الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الثقافة"

صُوَر منَ الحَياة, عهد وثيق

Share

التقيا في الصباح على ميعاد ، لينجزا عملا سريعًا لم يستطيعا أن يعملاه أثناء الأسبوع لكثرة شواغلهما ، وتوزع جهودهما ، فهما أيام العمل كالحصان قد شدت يداه ورجلاه ، بل وشعره ، بحبال وخيوط تجذبه إلى جهات مختلفة متناقضة ، يمينًا ويسارا وأمامًا وخلفا ، فهو لا يستطيع بأن يقطع شوطه ويبلغ مداه .

فليكن يوم الجمعة الخالي من أعباء " الوظيفة " , المخصص للراحة ، هو يوم إنجاز العمل المتأخر الذي لا بد أن يكون .

بدآ في الصباح ، ولذهما العمل وطاب ، واستغرقا فيه ، فلم يشعرا بوجودهما ولا بزمانهما ولا بمكانهما ، ولا بأي شيء حولهما . وأفاقا كأنهما كانا في حلم لذيذ ، فإذا أرجلهما مثلوجة من رطوبة المكان ، وبطونهما خاوية من تفاهة الإفطار ، وعقولهما مجهدة من كثرة العمل . والتفتا لما عملا وما بقى ، فوجدا أن لم يتم من العمل إلا نصفه أو أنقص منه قليلا .

إذن فلنشحذ عزائمنا ، ولا نفترق حتى يتم عملنا ، ولنتكلم في التليفون ألا ينتظرونا في الغداء ، ولنأخذ غداءنا في مطعم قريب نستريح بعده قليلا ، ثم نستأنف العمل حتى يتم ، ولننم بعد ذلك في راحة ضمير وعناء جسم ، فذلك خير من أن ننام في راحة جسم وعناء ضمير .

م : هيا بنا ! ح : إلى أين ؟ م : إلى مطعم " الكرسال" .

ح : يا أخي ، طالما انتقدتك على هذه النزعة القريبة عندك : تفضل المصنع الأجنبي والمقهى الأجنبي والمطعم الأجنبي وكل شئ أجنبي ، كأنك أجنبي ، وفي هذا خطر على مال الوطني وجهد الوطني ونتاج الوطني ؛ إنّ "كانت " الفيلسوف الألماني وضع قاعدة أخلاقية لطيفة نتعرف بها صلاحية الشئ وفساده ، فقال : " إذا أردت أن تعرف شيئًا صالحًا أو فاسدًا فعممه ، فإذا أردت أن تكذب فافرض أن الناس كلهم يكذبون ، فهل تبقى أمة على الكذب العام ؟ يكذب كل رئيس فيها على كل مرءوس وكل مرءوس على كل رئيس في كل ما يقول ، وتكذب الزوجة على زوجها والزوج على زوجته ، والآباء على أبنائهم في كل ما يقولون . فإن نحن طبقنا هذه النظرية تبين فساد نظرك في جلاء ووضوح ، فلو أن كل مصري أراد أن يشتري شيئًا أو يبيع شيئًا أو يأكل شيئًا أو يلبس شيئًا ، استقضاه من الأجنبي ، ما بقى في مصر مطعم وطني ولا مقهى ولا دكان . وأين أنت ومطعم فلان الوطني ؟ : قصر منيف تحول إلى مطعم وطني فاخر نظيف ، صاحبه مصري وخادمه مصري ولحمه مصري وطهيه مصري . إن طلبت اللذة فهو ألذ

من الكورسال وإن طلبت النظافة والإتقان فكذلك ، وإن أردت نفع المصري فهذا وجهه .

م : حرام عليك . ألم تنس ما كنا فيه من عمل عقلي مضن فتريد أن تزيده ضنى وجهدًا - حتى في الطريق - بمحاضرتك الفلسفية ؟ ولا تنسى " كانت " وفلسفته , وإذا تركتك استرسلت إلى شوبنهور وشيلرولسنج ، وأتيت على البقية الباقية من رأسي وعقلي . ارحمني يرحمك الله ، وتكلم في حديث خفيف يدخل السرور علينا ويذهب بعنائنا ، ولأبرهن لك على صدق في قولي بقبول ما اقترحت وتنفيذ ما أردت ، من غير حاجة إلى محاضرة عن " كانت " . فلنذهب إلى المطعم الوطني .

محل لطيف ورائحة شواء تدخل الخياشيم فيجري لها الريق وتنفتح الشهية ، ورنين أشواك وملاعق ، ومنظر أكلة يبشر بأنهما سيلعبان هذا الدور قريبًا .

يا غلام ! هيئ لنا مكانا منفردًا وإن غلا ثمنه ، وأكثر لنا من الكوامخ من كل صنف ، طحينة ، ولبن ، ومخللات ، وابعث لنا برئيسك سريعًا .

وفي لحظة واحدة تم كل ذلك ، فهيئ المكان وأعد إعدادًا حسنًا وصفت عليه الأطباق والأشواك والسكا كين والملاعق وإبريق الماء النظيف الرائق تسطع عليه الشمس فيلمع كالدر ، وامتلأت المائدة بالكوامخ ، وإن تظرفت فقل " السلطات " المختلفة والعيش المقبب وحضر سيد الخدم في سرعة عجيبة !

رطل ونصف من الكباب ، ليس بالسمين ولكن. نعم .

بسرعة مدهشة تساوي سرعتك في سؤالنا . خمس دقائق فقط وإن تأخرت فعشر ، ولكن لا تزد فوراءنا عملٌ ينتظرنا والساعة الآن الواحدة والنصف .

" حاضر " . في أقل من ذلك يحضر الطلب . وأخدا يداعيان العيش المقبب والسلطة واستساغا الطعم فزادا ، وحلا الحديث فتحدثا ، وراعى (ح) صديقه (م) فلم يتحدث في الفلسفة ، وعما انحدر إليها من غير شعور تنبه إلى قول صاحبه فعدل ، وتخلل الحديث فكاهات ظريفة استثتارت الضحك العميق ، حتى خيل إليهما أن لو حضر لهما خروف مشوي لا رطل ونصف لأتيا عليه .

ودخلا في الحديث من باب إلى باب والضحك يتتابع " والسلطة " والخبز يضؤلان . وإذا بالحديث يدور حول الغضب وأسبابه ونتائجه ، وإذا بالسيد ح يقول :

- ألاحظ أن المصريين سريعو الغضب فهم يغضبون من أقل شيء ومن لا شيء ! ثم إذا غضبوا لم يقفوا عند حد ، فشبابهم إذا غضبوا حطموا ودمروا ، وصغارهم إذا غضبوا صاحوا بكل ما يستطيعون من قوة وضربوا الأرض بأرجلهم ، وقد يضربون الحائط برءوسهم ، وشيوخهم إذا غضبوا أفسدوا عملهم وأضاعوا صداقتهم ، ولم يفرقوا بين العمل العام والعلاقات الشخصية ، ولا أدري أذلك ناشئ من حرارة جوهم وطبيعة مزاجهم ، أم هو يرجع إلى التربية ! فإني أرى أن البلاد الباردة يغلب عليها ضبط العاطفة وقلة الانفعال ، فهل هذا كسبوه من برودة البلاد أو من تعويدهم أطفالهم ألا يبالغوا في الانفعال ؟ لقد حُدِّثت عن مدرس انجليزي أراد طلبته أن يغيظوه فوضعوا حذاء باليًا على مكتبه ، وظنوا أنه يهيج لذلك ويخبط ويضرب ، ويجري تحقيقًا دقيقًا فيمن دبر هذه المكيدة ومن وضع الحذاء ونحو ذلك من أسئلة لا تنتهي ، فما إن دخل المدرس الفصل ورأى الحذاء على مكتبه حتى أخذه بيده ووضعه على الأرض وقال : " تحدثت إليكم في الدرس الماضي عن كذا وأريد أن أحدثكم في هذا الدرس عن كذا " واستمر في درسه ، فصفقق الطلبة إعجابًا بمسلك أستاذهم وضبط عواطفه ! ولو

حدثت هذه الحادثة في مصر لمدرس مصري لا نقلبت السماء على الأرض ، وقامت لها المدرسة وقعدت ، ولشغلت المدرسة أسابيع ، وقد تشغل وزارة المعارف أيضًا !

م : لا تنس أنك قد عدت إلى الفلسفة والمحاضرة مرة أخرى .

ح : لا تؤاخذني يا أخي ، فإني لم أستطع أن أغير طبعي ، ولكن اسمح لي أن أكمل حديثي في كلمة قصيرة . إنا قادمون على عمل جليل ، وقد رأيت أن أكثر الأعمال في مصر تفشل من سرعة الغضب ، فتعال معي نضع صبغة " عهد وثيق " نقسم بها ألا نغضب أبدًا ، وإذا غضبنا لم يؤثر ذلك في عملنا .

م : الساعة الآن الثانية والنصف ، وقد مضت ساعة ولم يحضر الأكل ، وقد كدنا نشبع من السلطة . ودق بالملعقة على الصحن ، فلم يسمع أحد ، ثم دق ودق فحضر الخادم

- نعم ! - مضت ساعة والأكل لم يحضر . ناد رئيسك . وتتابع الحديث ولم يحضر أحد ، وبعد قليل دخل خادم آخر عليهما ، وظن أنهما انتهيا من أكلهما وشربهما ، وأنهما يعطلان الغرفة أكثر مما يلزم ، فسألهما هل يريدان فهوة ، ومن أي نوع هي :

وتتابع الحديث ثانية أو ثالثة . لا أدري ! ونظر (ح) في الساعة فإذا هي الثالثة ، فقام ولحقه (م) ونزلا يستفسران عما تم . فإذا سيد الخدم قد نسى الطلب ولا أكل ولا إعداد ولا توصية .

وانفجر السيد (ح) انفجارة كالبركان إذا قذف . ودوى صوته في المكان كله يهدد ويؤنب وبهت الحاضرون ، وتصلبت الأيدي على الأشواك ، ووقفت اللقم في الأفواه ، وسكتت الأسنان عن المضع ، وحدقت العيون في هذا الصارخ وهذا المصروخ فيه ، وانقلبت صالة الأكل إلى

صالة محاضرات يشرح فيها ما يجب على الوطني أن يعمل لسمعة وطنه ، أو فصلا في مدرسة يؤنب فيها الأستاذ تلاميذه .

وساد الجميع رهبة . ماذا حدث ؟ ماذا كان ؟ - لا مؤاخذة . وخرجا .

م : لا تغضب ، وأشفق على نفسك ، إن "كانت " يقول : " إذا أردت أن تعرف خطأ شيء أو صوابه فعممه " , فماذا يحدث لو غضب كل الناس هذا الغضب ؟ والآن إلى أين ؟

ح : إلى الكورسال ، فإذا أراد المصريون أن ينجحوا فليس على المستهلك وحده يقع عبء التضحية ، بل يجب أن يتحملها أيضًا المنتج بإحسانه ما ينتج .

م : هذا حكم الغاضب ، والغاضب لا حكم له .

اشترك في نشرتنا البريدية