اطلعت في البريد الأدبي من (( الرسالة )) على كلمة موجزة، تحت عنوان: ((ضبط الخلاف بين العربية والعامية )) وخطأ هذه القاعدة الجديدة أنها بنت كون اللفظ العاميّ عربياً مقبولاً على مجيئه موافقاً في الضبط لأصل من أصول المفردات العربية. وهذا ظاهر الفساد؛ فإن المتواضع عليه بين العلماء أن اللفظ العامي ما لم ينطق به عربي، سواء في الصوغ أو في الشكل. وهذا محل وفاق قطعاً، وأن المدار في تمييز العربي من العامي على النقل عن المعاجم اللغوية. وإلا لجاز أن يخترع العامي ألفاظاً لا حصر لها، على نمط الأوزان العربية. فهل
نقول: إنها عربية لأنها وافقت أصلاً من أصول الكلمات العربية؟ وبنت كون اللفظ عامياً غير صحيح على مجيئه مخالفاً لقواعد الصرف. ولو أخذنا بهذا القول على إطلاقه لخطأنا نحو ربع اللغة العربية من الألفاظ الشاذة عن القياس الصرفي كمصادر الثلاثي وجموع التكسير، وبعض صيغ النسب والتصغير! وأما خطأ التمثيل فقد مثل الكاتب لما يجب أن يكون عامياً غير صحيح بقول العامة: عباية في عباءة، ثوب في ثوب، جعر في جأر، معللاً بأن إبدال الهمزة ياء، وإبدال الثاء تاء، وإبدال الهمزة عيناً لا يرجع شيء منها إلى قاعدة صرفية.
أما عباية فقد نقل الثقات من أهل اللغة، أنها عربية مسموعة. نعم إن استعمالها بالهمزة أكثر وأشهر.
وأما جعر في جأر فذلك إبدال مطرد في لغة بني تميم، فقد حكى ابن مالك في شرح الكافية: أنهم يبدلون الهمزة المتحركة عيناً، وأما توب بالتاء فهو من تحريف العامة، ولكن لا لأنه إبدال غير قياسي فحسب، بل لأنه لم ينقل عن العرب، ولو نقل عنهم لقبل، فقد ورد في اللغة تاب إلى الله وثاب إليه بمعنى واحد لتقارب مخرجي التاء والثاء، ولكنهم لم يقولوا في ثوب لما يلبس: توب بالتاء لئلا يلتبس بتوب مصدر تاب بالتاء المثناة. بهذا ظهر أن ما جعله عامياً برأيه الجديد، عربي صحيح، وأن قواعد الصرف جُعلت لضبط الكثير المسموع من كلام العرب، لا للتحكم في اللغة بجعلها كلها خاضعة لهذه القواعد. ولذلك ورد الشاذ والنادر مما لم يمكن ضبطه بقاعدة
ومثل لما هو عربي صحيح بقول العامة: تِرمس (بكسر التاء) ، وقولهم: حُصان (بضم الحاء) ، وقولهم: معدَن (بفتح الدال) ؛ لأن هذا كله لم يخالف قاعدة من قواعد العربية. وذلك أوغل في الفساد من سابقه، لأنه إذا جاز للعامي أن يقول في حِصان بكسر الحاء: حصان بضمها، جاز أيضاً أن يقول: حَصان بفتح الحاء؛ لأنه على أصلك الذي جريت عليه على وزان (غزال) . وفي ذلك خلط بين الأبنية العربية
نعم إن كسر التاء في لفظ ترمس ونحوه لا ينشأ عنه اختلاط في الأبنية ولا تأثير في المعنى، ولكننا إذا فتحنا هذا الباب على مصراعيه للعاميّ، تجرأ على التحريف في ضبط سائر المفردات حتى المتواتر منها.
وهاهنا ملاحظة جديرة بالنظر، وهي أن حضرة الكاتب ترك التمثيل لما يميز فيه بين اللفظ العربي والعامي بقواعد النحو والبلاغة. ويغلب على ظني أنه لا وجود لشيء من ذلك إلا في مخيلة الكاتب!
