يوم ميسلون :
لعل أعظم يوم في تاريخ سورية الحديث ، قبل يوم الجلاء ، هو يوم ( ميسلون ) .
وميسلون ، بقعة هادئة ، انتصر في روابيها الجيش الفرنسي وعلي رأسه ( غورو ) عام ١٩٢٠ ، على الجيش العربي الفتي ، وعلي رأسه ( يوسف العظمة ) فهزم الجيش العربي وصر القائد البطل ، ودخل الفرنسيون ( دمشق ) فاحتلوها ، واحتلوا من بعدها ( سورية )
هو يوم خابت فيه آمالي العرب ، وآمال الأحرار الثائرين .
يوم فشل فيه رجال الثورة العربية ، بعد أن أحبط أعمالهم وبدد أحلامهم ، ومزق شملهم ، دسائس الفرنسيين وخداع الإنجليز
لقد كانوا يريدون تحقيق حلم ضاحك جميل . فإذا بهم يرون المأتم المؤلم الحزين .
ماتم بدا ، فطوي عهدا من اعنف عهود الثورة والتحرر في تاريخنا الحديث ، وبدا ومعه عهد الظلم والعنف والتنكيل ، علي يد الفرنسيين
هذا اليوم الذي محا سواده تألق يوم الجلاء ، ذو قصة غريبة .
لقد ولدته حوادث كثيرة سبقته حوادث اشتركت فيها دول كثيرة ، وراوغت فيها دول مختلفة ، وكانت هذه الحوادث مظهرا لخداع الغربيين وكذبهم ، ونكثهم بالوعود وبالعهود .
هذه القصة ، يقصها علينا اليوم ، بعد ستة وعشرين عاما رجل من أعظم رجالات العرب ، القوميين ، في الشرق العربي ، هو العلامة ساطع الحصري .
هذا الرجل الذي راقي ثورة العرب ، منذ فجرها ، وسهم مع الأمير ثم الملك فيصل ، في دمشق ، في شؤونها ، وحل كل ما في وسمعه لنهضة العرب ، في العراق وفي سورية
فهو إذا تحدث ، تحدث عن اطلاع ، إنه شاهد عيان . وقد قسم قصة يوم ميسلون هذه ، التي فرغ من تدوينها ، والتي ستظهر قريبا ، إلى مدخل وثلاثة اقسام
أما المدخل فذكر فيه يوم ميسلون ومكانته في تاريخ العرب الحديث ، وابان عن مطامع الفرنسيين ، في مصر أولا ، ثم في سورية أخيرا .
وفي القسم الأول ذكر المقدمات الخارجية ، وتنازع الدول علي الشرق الأوسط ، وتقاسمها إياه ، ثم المقدمات الداخلية ، وكيف اطمان العرب إلي وعود الإنجليز ، وكيف باءوا بالفشل لركونهم إلي أقوال أولئك الملاعين .
وفي القسم الثاني بدأ يذكر الوقائع : قبل الإنذار ، وبعد الإنذار ، وبعد يوم ميسلون
وفي القسم الثالث سرد الوثائق الرسمية ، التي تتعلق بما قبل إعلان استقلال سورية ، والتي تتعلق بالاستقلال وتتويج الملك فيصل ثم وثائق الإنذار ، ثم الوثائق التي ظهرت بعد يوم ، ميسلون
والكتاب ، يجمع تاريخ العرب الحديث كله بين دفتيه . وأعتقد أنه سيكون له شأن ، وسيشغل الناس طويلا ، وسيعلمهم صفحة رائعة من صفحات جهاد العرب ، في سبيل استقلالهم ، واستعادة مجدهم تري من يكون له شرف نشر هذا الكتاب ؟ .
تراجم :
أفادتنا كتب التراجم في إظهار عصورنا الخالية ، فائدة كبرى . فنحن ما نزال ندرس طرقا كبيرا من تاريخنا ، من خلال تراجم أولئك الأشخاص الذين شغلوا
تلك العصور بأعمالهم واثارهم وأخبارهم
وآخر ما ألف في التراجم " سلك الدرر في تراجم أعيان القرن الثاني عشر " ، ولم يورخ رجال القرن الثالث عشر أحد على ما أعلم
وها هو ذا استاذ دمشق قد قام بهذا العمل . هو الشيخ جميل الشطي مفتي الحنابلة بدمشق ، فقد ذيل سلك الدرر ، وجعله في تراجم أعيان القرن الثالث عشر
والكتاب يجمع تراجم الدماشقة في القرن الحالي ، وتراجم عدد كبير من المسلمين واعلامهم في البلاد الأخرى الذين أحاط بهم علمه وقد فرغ من الكتاب وسيطبع قريبا
تأريخ المدن :
تعجبني الدراسات التي تؤرخ المدن . ويزواد إعجابي ، عند ما أري المؤلف ينظر إلي المدينة كأنها كائن حي ولد فدرج فيها ، ثم شب فاشته ، ثم اكهل ثم شاخ فهذه النظرة وحدها تأتي بخير ، لأنك ترافق نحو المدينة في جميع أحوالها ، وتستمع إلي طرائف أخبارها وتطلع على رقائق امورها ، وتشهدها في عظمتها وضعفها وفي سعدها وازدهارها ، وتحسبها وانحطاطها ، ونري ، بعد ذلك ، صفائها في كل حال من هذه الأحوال .
ولقد عنى الغربيون بتأريخ مدن الفن والحضارة ، وبتاريخ العواصم الكبرى ، تأريخا كهذا . فأنت تجسد عن كل مدينة كان لها في تاريخ الحضارة اسم ، كتابا . تقرأ فيه ما تشاء ، فلا يخفى عليك خامية ، لان فيه ما تتوق النفس إلي عرفاته . وهكذا نجد تاريخا لباريس ولكن وبرلين وأثينة وغيرها .
ما أحوج مدن الشرق ، إلي دراسات كهذه لقد ذكرت هذا ، عند ما قرأت دراسة المستشرق
سوقاجه عن مدينة حلب (1)، وهي دراسة ظهرت منذ سنوات ، ولم نقراها ، بسبب الحرب وانقطاع المواصلات ، إلا اليوم .
هذه الدراسة هي محاولة لإظهار نمو عاصمة الحمدانيين منذ نشأتها ، إلى منتصف القرن التاسع عشر . وقد تقدم بها هذا المستشرق إلي جامعة باريس ، لنوال شهادة الدكتوراه وقد حدثني من شهد نقاشها انها كانت فتحا في الدراسات الآثارية لتاريخ المدن ولقد قرأنها فلمست الجهد الكبير والوقت الطويل الذين بذلهما المؤلف لوضعها ؛ فقد بدأ بموقع المدينة ، وذكر كيف نشأت ، ثم حل العوامل التي ساعدت على نموها . ثم أخذ يصف المدينة الهلينية والمدينة الرومانية ، ثم ما كانت عليه زمن العزنطيين ، ثم ما آلت إليه تحت حكم العرب المسلمين ، في زمن الأمويين ، والعباسيين ، والسلاجقة الاتراك ، والنوريين ، والأبويين ، والمماليك ، وأخيرا العثمانيين
وقد ألحق المؤلف بدراسته مجموعة من الصور ، بلغ عدد صورها سبعين لوحا .
فعسى أن نقوم نحن بدراسة مدننا . . فمن العار أن أن يعلمنا الأجانب ما ينبغي أن تكون أول من يعرفه .
نهضة في حلب :
وما دمنا نتحدث عن حلب الشهباء فمن الواجب أن تذكر تباشير نهضة ظهرت فيها
فقد كان فيها دار كتب ، ترتبط بالمجمع العلمي العربي بدمشق . وكانت مهملة ، في مكان مظالم ، يفر الناس منه إذا رأوه .
وبعد عام ١٩٣٦ ، بدي ببناء دار كتب عظيمة فيها ،
وكان الذي سعى في بنائها معالي الأمير مصطفي الشهابي محافظ حلب يومئذ ، ومحافظها اليوم
وتم بناؤها ، ففاقت بسعتها دار الكتب الظاهرية بدمشق . ولكنها ظلت مهملة :
وضحك لهذه الدار الحظ ، ففصلت عن المجمع ، وإذا بها تزدهم ازدهارا رائعا ، فبشتري لها عدد عظيم من الكتب ، ونقوم الآن بمشروع عظيم .
هذا المشروع هو دعوة كبار الأدباء والعلماء في الأقطار العربية كلها إلي حلب لإلقاء محاضرات في دار الكتب الوطنية .
وتكون النفقات كلها على دار الكتب ، مذ يخرج المحاضر من بلدته حتى يعود إليها .
وقد دعي محاضران من لبنان ، وسيدعي ادباء وعلماء من فلسطين والقاهرة
ويقوم اليوم على رأس دار الكتب بحلب الشاعري السوري النابغة عمر أبو ريشة
وسنعني ، في صيدنا ، بالتنويه بأدباء حلب وأخبارهم وآثارهم ، إن شاء الله
اقتراح :
يظهر أن ادباءنا وعلماءنا وباحثينا قد بلوا بداء التكتم . فهم يكتمون ما يشتغلون به ، وما يؤلفونه . وكل يعمل سرا ، يخاف أن يدري به الآخر .
ولكن هذا التكتم يجر إلي مساويء كثيرة فقد يدأب اثنان علي دراسة موضوع واحد فإذا فرغا منه او كادا ، علم كل بعمل الآخر ، فندم ، وود لو علم قبل ذلك ، فانصرف عن الموضوع إلي موضوع آخر .
وقد يقبل اثنان على تحقيق كتاب قديم واحد ، فإذا قطعا فيه اشواطا علم كل بخبر الآخر . وعندئذ يصر كل على إخراج الكتاب ، وهذا امر لا يستحسن ، أويهملان الكتاب ، وذاك أمر فيه كل الشر
وما زات أذكر كيف تشاحن الأستاذان كوركيس عواد ، من بغداد ، وصلاح الدين المنجد ، من دمشق ، لأجل كتاب " الديارات ". فقد كان الاثنان يحققانه . ولما علم كل بأن الآخر يحققه تشاحنا وأصر كل على إخراجه .
وكان الدكتور أحمد سامح الخالدي ، من القدس ، قد حقق كتاب الفاضل للوشاء النسوب خطأ لابن الأعرابى ، وقد كاد الكتاب ان يطبع ، وإذا بالأستاذ أحمد محمد شاكر يعمل على تحقيقه ، أو انه حققه فعلا وبدأ بطبعه في دار المعارف . .
ولجنة التأليف والترجمة والنشر ، تطبع الآن كتابا للأستاذ الباز العريني ، من الحسبة ، وفي الوقت نفسه ، ذكرت إحدي المجلات الأدبية في القاهرة أن الدكتور طلس يحققه ، أو يريد أن يحققه . .
والأستاذ خليل مردم بك ، يخرج الآن ديوان ابن عنين ، وهو يشتغل " منذ ست سنوات او كثر ، وقد علمت أخيرا أن أحد كبار أدباء القاهرة قد حققه ايضا ، وأنه اتفق مع إحدي دور النشر لطبعه
فهذه أمثلة ذكرناها ، لأنا عرفناها ، ولعل هناك أمثلة أخرى . لا نعلم بها ، لأن الأدباء يتكتمون ، ولا يخبرون بما يفعلون
لذلك تقترح أن تخص مجلة الثقافة في كل عدد صفحة يذكر فيها الأدباء والباحثون في البلاد العربية ، ما يؤلفون من الموضوعات أو ما يحققون من الكتب ، ويسأل بعضهم بعضا فيها عن المصادر او الأمور التي لا يجدون لها حلا ؛ وبذلك تصبح الثقافة سجلا لأعمال العلماء والآدباء في البلاد العربية ، ويعلم كل بما يعمل الآخر . ويساعد كل اخاء فيها يريده ، وتعلم دور النشر مما يؤلف . فتقتفي ما تريد نشره.
لعل أستاذنا الجليل أحمد أمين بك يوافق على هذا الإقتراح ويساعد على تأييده ، ولعل الأدباء والباحثين يسمعون هذا النداء ويسمعون إلي تحقيقه

