بيرل بك Pearl Back هى الكاتبة الأمريكية الكبيرة التي وجهت إليها جماعة نوبل جائزتها الأدبية في العام الماضي ، فأصابت الوجهة في مقياس النقد وفي مقياس الخدمة الانسانية والذود عن قضية السلام.
وكل رواية تكتبها بيرل بك يصح أن تسمي " صينية " بجميع معاني الكلمة كما يقولون .
لأنها كتبت كل ما كتبت عن الصين وأهل الصين ، ولا نعرف أديباً غريباً خبر تلك البلاد خبرتها ، وعطف عليها عطفها ، أو وصفها كما وصفتها في رواياتها، وقد تقرأ عشرين كتاباً من تاريخ الصين وطبائع أهلها ومعالم أرجائها ، فاذا بالفرق بين هذه الكتب العشرين وبين رواية واحدة من روايات بيرل بك كالفرق بين السماع عن الصين سنوات وبين الاقامة فيها بضعة أسابيع : ذلك علم بالصين ، وهذا إحساس بحياة الصين ، أو ذلك منقول مسرور ، وهذا مخبور مشهود ، أو ذلك كلمات وأرقام ، وهذا وجوه وأصوات وقرابات وأرحام
ويجوز أن تسمى الرواية من روايات بيرل بك صينية بمعنى آخر من معاني الكلمة .
يجوز أن تسعى صينية على المائدة ، لأنها في الواقع مائدة حافلة بالغذاء الشعر والشراب المريء ، لا كظة فيها ولا حرمان، ولا بذخ فيها ولا شظف ، ولكنها مائدة تشبع وتروى ، وتتركها وأنت مستريح غير نادم
والصينية الجديدة فى رواية الوطنى The Patriot التي صدرت في البلاد الانجليزية منذ أيام : بطلها من الصين . وهو الوطني المقصود ، ومعظم وقائعها حدثت في الصين ، وهى وقائع الثورة الأخيرة بزعامة شيان كاى شيك
ولكنها تحتوى طرفاً صالحاً من تصوير الحياة اليابانية في جوانبها المختلفة : حياة الأسرة وحياة الجماعة وحياة التجارة وحياة الحرب والسياسة ، لأن الكاتبة قد عاشت في بلاد اليابان بعد افلاتها من الأرض الصينية على أو احتدام الثورة فيها ، وكانت ثورة جائحة تتمرد على سلطان الحكم القديم، وعلى سلطان الغربيين من أصدقاء عاطفين وأعداء طامعين، وعلى سلطان اليابان وصنائع اليابان ، فلم تسلم منها يبول بك لأنها بيضاء وكي اوكل أبيض وبيضاء فهما في نظر الثورة العمياء » عدو مبين قبل البحث والراجمة، وقد يتضح بعد البحث والراجمة أن ذلك الأبيض أو تلك البيضاء صديق كريم ، ولكن بعد أن تموت :
في رواية " الوطني " يري القارئ حقيقة المعسكرين انتصار عين بانصاف لا موضع فيه للتشبع ولا للاجحاف ولا للتشويه
فاليابان من جهة بنظامها وانقيادها وصناعتها واستعدادها
والصين من جهة بتراثها الأدبي وجموعها الزاخرة ، ووطنيتها الجديدة التي لم يكن لها قبل العصر الحديث اسم معروف فى جميع لهجاتها.
اليابان همج عند الصينيين والصينيون همج عند اليابان ، ولكل منهما حجة مسموعة ، ولكل حجة من هذه الحجج معني مقبول .
وإذا لحت إبرة الميزان تنحرف في يد الكاتبة بعض الانحراف بين كفة اليابان وكفة الصين فربما كان الانحراف الواضح إلى هذا الجانب الأخير.
وصفت رحلة رسول القائد الأكبر شيان كاى شبك» إلى قائد الشيوعيين من أبناء الصين في داخل البلاد، وكان الرسول زميلا في المدرسة للقائد الشيوعي ، وشريكا له في مظاهرات التلمذة ومؤامرات الشباب، وإن فرقت الحوادث ينهما على غير اختيار من كليهما
في الطريق ينزل الرسول ورفيقه الطيار الامريكي في خان قذر لا غني لهما عن النزول فيه .
فيأتى صاحب الخان بعد هنيهة ويشكو له صباح ذلك (الأبيض المجنون ) لغير سبب ... نعم لغير سبب إلا أن في الفراش بعض مخلوقات الله التى يحق لها أن تعيش في الدنيا كما يعيش كل مخلوق !
نعم ويصبح ذلك الأبيض المجنون لسبب آخر يشبه ذلك السبب في التفاهة والحاقة ... إنه يشكو صلابة اللحم، فاذا يصنع صاحب الخان : لابد للحكماء المدربين من مداراة الحمقى المجانين، وما دام ذلك الأبيض المجنون كالأطفال فيع صياحه وخفة عقله، فليس على صاحب الحان إلا أن يعامله معاملة الأطفال ، وأن يقطع له اللحم فنانا كما يقطعونه للرضعاء والمفطومين !!
والفظيعة الكبرى أن يذهب الرسول إلى الإقليم الشيوعي ، فإذا هم يقبضون على الأسرى اليابانيين فينتقمون منهم أبشع انتقام لما تقترفه الجنود اليابانية من العدوان والتشكيل في أثناء القتال ، ويؤتى بالأسير من هؤلا، فيربط إلى شجرة ، ويحيط به الكبار والصغار للتسلى بتعذيبه واز عاق حياته ، ويكون في القرية يوم كيوم الزينة في المدينة ، ويطعنه هذا ويدفع هذا بأصبعه في عينه، ويموت المسكين الأمر بين الصفقين والشامتين .
ويسأل الرسول زميله قائد الشيوعيين : ماهذا؟ وكيف يأذن بهذه الضراوة الوحشية في إقليمه ؟ فيقول له القائد الشيوعى وهو يعجب لعجبة : وكيف لا آذن بها وهي كل ما أعطيه هؤلاء المحرومين المساكين من مكافأة ؟ إن
القواد يمنون أتباعهم في الحروب بالغنائم والسبايا والحكم على الاتباع والرعايا ... أما نحن في هذا الإقليم فلا تمنيهم بشيء من ذلك ، ولا تستطيع أن تحرمهم هذا اللعب الوحيد من ألعاب القلب والسطوة ، فليجزوا الضراوة بالضراوة وليقنعوا ما يصيبون من هذا الجزاء
وتسوق الكاتبة هذه المحاورة بين الزميلين مساقاً لا يشعرك بسخطها وثورتها ، ولا يشعرك في الوقت نفسه يعذرها وغفرانها ، ثم تمسح هذه القطاعة بما انتهى إليه الزميلان بعد الجهد والنزاع من تبديل انتقام بانتقام ، ومن إطلاق الشيوعيين للأسرى بعد تزويدهم عبادى الشيوعية ليديعوها فى الجنود اليابانية ، وينقلوها إلى العمال والفلاحين في وطنهم الأصيل ، وذلك انتقام أفتك من قتل أفراد معدودين يموتون فتسرى أنباء تعذيبهم إلى إخوانهم فيزدادون حقداً على أهل الصين وإمعاناً في تخريب معالم الصين ؟ .
تمسح الكاتبة هذه الفظاعة بهذه النهاية ، وربما مسحتها قبل ذلك ما أسلفت من وصف الفظائع اليابانية في ميدان القتال، ومنها ما رواه ضابط يابانى أفرط فى السكر فجرى لسانه ما كان يكتمه عن أقرب الناس إليه ، وذلك أنهم كانوا يقنصون البنات الصغار فيا بين العاشرة والخامسة عشرة ، فاذا سحن واستعان هددوهن بالقتل والهشيم، ونسوا أمين لا يفهمن التهديد لأنهن لا يعرفن اللغة التي يتكلم بها أولئك الضباط والجنود ، فاذا أصررت على الصياح كان جزاؤهن على المناد » بقر البطون وتمزيق الأحشاء.
وعلى سنة الكاتبة في التزاع القسوة من نفوس قرانها تروى لك القصة وفى طيها شفاعتها الملطفة لأهوالها ، لأنها تخيل إليك أن الضابط الياباني يفرط في السكر من تبكيت الضمير ، ويبكي وهو يستحضر في ساعة السكر صورة ما جناه
ولا تخلو الرواية من العجائب والنقائض في تصوير
عادات اليابان وعادات الصين .
فمن أعجب هذه النقائض حياة المرأة اليابانية بين المدرسة والمنزل والمجتمعات العامة
لا تري هذه المرأة ضيرا من الاستحمام على مشهد من الرجال وهي عارية كما خلقها الله .
ولكنها إذا وصلت إلى سن الخطبة عكفت على دارها وامتنعت عن لقاء الشبان إلا بإذن من أبويها ، وحرم على الشاب الذى كان يلقاها في بيت أبويها أن يجلس إلى جانبها أو يسأل عنيا في محضر منهما ، ولم يجز لها أن تعارض أباها إذا اختار لها زوجاً لا يرضيها ، فاذا لم يعجبها الزوج فعليها أن تطيع ثم تبخع نفسها للإبانة عن سخطها واعتراضها ، فاذا كان فى هذا الزواج البغيض مصلحة وطنية أو تحقيق المشيئة أمبراطورية فلا اعتراض ولا احتجاج ، بل طاعة من الفتاة ونسيان للنفس وللحبيب المهجور في هذا السبيل
وهذه الفتاة التى يفرض عليها العرف أن تستحى من مجاورة الشاب في مجلس أبيها تزف بعد ذلك إلى زوجها ، فإذا هي تعرف من الليلة الأولى كل ما تعرفه المرأة الخليعة التى تبذات فى إرضاء الرجال سنوات وسنوات . فإن كان الزوج يابانياً فلا عجب عنده من هذا السلوك العجيب وإن كان أجنبياً وراعه ما يرى ويلمس من تلك الفتاة الحفرة التي كانت تأوى إلى الحريم » قبل ذلك بأيام ، فسيعلم بعد السؤال من أين عرفت الفتاة كل هذه الأسرار الأنثوية وهى لم تعرف قط أحداً من الرجال : إنهم يأتون لها براقصة مدربة من شبيهات النساء المسميات « بالعوالم » عندنا نحن المصريين، ويتركونها في مخدعها تعلمها كل ما علمته في حياة الخلاعة والمجون ، لأن المرأة الماجنة لا ينبغي في عرف اليابانيين أن تكون أمتع للرجل وأشهى اليه من زوجته التي يدين لها وتدين له بالوفاء .
عجبت لهذا التناقض بين المرأة التي لا تستحي من العري على مشهد من الرجال وبين هذه المرأة بعينها وهي
تتحجب وتتوارى فى الدار ، وبين هذه المرأة بعينها وهى تزف إلى زوجها فتدخل إليه بخبرة النساء المتهتكات . أليس لهذا التناقض كله من تعليل ؟
أحسب أن تعليله غير عسير لمن عرف ان اليابانيين مقسمون في تاريخهم بين حياة الفطرة وسلطان الأسرة ، فهم على سنة الفطرة فيما بين الذكر والأنثى من علاقة ، وهم على سنة الأسرة فيما بين الزوج والزوجة من قيود الآباء والأمهات ، ولو طال عهدهم بالمدن والحضارة في جزارهم البركانية لأقاموا القناطر الاجتماعية والقناطر العرقية بين الفطرة الحيوانية والآداب الاجتماعية ، ولحرموا من عرى المرأة ما حرمته الأمم التي اشتركت في حضارات التاريخ المتجاورة ، وخرجت من الوثنية في سنن الأخلاق کما خرجت منها في سنن العبادة .
يطلع القارئ على رواية « بيرل بك » هذه فيفهم منها حقيقة اليابان وحقيقة الصين ، ويفهم منها أسرار ما هو حاصل الآن في ميادين القتال ، وما يتوقع حصوله في المستقبل القريب أو المستقبل البعيد إذا طال عمر القائد العظيم الذي يقود الصين في حرب اليابان
فلا قيمة للمدن ولا للمسافات ولا لعدد الناس في خطة هذا الجبار العنيد ، لأنه يؤمن أصدق الإيمان أن الصين باقية بعد كل ما خسرت وكل ما تخسره غداً من المدن والمسافات والقتلى والمستسلمين ، وأن الصين يقترب بعضها من بعض فى آصرة الوطنية الحيمة بعد اشتراكها في الشدة واشتراكها في الدفاع واشتراكها في الهجوم كلما تراخي هجوم الأعداء ، ولكن اليابان لن تبقى على قوتها وامتناعها بعد هذا الصراع الطويل ، ولن يقترب بعضها من بعض كلما طال الصراع، بل هى خليقة أن تتفكك وتتخاذل ، وتبلغ النصر إن بلغته وهى منهوكة لا تدرى ما تصنع من الإعياء، والعاقبة للصابرين :
