الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 277 الرجوع إلى "الثقافة"

صيد من بلاد الشام

Share

هذا ربيع الشام :

أرأيت بحرا هزجا ، أمواجه الناعمات زهر ، وجوا غنجا نسماته الرشيقات عطر ، ودنيا من الجمال ، أبدعها الله لتأوي إليها الفتنة والسحر

أعرفت فردوسا هبط إلي الأرض من الجنان ، أم رنوت إلي النور القدسي يتنزل من السماء ، وإلى السرور يفيض في الأجواء ، وإلى الصواحب الرعابيب الحسان ، يحتفلن في جنبات الحقول ، بين بسمات الزهور ، في أبريل أصبح الشهور ، بعرس الدنيا ويقظة الحياة .

فسبحانك ، سبحانك يا خالق الشام . .

أدباؤنا والربيع

وأنا لا أستطيع أن أصف جمال هذا البلد الحبيب إلي قلبى، إن جماله علوي ، قدسي معجز . . وإن هذه الألفاظ التي تقرأونها ، لأضيق من أن تعبر عن معان تفور في صدري ، وتضطرم في نفسي . . أألفاظ تصور إبداع الله ...؟-

يا لسحرك يا ربيع بلدي ، ويالفتنتك يا غوطتي الغناء...

وما علي وقد أظهرت عجزي ، إلا أن أنقل لك ثلاث قطع ، لثلاثة أدباء ، أوحاها إليهم هذا الربيع الساحر الضحوك الجذلان

هذا أنور العطار ، يصف الربيع - بألفاظ أنيقات تعب في اصطيادها ، وجود في سبكها - فيقول :

هو ذا موكب لآذار حلو          يتمشي على السهول لعوبا

ملأ الأرض والسموات عطرا  ونفي الهم ، والضني ، والشحوبا

وعلي معطف المروج تراءت    قبل للربيع تنفح طيبا

تجد النفس في شذاها الأماني     صورا تترع الجنان لهيبا

تغمر الروح بالهناءة والصفـ    و  كما يغمر الحبيب الحبيبا

اليواقيت في النواظر ذابت  وجري السحر بالضياء مشوبا

جدول يلهب القلوب غناء  ظل من موجه السني سكوبا

ألمس النور في تلاميعه الزهـ ( م )  ـر وأشتف روحه المحبوبا

وأري العطر وهو هيمان في الدو  ح يناجي في غصنه العندليبا

وأحس الحياة تركض في العشـ  ب وتسري بين الحقول ربيبا

كل شىء هنا يغني ويحيا   نعما ممتعا ، وشدوا عجيبا

فهذي صورة من أنور العطار للربيع

وإنها لصورة ملأى بألفاظ حسان ، وسبك يذكرك

بالأنغام ، ولكنها فقيرة المعاني جامدة الألوان .

وهذا صلاح الدين المنجد ، يصف الربيع ، فيتخيل أن الربيع طوف في الأرض ليجد بقعة يأوي إليها ، فلمح غوطة الشام فعشقها وهام بها ، وحمل إليها زهوره وعطوره . لترضي عنه . . يقول :

" . يا غوطة الشام ! " قد جئتك مسرعا ولهان ، وباسما فرحان .

" خرجت من الغيوم البيض كالعذاري فخفقت في الفضاء ، ورتعت في الهواء ، وطوفت في الأرض ، ثم سحرتني . . فأويت إلي أحضانك الربا . . يا غوطة الشام

" حملت إليك ما تشتهين . لك الزهر ، لتحليك بسماته " ولك النحل ، لتطربك هزجاته " ولك العطر ، لتسكرك عبقاته . " فابسمي لعيني الحلوتين . . أنا الربيع الجميل ، جئتك من الغيوم البيض كالعذاري . . وحملت إليك الحياة والجمال ، والنور والصفاء

" اسمعوا ، اسمعوا " أيها الشعراء ، والأدباء " تعالوا إلي عروسي المعطار ، وانظروا الجمال الفتان ، يضحك في كل مكان ؛ والكواعب الحسان كباقات الزهر الريان ، يتنادين ، ويتمازجن ، ويتراشقن بالريحان ، ويرسلن بين هذا ، وذاك ، الأنغام

" أنصتوا إلي غماغم الهوي المعسول ، وشدوات الرعاة ، وسجعات الطيور ، وتمتعوا بالربيع النديان ! يزهو بغوطته المفتان . وينفث الرحيق في أشجارها ، وينشر الأريج في أجوائها ، ويحلي بلآلئ الغمام أعطافها ، ثم يداعبها بالقبل ، ويسكب لجمالها الدموع ، فتصبح القبلات زهرات ، وتستحيل الدمعات ينابيع متفجرات !

" هنا ميلاد الحب ، وهنا عيد الشعر ، وهنا مسرح الغيد والغزلان . أنا الربيع الجميل ، فررت من الغيوم البيض كأبدان العذاري ، ثم ... أويت إلي جنة الأرض إلى غوطة الشام ! "

فهذا وصف لطيف ، بلفظ حسن ، وفيه شىء طريف ، لقد عشق الربيع غوطة دمشق ؛ وإنها والله لخليقة بأن تعشق ، جديرة بأن تحب ، ثم إنها والله لتفتن كل جميل في هذه الدنيا . ومن يعطف على الجميل غير الجميل ؟ !

وهذا شاعر من الشعراء - هو زكي المحاسني لا يعبأ كالعطار بانتقاء الألفاظ ، ولكنه يجهد ، كما يقولون ، بصيد المعاني . يقول :

وربيع الشام يملأ قلبي            وأري فيه متعتي وشبابي

سجعات من جوه حشو سمعي  جددت لي على المدي إطرابي

عقبات من زهره الحلو ريا      هن في الشم أجمل الأطياب

عدوة النير بين مسرح الحب . . وبأفيائها جنون التصابي

هامة الشام هامتي وأري في    ربوة الواد ، خير كل الروابي

قلت للنهر وهو يجري لجينا     يا حنين الظماء عند الشراب

بردي ! ضفتاك جنة الخلد      قد حظينا بها بغير حساب

كلنا مذنب إلى الله حتي         ما أري الطفل ناجيا من عقاب

فاتركوني في جنة الشام ألهو    قبل فوت الحياة دون متاب

بأبي تربة ، أكب عليها          أنشق المجد في صميم التراب

فهذا وصف يستهويك بما فيه من حنين ووله وحب لهذه الجنة التي يريد الشاعر أن يلهو فيها قبل فوت الحياة ؛ ويؤثر فيك بصدقه وسذاجته ، فلا يصدمك جمود الألوان ولا تكلف التبيان .

ولست الآن في معرض التفصيل والتفضيل والقايسة ؛ وإنما أنقل ثلاث مقطوعات ، وقعت تحت يدي الساعة مصادفة فنقلتها . وإن هناك مقطوعات قد تكون أجود سبكا وأبرع وصفا ، ولعلك بعد ذلك تستطيع أن تعلم ما في ربيع الشام ، ثم لعلك أن تري بعض الرأي في هؤلاء الأدباء الثلاثة . وسأرجع إلي التكلم عليهم بعد أسابيع إن شاء الله .

مؤتمر الأدباء أذكر أني قرأت دعوة في مجلة الرسالة من الأستاذ

صلاح الدين المنجد ، إلي الأدباء ، يدعوهم بها إلى عقد مؤتمر عام يجمعهم ، فيتبادلون الرأي فيما بنقصنا وفيما نحن بحاجة إليه . .

وكانت أول دعوة إلي هذا المؤتمر ثم كتب الأستاذ " دريني خشبة" مقالا رحب بدعوة صاحبنا المنجد وأبان عما سيكون لهذا المؤتمر من أثر وفضل ، وأشار إلى اجتماع كان في النادي الشرقي لتكريم المحاسني وزوجه الأديبة الفاضلة السيدة سكاكيني

ثم كتب الأديب السعيد " قاف" الثقافة كلمة ، تساءل فيها : " ولم لا يفكر أهل الأدب في مؤتمر بجمع أدباء مصر إلي أدباء الشام والعراق والجزيرة ، والسودان ؟ " وإنه لتأييد جميل من أدباء مصر لدعوة أديب سوري .

وإنه لدليل على أن مؤتمر الأدباء  ينبغي أن يقوم ، وأن يكون . .

وقلت لنفسي بعد أن قرأت ما قرأت : الأدب فوضى ، لا مقايبس ولا حدود ولا موازين . وإن نفرا من الأدباء ، غرتهم الألقاب فخدرتهم . وغشت على قلوبهم فهم لا ينتجون .

وإن آخرين يتعامون عما يحيط بهم في هذا المجتمع ، من يؤس ، وألم ، وفقر ، فلا يكتبون ولا يصورون .

وآخرون يخلقون العداوة خلقا ، فيوقعون ، وينمون ولا  يتقون .

وإن الدنيا تفور وتثور ، وتتجه الدول وجهات متبابنات ، وتنحو مناحي مختلفات ، وأدباؤنا ، وهم قادة الرأي ، نائمون ، لا يعرفون أين بتجهون ، أو كيف يوجهون ، ولا أني يقصدون .

وإن من الأدباء من يلفظ أنفاسه ليؤلف كتابا يذكر ، فما يكاد يظهر ، حتى يسرقه الناشرون .

وإن من الناشرين من يذيع السخف والهراء ؛ بأساليب بلغت من السفالة المبلغ الكبير ، في كتب

بشرف عليها أدباء كبار ، أو أديب مستبد ، وكلهم يتاجرون . والناس يتلقون السخف ، وسائر الأدباء صامتون . .

والنقد ، يا ويل النقد ، أضحي مديحا وتقريظا ، يزيد الضعيف ضعفا ، والسخيف سخفا ، ثم لا يدل على الطريق . .

فمتى يقوم مؤتمر الأدباء ، متى يقوم ؟ . .

) دمشق (

اشترك في نشرتنا البريدية