا ، فنجالسهم ونحادثهم ونشاركهم في الأعمال . لا نراعي حركاتهم ولا أحوالهم . وهؤلاء يقفون في نموهم العقلي عند درجة لا يتعدونها . فالذي بلغ العشرين من عمره ، يحاكي صبيا ذا خمس سنوات . وتغلب عليهم الحماقة ، وإذا كان فيهم من يميز الحق من الباطل ، فإن ضعفه يحول دون ميله إلى الباطل . وهم لا يصغون إلى صوت الضمير . لذا يغدون فريسة الشهوات واللذاذات . وتعظم الأثرة فيهم ، ويحتقرون الناس . وهذا وذك بسوقاتهم إلى الحقد والحسد واللحجاج ، وهذه علل توقظ فيهم الأثرة ، وتسوقهم إلى المعاكسة والمشاكسة والشك والريبة . ويبغضون الناس والأصدقا ، والأقرباء . ومن الصفات البارزة في هؤلاء ( الوهلية shontannee وهي حالة تحدث فجأة بغير اختياره فهم ينفذون رغباتهم دون تعقل أو روية .

ولأن وقد بحثنا في هؤلاء المرضي بحثا مستفيضا . نتساءل : ما هي آراء الطب في مسؤولية مريض العقل !

كانت الهيئة الاجتماعية في الأزمان الخالية تنظر إلى الجناية نظرة فيها قسوة ، فتسوق الجاني إلى القتل . حتى جاء الرومان فميزوا ذا العقل السليم من ذي العقل المريض ، ولكن صعب عليهم تعيين الشرط الذي يستدعي فساد العقل فقد يعلم مريض العقل أن ما أقدم عليه محرم لا يجوز له فعله ، ومع ذلك فهو يرتكب الجناية ، مسيرا لا حول له .

على أن هذا لا يدفع على جعل مريض العقل مسؤلا عن عمله يؤيد ذلك الأدلة المدونة في كتب الطب الشرعي . ولكن بعض الحكام لا يزال معرضا عن قبول البادئ التى وضعها علماء ( الانتربولوجيا ) وعلماء الفلسفة العقلية ، ويصرون على إنزال العقاب بالجاني ، لأن القتل أنفى للقتل .

أما مسئولية مريض العقل في فترة الصحو ، فمختلف فيها فالمحلفون وعلماء الجنابات القدامى يقرون قسما من المسئولية ، تعادل ما في عقله من قسم صحيح .

غير أن علماء النفس المحدثين وعلماء الجنايات أشباه ( ما غنام ) و ( لومبروزو ) و ( غاروفانو ) و بروفه و مانوفري  و لافاسان  ؛ يقولون إن الجاني يكون بحث تأثير عاملين : الأول ذاتي والثاني خارجي فلا قيمة لتثنية المسئولية في مريض العقل.

النتيجة

والنتيجة التى ينتهي بها البحث هي أن الطبيب الشرعي إذا دعي لإعطاء رأيه الفني في جناية فعليه ان ينظر إلي الجناية والجاني ، فيعين إذا كان الجانبي مجنونا أو مريض العقل ، أو كانت الجناية بسائق دوافع مرضية . فإن كانت وكان ، كذلك ، فتعلم عندئذ أنه كان مجبرا على ارتكاب ما ارتكب . فمن كان هذا شأنه ، لا يعد مسئولا أمام القانون عن جريمته لأنه مريض ، يجب أن يعني به ويداوي ، فقصاصهم ظلم ، وليس على المريض من حرج . وبعد ، فهذا ملخص الحديث الذي ارتجله معالي الدكتور عبد الرحمن الكيالي ، وزير العدل ، وإنه لحديث عجيب طريف ، حري بأن أصطاده وأقدمه لقرابي

اشترك في نشرتنا البريدية