يقظة - منشورات البابيروس - منشورات أصدقاء الكتاب _ لجنة التأليف والترجمة والنشر وعيون الأدب الغربي - في المجمع العلمي العربي - في المعهد الفرنسي الدكتور أحمد زكي : ما رأيك وماذا تحب ؟ . .
يقظة :
أصل اليوم ما انقطع ، وأعود إلي التحدث عن الشام وأدبها ، وأدبائها ، وعلمائها ، ونهضتها . وأنا موقن أن في ذلك خيرا ذا ألوان شتي ، وأن ذلك سبيل التعارف والتآلف ، والتقرب والتحبب .
وطريف أن أنقل إلي قراء البلاد العربية طرفا من أخبارنا ، أو أصور مظاهر اليقظة والحياة في بلدنا ، وأنوه ببواعث النشاط والوعي لدي أبنائنا.
لقد كانت السنة الخالية سنة خير وبركة ، إذا قيست بالسنوات اللواتي مضين قبلها . فاليوم نري توثبا واندفاعا ، ونري عملا وجهودا ، ونري محلات ومنشورات ونلمح يقظة في السياسة ووعيا للقومية . كل أولئك يومئ إلى رغبة في العمل . وإذا وجدت الرغبة ، واقترنت بالعزيمة فأبشر بمحصول كثير .
منشورات البابيروس :
صدرت في دمشق سلسلتان من المنشورات مختلفتان أما الأولى فسلسلة البابيروس أو اليقظة ، وكان هدفها نشر الثقافة ، تقليدا لسلسلة " اقرأ " المصرية . وقد كنا حمدنا لأصحابها عملهم هذا أول الأمر . ثم أخذنا علي هذه السلسلة ضعفا في بعض أجزائها ، وقد يسىء إلى سمعة دمشق عند من لا يعرف أدباء دمشق . وأنا على مثل اليقين أنها إذا عنيت بإخراج الكتب وطبعها . وانتقت
الموضوعات الحسنة ، واختارت الكتاب المجودين . فسيكون لها رواح كبير .
وفيما صدر عنها ، وهو جدير بالذكر ، كتاب الزواج للدكتور الشطي ، وفصول في النقد لروحي فيصل ، وما وراء الطبيعة لحافظ جمالي ، وهاروت وماروت لخليل هنداوي
منشورات أصدقاء الكتاب
أما السلسلة الثانية فمنشورات أصدقاء الكتاب . وغاية هؤلاء الأصدقاء نشر تراث الشرق إلى جانب روائع الغرب . وقد شرطوا أن يكون كتاب سلسلتهم ممن نبه ذكره ، وكان ذا اختصاص بما يكتب . وهذان أمران يؤديان إلى النجاح إذا تقيد الأصدقاء بهما . وقد صدر الكتاب الأول عن " النابغة الذبياني " للأستاذ سليم الجندي ، عضو المجمع العلمي . وهي دراسة واسعة جيدة ، وطبعها حسن . وعندي أن هؤلاء الأصدقاء ، إذا وفقوا إلى التقيد بما رسموه لأنفسهم ، فسيكون لهم - وقد أوتوا الثقافة والفهم _ شأن في عالم النشر.
فه التأليف ، وعيون الأدب الغربى:
ولقد أعجبني من الأصدقاء العناية بروائع الغرب . وأنا مازلت منذ بعيد أدعو إلي نقل هذه الروائع . لقد أصدرت لجنة التأليف والترجمة والنشر سلسلة عيون الأدب الغربى ، وكان فيها كتب جياد لطاف . يكفي في تقريظها أنه اشترك فيها أشباه المازني ، والدكتور أحمد زكي ، والدكتور مندور وغيرهم . . وهذه السلسلة توجب علينا أن نشكر اللجنة ورئيسها عليها . ثم وقفت . وإني لأرجو أن تواصل اللجنة عملها هذا ، لنستمتع بهذه العيون ، الساحرة ، الفاتنة . فإن هناك روائع كثيرة لم تنقل إلي العربية . . ولا عيب أن يساعد اللجنة في عملها المثقفون الذين اضطلعوا باللغتين العربية والفرنسية ، أو الإنجليزية في البلاد العربية ، فيكون لها فضل السبق في توثيق الصلات
الثقافية بين هذه البلاد ، كما كان لها الفضل في نشر الثقافة فيها
في المجميع العلمي العربي
ولا جديد في المجمع بعد مهرجان المعري . هذا المهرجان الذي يقول أعضاء المجمع أنفسهم إن مالحقه من الفوضى قد أثر فيه . ويكفيه حسنا أنه كان لدينا سببا للتمتع بكبار العلماء والأدباء والمفكرين ، كالنشاشيبي وأحمد أمين ، والدكتور طه ، والدكتور عزام . . ثم ماذا ؟
يقول رئيس المجمع : " لقد ثابر المجمع على إصدار مجلته ، وألقيت محاضرات في ردهته ، وقدر المؤلفين فشجعهم واستقبل عددا غير قليل من العلماء والوجهاء والرؤساء ، وأهداهم بعض منشوراته . . . " ( ١ )
والذي طربت له حقا أن ينحو المجمع هذا المنحي وأن يكون فيه عضو يستقبل الزائرين ، والوجهاء ، والرؤساء . فإن من الجميل أن يكون ذلك ، وأن تقدم لهم القهوة اللذيذة واللفائف الطيبة والمنشورات القيمة ، وأن تظهر الأرستقراطية بأجلى مظاهرها فهذا كله يدل على أن دمشق تكرم ضيفها وتحسن إلي الغريب عنها
وأما التقدير والتشجيع فلهما حديث آخر أما المحاضرات الأسبوعية ، فقد اختصرت هذا العام وجعلت محاضرة كل أسبوعين . وقد لوحظ أن عدد الراغبين فيها قد قل .
ومن المحاضرات التي ألقيت هذا العام . محاضرة ذات قيمة للدكتور عبد الرحمن الكيالي وزير العدل ، عن " الحقيقة في نظر العلم " وسنلخصها في عدد قادم .
ولابد من أن نذكر أن المجمع نشر رسالة الملائكة للمعري وقد علق عليها الأستاذ سليم الجندي .
وأنه سينشر تاريخ الحكماء للبيهقي ، وديوان ابن عنين ، والرسالة الجامعة للمجريطى
في المعهد الفرنسي :
ويجدر بنا ، ونحن نتحدث عما تنتجه دمشق ، ونسمع بمن يعمل على نشر الثقافة فيها ، أن ننوه بالمستشرق المطلع هنري لاوست ، مدير المعهد الفرنسي . والسيد لاوست معروف بدراساته الشاملة الدقيقة . وهو الآن يضع تأريخا للأدب العربي في مختلف عصوره ، وينقل إلي الفرنسية البداية والنهاية لابن كثير.
وهو عامل على إعادة طبع تاريخ دول الإسلام للذهبي بالعربية ثم نقله إلي الفرنسية . وقد أضاف اليه تعليقات كثيرة .
وهناك دراسة عن الحياة العقلية في سورية زمن الأيوبيين وأوائل المماليك ، ستصدر بعد قريب .
وفي حقل الدراسات الإسلامية يتابع السيد لاوست أبحاثه عن الحنابلة ، وهو يرمي من وراء ذلك إلي تهيئة دراسة عن الفقه الحنبلي ، وتاريخ المذاهب السياسية والاجتماعية في الإسلام.
وقد كان السيد لاوست أصدر دراسة قيمة عن حياة أبي العلاء وفلسفته ، أيام المهرجان.
والمعهد يطبع الآن كتاب تقييد العلم للخطيب البغدادي . وقد علق عليه وعني به الأستاذ يوسف العش .
وهو ساع في طبع سلسلة من الكتب المخطوطة التي تبحث في أخبار حكام دمشق وولاتها ، مند زمن العباسيين إلي أواخر العثمانيين .
وقد طبع المعهد المذكور كتبا مخطوطة أخرى ، سأفرد كلمة خاصة لها ، أبين فيها قيمها وما اشتملت عليه
وقد صدرت مجلة المعهد الأخيرة . وفيها دراسة جيدة عن أصول رواية شهيرة في الأدب العربي الحديث ( عيسي بن هشام ) للمستشرق هنري بيرس من جامعة
الجزائر . وقد تطرق في ثناياها إلي ذكر كثيرين من أدباء مصر المعاصرين.
الدكتور أحمد زكي : ما رأيك وما تحب ؟
كنت قد فرغت من قراءة طرائف الدكتور أحمد زكى في المسموع والمقروء ، وكان في المجلس بضعة أدباء . فخطر لي أن أسألهم السؤال الآتي :
" أية مقالة تبدأ بها في الثقافة دائما ؟ ولماذا ؟ " فانقسموا فئات : أصحاب اليمين مع أحمد أمين ، وأصحاب الوسط مع أحمد زكى ، وأصحاب الشمال مع آخرين من كتاب السياسة أو المشكلات .
وعلا الضجيج فقال أحدهم ، وهو من أصحاب الدكتور أحمد زكى : كلكم مخطئون ، وأنا خليق أن أثبت لكم أن أول مقالة يجب أن تقرأ هي مقالة صاحبي.
قلت : هات . قال : تعلمون أن الأدباء ينفرون من العلم لدقته وصعوبة أموره . والدكتور عالم . والعلم ذو مباحث صعبة جافة ، لا يستطيع أن يفهمها كل واحد منا ، ومع ذلك فهو قد أوتي القدرة على الإفادة والتفهيم ، وبعث اللذة في نفس القارئ . وتبسيط الأشياء وعرضها بصورة جذابة فمقدرته هذه تجعله مفضلا عندي.
قلت : إن ما ذكرت نتيجة لسر تفوقه إذا كتب في موضوعات علمية ، أما السر فهو عندي أنه يفهم جيدا إذا قرأ . ولذا يجيد إذا كتب ، ثم يوفق إذا انتقي وهناك أمر آخر . فيبدو لي أنه كان أديبا قبل أن يكون عالما . قال : بل هو عالم ، يملك ناصية العلم ، ثم يسخر الأسلوب الأدبي في كتابته. قلت : لا هو أديب في نشأته وطبعه ، وهو قد حذق سحر الأدب . وأستطيع أن أجزم بذلك . ثم تعلق بالعلم وموضوعاته . فسخر سحر أدبه لتذليل صعوباته . ولو أنه كان عالما قبل أن يكون أديبا ، لما رأيت في أسلوبه هذه
الحلاوة والطلاوة . هذا فلان ، وفلان ، يطرقان موضوعات العلم ، وليسوا بأدباء ، أفتجد في أسلوبهم ما تري هنا ؟
قال : لن أجادلك ، قدر ما شئت . المهم عندي أنى أقرأ لطائف علمية منتقاة ، وأقرأ طرائف اجتماعية حلوة ، فأفهم ما أقرأ بسهولة . وأفيد منه بسهولة أيضا .
قلت : وماذا تحب من طرائفه ؟ قال : مما كان على طراز " الجنتلمان " مما يربى النفس ويعلم الحياة ، ومما كان على نمط رقص المعدة ، الذي يثقف ولا يتعب .
فانبري صاحب الأستاذ أحمد أمين ، وألقى محاضرة في تفضيله وبيان السبب في ذلك ( ١ ) وقام ثالث يفضل مقالات السياسة . . ثم علا الصياح . . وانفض المجلس وكل يتعصب لصاحبه
( دمشق )
