الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 52الرجوع إلى "الثقافة"

ص وحى الحرب:, لقاء بين القائد والمنطق، مزجمة عن القصصى الروسى أركارى أورشنكو

Share

أهدى مؤلف هذه القصة قصته إلى البر هار"

أقبل رجل أنيق الملبس مهيب الطلعة فى صباح أحد الأيام على دار وزارة الحرب فى دولة لا يعلى القارئ اسمها فى شىء . وما إن ولج حجرة ضابط الاستعلامات حتى قال له فى لهجة لا تخلو من كبرياء :

- قدمنى يا سيدى إلى واحد ممن يجيدون الفهم فى وزارتكم ، فإن لدى ما أحب أن أتحدث فيه إليه من شئون الوزارة.

ونظر ضابط الاستعلامات إلى الرجل فى تطلع قائلا : - بجيدون الفهم ؟ وفى أى شىء يا سيدى ؟

فأجاب الرجل الأنيق :

- فى شئون الطيران . إن لدى اختراعا أريد أن أبيع حقوقى فيه ، اختراعا يحدث ثورة وانقلابا فى وسائل الحرب ، لأن من يشتريه يصبح سوط عذاب ونقمة على من يعاديه .

وكان طبيعيا , بعد هذا التصريح الخطير , أن تتغير                                                                          نظرة الضابط نحو الرجل , ويزيد اهتمامه به . لذك نظر                                                                    إليه فى احترام وعناية , وقادة بأدب إلى غرفة القائد,                                                                                                                          مبالغا فى إظهار احترامه له فما المحلى مهما الطريق فى ردهات الوزارة الطويلة ، ومنهزا كل فرصة تلتقى فيها أنظارهما ، ليومى برأسه فى ابتسامة بفيض منها السرور والابتهاج .

ولم يكن القائد العام أقل حفاوة بهذا السيد من الضابط ، فأنه ما كاد يسمع التقدمة التى قدمه بها حتى

بدت على أسارير وجهه علامات الارتياح والاغتباط ، وقاده بنفسه إلى أخر مقعد فى حجرته ، ثم قال له فى توفير زائد :

- والآن يا سيدى . هل لى أن أسأل ما هو هذا الاختراع الذى توصلتم إليه ؟

وأجلب الرجل الأنيق فى هدوء:

- إنه طراز جديد من قاذفات القنابل يمكن أن                                                                                                                         يظل فى الجو أسبوعا كاملا حاملا فرقة كاملة من جنود الدفعية ومتحديا أسوأ الأحوال الجوية ، وإنى لأظن أنه قد يهمكم إلى حد بعيد أن تحصلوا على امتياز هذا الطراز من الطائرات.

وأجاب القائد بالايجاب , طالبا أن يطلع على تصميمات                                                                                                                                        هذه الطائرة مقسما أن يحتفظ بسرية الاختراع وبحقوق المخترع ؛ قد هذا الأخير بدء إلى لغافة من الأوراق ، أخرج منها بضعة رسوم نشرها على المائدة ، وأخذ بشرح للقائد تفاصيل اختراعه .

وقال القائد بعد لحظة : - أجل باسيدى ، يخيل لى أنك موفق فى اختراعك ، فكم تطلب ثمنا لحقك فيه ؟ مليونا من الجنيهات .

وقال القائد دون أن يزعجه هذا الثمن : - ثمن مناسب ، هاك باسيدى تحويلا بالمبلغ على خزينة الدولة بالمليون الذى تطلبه ، وإذا وفقت إلى اختراع

آخر وأردت بيعه فأرجو أن تطرق باب وزارتنا به فى الوقت المناسب .

ومد يده ليحي المخترع النابغة ؛ فقال هذا دون أن يتحرك من مكانه:

- فى الواقع يا سيدى لدى اختراع آخر . لاشك أنه سيثير دهشتك وعجبك.

وأحاب القائد فى دهشة : - وما هو هذا الاختراع ؟

- إنه مدفع رائع . يستطيع أن يحطم قاذفة القنابل التى بعثتكم امتيازها فى فترة لا تريد عن الثانيتين وبرسل بها إلى الأرض قطعا متنائرة . إنه مدفع تصبح أمامه فاذفة القنابل لعبة أطفال .

- أو تقول الحق يا سيدى . أتعنى أنك اخترعت أول الأمر فازفة القنابل ، ثم عز عليك بعد ذلك أن تتركها فى أمان ، فاخترعت هذا المدفع لتمزق ( أوصالها ؟ ألا تشعر بأى خجل لذلك يا سيدى ؟

واعتدل الرجل الأنيق كأنما طعن بسكين حاد ، ثم قال :

- لا أدرى فى الواقع سببا أشعر من أجله بالخجل                                                                                ألا توافقنى أيها على أن وسائل القتال تتقدم باستمرار                                                                                                                            وأنه ما من إنسان برضى أن يقف حيث هو دون أن يتقدم فى معركة الحياة نفسها . إن قاذفة القنابل التى ابتكرتها سلاح جهنمى فظيع . ألا ترى معى أنه كان لا بد من أن ينكر سلاح أشد منه قوة ، تمشيا مع منطق الحياة ؟

وتململ القائد فى حيرة وقال بامتعاض :

- قد يكون ما تقوله حقا . ولكن لو أن إنسانا آخر غيرك هو الذى تقدم لنا بهذا المدفع لفهمت أو على الأصح لكان ذلك معقولا . أما أنت . أنت .

- أنا ؟ وما الفرق ؟ ألا أستطيع أنا أن أغادر مكتبك ، وأمضى إلى الحلاق فأحلق لحينى وشارنى ، وأعود إليك بعد قليل شخصا آخر باسم آخر ، وأبيعك

امتياز المدفع . أليس هذا تمسكا بشكليات لا معنى لها ؟

وكأنا أحس القائد بالخجل وغلب على أمره , فأجاب بصوت خافت :

- ليكن ما تريد. ليس لدينا ما تمنع شراء هذا الدفع فيكم تبيعنا امتيازه ؟

بمليون من الجنيهات.

وكتب القائد التحويل ثم دفع به إلى المخترع وهو يربت على كتفه قائلا فى دعاية :

- إنى لأعترف يا سيدى أنك شاب كف موفق . فاذفة قنابل هائلة ! ومدفع يحطمها ... رائع :

- إنك تسرف فى إطرائى يا سيدى القائد. على أية                                                                                                                                     حال لابد من ترياق لكل سم . فمثلا قاذفة القنابل التى اخترعتها كان لا بد لها من سلاح ليتغلب عليها . وبالفعل اخترعت هذا السلاح . هو الدفع الذى بعثكم إياه أيضا ... وهذا المدفع بدوره ...

وبدا على القائد القلق ، ولكن الرجل استمر فى حديثه :

- هذا المدفع بدوره كان لا بد من شئ يقاومه.                                                                                                                          أأفضى إليك بسر با سيدى ؟ ... لقد توصلت إلى ابتكار درع حديدية تتدرع بها قاذفة القنابل ضد هذا المدفع. إن هذه الدرع من القوة بحيث لا يستطيع هذا المدفع حتى ولا أن يخدشه ...

- لا شك أنك نسمى لكى تفقدنى صوانى يا سيدى . فإن تصرفك بهذه الطريقة الشائنة شئ لا يطاق .. لا يعقل ...

ولكن صاحبنا لم يتحرك ، ولم ينبس ببنت شفة. بل ظل ساكنا حتى فرغ القائد من ثورته ، ثم أجاب فى هدوء :

- أتظن يا سيدى أنك تملك الحق فى أن نثور هذه الثورة وتنعت تصرفى بالطريقة الشائنة . أهناك غنى

فى اختراعى الأول أم أنه اختراع رائع على حد تعبيرك ؟ أهناك وجه نقص فى تصميم المدفع الذى يعتكم حق صنعه ؟ إنك تصمت با سيدى ولا تجيب . أين إذا التصرف الشائن الذى ارتكبته أنا ؟

- كان يجب عليك أن تم تعرض فى أول الأمر هذه الدرع.

- معذرة يا سيدى القائد. إن فن الحرب هو فن                                                                                                                               ذو قواعد ونظم لا يمكن أن يسير إلا خطوة خطوة , ما فائدة الدرع إن لم تكن هناك فإذقة قنابل أولا ، ومدفع يحطمها ثانيا ثم تأتى الدرع بعد ذلك ، لكى تقاوم هذا المدفع ؟ ..

وانقطع الحديث بين القائد والرجل الأنيق لحظة كان                                                                      القائد فيها ينفر باصايمه على المنضدة فى حركات عصيبة,                                                                      على حين ظل صاحبنا ينفت فى اطمئان سحاب لفافة                                                                              أشملها . كأنما كان القائد يحاول أن يقول شيئا                                                                                                                              فلا يستطيع ، ولعله كان يحاول أن يعترض نفس اعتراضه السابق ، من أنه كان أكثر ملاءمة أن يتقدم بهذا الاختراع الجديد آخر لولا خشيته من أن يجيب هذا الرجل الغريب نفس جوابه الأول . وأخيرا تكلم :

- وبكم تبيعنا هذه الدرع الواقية ؟ . - بمليون من الجنيهات ! - ألا تكتفى بنصف المليون ؟

- آسف أشد الأسف يا سيدى القائد . إننى أستطيع أن أحصل ثمنا لها مليونين من الدولة المجاورة ..

- أجل . أجل . أعرف ذلك . هاك التحويل إنك تسمى لخرابنا أيها الشاب العجيب !

ووضع المخترع التحويل فى جيب سترنه ثم صافح الفائد فى حرارة وخطا نحو الباب ، ولكن القائد استوقفه سائلا :

- أوائق أنت يا سيدى من أن هذه الدرع نستطيع أن تقاوم أى طراز من المدافع المضادة للطائرات ؟

- بلا شك يا سيدى . إلا إذا اخترع طراز جديد من المدافع يكون أقوى أترا وأشد وطأة من المدفع الذى بعثكم إياه

وأجاب القائد فى ذعر:                                                                                                           - أو تظن حديا أن مثل هذا المدفع سيخترع ؟ - سيخترع ؟ إنه احترع فعلا بأسيدى . - ومن الذى اخترعه ؟ أنا !!

وصرخ القائد بانفعال :

- أنت ؟ يا للشطيان! ولكنك لم تحدثنى عن ذلك ؟ - وماذا تعنى ؟ ما أنذا أقول لك الآن فى الوقت المناسب . لقد اخترعت مدفعا لا تقف فى وجهه أية دروع واقية .

وجلجل صوت القائد بنفس انفعاله :

- نعم . مدفع لا تقف فى وجهه الدروع ، ستبيعه لنا بمليون جنيه ، فنشتريه ونحن صاغرون ، وبعد شرائه ستتحدثنا من درع جديدة تقاوم هذا المدفع .

- ما فى ذلك شك يا سيدى... - ثم بعد ذلك تحدثنا عن مدفع جديد بنسف هذه الدرع ؟ بكل تأكيد ؟

- ليأخذك الشيطان أيها الشاب فأنت من أتباعه إنك الص محتال !!

واعتدل الشاب وغادره اطمئنانه ، وبدت على وجهه علائم الجد الممتزج بالغضب ، ثم صعد نظره فى القائد ودوى صوته فى سخرية لاذعة :

- أنا لص محتال ؟ إنك تكذب يا سيدى القائد لو أنك كنت أكثر فراسة وأصدق نظرا لعرفت أنى لست لصا ولا محتالا . قليلا من الذكاء يا سيدى تدرك أنى لست إلا المنطق فى ثوب إنسان ، ينقصك الذكاء ما فى ذلك

شك , لتدرك هذه الحقيقة الملوسة, ما من إلا وله                                                               ترياق , ومام من سلاح إلا له دفع . سواء يا سيدى خرجت                                                                                                                          دولتكم من بخمة التسليح أو من نضوب المال . إنك تريد أن تحرز لدولتك سلاحا لا يصد وتفوتك حقيقة أخرى : إن النبوغ الانسانى لا حد ولا رابط ، إنى أسف ياسيدى ، آسف لكذبك أولا ولغيائك ثانيا . وإلى اللقاء .

وحيا ذلك الرجل الأنيق القائد بعد ذلك اللقاء العجيب ، وخرج مسرعا من وزارة الحرب فى الدولة التى لا يعنى القارئ اسمها فى شىء .

اشترك في نشرتنا البريدية