الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 126الرجوع إلى "الثقافة"

ضحكات ابليس . . .، دراسة ونقد

Share

الأستاذ صلاح الدين ذهنى قصصى لاذع فكه . لا يمكن أن أقرأ اسمه فى فهرس الثقافة أمام عنوان قصة إلا وثب إلى ذهنى . . استنتاج بأنى سأجد قصة لا تخلو من أسطر من الفكاهة الخفيفة اللاذعة فى غير عنف . . ولا أذكر أن استنتاجى خاب مرة .

ومع أنى لم أتشرف بلقاء الأستاذ ذهنى بعد ، حتى يمكن أن أعطى صورة له ، إلا أنى أستطيع أن أتصوره رجلا لطيف المشاعر ، ولطف المشاعر معناه عندى أنه  دقيقها فى غير عنف ؛ إذا رأى شيئا أو صادف ما يؤثر على نفسه ، لم يكن لهذا التأثير انفعالاته العكسية العنيفة كما يعبر علماء النفس . فلا هو عنيف الغضب مما يغضب ، ولا هو عنيف المرح أو الطرب مما يفرح أو يطرب . وإنما غاية الأمر تأثر انجليزى متزن ، لا يمت كثيرا إلى عنف انفعالات سكان البحر الأبيض . .

وهدوء تأثره قد أكسبه قدرة خفيفة على التهكم المرير ، والسخرية المهذبة ؛ تلمس ذلك فى الأسلوب الذى يصف به أبطاله ، وفى النهايات التى يختم بها قصصه ؛ فهو " غاوى خيبة " لا يمكن أن يترك بطلا من أبطاله ممن يتمتعون يعطف القراء دون أن يخيب عطف القراء وأملهم فى أن يتمتع ذلك البطل بقليل من مكافأت الحياة . . وهذا شئ يبعث بالغيظ إلى النفوس . ففى مجموعته الأخيرة " ضحكات إبليس" لا توجد قصة واحدة تنتهى دون خيبة أمل البطل ، اللهم إلا " التوبة " ، ونهايتها لا تعدو أن تكون " توبة " . .

بل إن هدوء طبعه قد أتاح له فرصة صرف بعض الطاقة الوجدانية عنده إلى التفكير فى المسائل الاجتماعية العامة ؛ وهى ظاهرة جديرة بالالتفات ، لأننا نحن الشرقيين لا يمكن أن نفكر فى الشؤون الاجتماعية ،

إلا من خلال آلامنا الخاصة . فالغنى عندنا يبغض الفقير لا لشئ إلا لأن منظره يؤلم عينه المترفة ، والفقير يحقد على الغنى لأنه محروم مما عنده . أما أن نفكر فى الإصلاح لمجرد الرغبة العامة والنظرة الجامعة فى الإصلاح فليس هذا من شأننا . نحن أمة تغلب عليها " الفردية " التى تقف عقبة كأداه فى سبيل تحول آرائنا وانفعالاتنا إلى آراء ومبادئ اجتماعية شاملة . والأستاذ ذهنى ليس من هذا الطراز ؛ فهو ينظر وينتقد ، ثم يصور نقده فى قصة تبين الخطأ الذى التفت إليه ، ويعطى من خلال ذلك بعض الكلمات التى تنم عن رغبته وتفكيره المتصل فى الاصلاح لمجرد الاصلاح لا لكى يوفر على نفسه عناء النظر إلى الأخطاء التى تملأ حياتنا فى مصر .

وهذه الرغبة فيه تدل على أنه " طيب القلب حسن القصد " وهو فعلا كذلك ؛ فإنه حتى فى الصور التى يبين فيها بعض أخطاء المجتمع ، لايقسو على أبطاله المخطئين ، بل هو معهم رفيق شفيق . . ليس " كسومرست موهام " الكاتب الانجليزى الكبير ينزع عن أبطاله أغطيتهم فى عنف وحقد وتشف . . ولا " كزولا " الكاتب الفرنسى يجرح البشرية بالبحث والغوص وراء أقذارها .

غير أنى أريد أن أقول إنه يقتضب قصصه اقتضابا دون أن يوفيها حقها . إن الأفكار التى تنطوى عليها قصصه جميلة . . وهو يشق طريقه إلى فكرة القصة بعد أن يمهده تماما . . ولكن آه يا سيدى ! لو أنك تلكأت قليلا وزرعت بعضا من الورد على جانبى هذا الطريق الممهد . إذا لبدا أكثر جمالا وأعمق أثرا . .

وأريد أن أقول يا سيدى إنك متواضع أكثر مما يجب . إنك لست مغرورا بنفسك ولا أنت معتد بها . . وهذا عندى نقص - إذا سمحت وتغافيت عن جفاف هذا التعبير - كن معتدا ياسيدى . كن مغرورا تكن لك شخصية قصصية أكثر جلاء . . واشد قوة . . إننى أراك لا تسير على شخصية قصصية واحدة فى كتابك . .

فأنت تارة تلميذ " توفيق الحكيم " ، وتارة تلميذ " طه حسين " .

ويبدو هذا الاختلاف واضحا حين تقارن بين قصة " ضيف أفندى " ( وهذا الاسم - على فكرة - لم يعجبنى أبدا ) ، وقصة " عم محمود " . ولكن على كل حال شخصيتك اتضحت فى هذه المجموعة أكثر مما سبقها .

والآن لنقف عند بعض القصص . . هناك مثلا قصة " مانكان " ، وهى من أبدع قصص الكتاب . . ومقياس الابداع عندى ثبوتها الراسخ فى ذهنى . فقد قرأتها يوم نشرت لأول مرة فى " الثقافة " ثم قرأت بعدها كثيرا لمختلف الكتاب ، وهذه القصة لم يذهب شبحها من رأسى .

كما أن قصة التوبة قصة رائعة ، ليس فيها تلك المبالغات والاعترافات التى يسبغها الروائيون على تبكيت الضمير مما يخالف واقع الأمر فى الحياة . وإنما فيها وصف ذلك التطور النفسى واستجابتها الذى يبدأ أولا بالمقاومة والعناد والإصرار على الخطأ ، والذى يسميه علماء النفس " اعتداد الذات " ثم ينتهى إلى تغلب الحقيقة المدركة ، متقلبة فى أدوارها الهادئة ظاهرا ، المتلاطمة فى داخل صدر " التائب " .

وفى قصة " أنتم السابقون " تصوير موفق لملل العمل الحكومى ، وعدم جاذبيته . . وقصة " نداء الفناء " ولو أنى أفضل اسم نداء الهاوية عليه ، إلا أن فيها لفتة نفسية قوية .

رغم غضبك فى المقدمة على من يتخذون علم النفس أساسا لقصصهم ، وكذلك " ضحكات إبليس " . هى تأييد لتعليل " فرويد " للأحلام من أنها تنفيس عن رغبات العقل الباطن .

ثم قصة " مشكلة النعاج " هذه القصة وإن كانت ذات معان قوية ، ومغزى متين ، إلا أنى - أصدقك القول - لا أعجب بالقصص التى تعالج شؤون الانسان ، على لسان أفراد من الحيوان ، على نمط " كليلة ودمنه " .

إننى أقرأ القصة وأنا واثق أنها لم تقع ولن تقع ، وهذا يقلل من قيمة الآراء التى لها عندى .

وقصة " قريتنا النموذجية " مثل جميل للغيرة الطاهرة التى فى صدرك ، والتى تساور كثيرا من شباب هذا الجيل فى الإصلاح . ولكنها انتهت - كما هو دأبك - بالخيبة     وهناك بعد ذلك قصص كنت أمامها فاترا غاية الفتور مثل " زاوية السقوط " و" ضحكات إبليس " و" فى الطريق " ! فزاوية السقوط ثقيلة الدم والظل ، وضحكات إبليس لا ينطبق عليها الأسم ، وفى الطريق قصة مبتورة فاترة .

وقد أعجبتنى بعض تشبهات أستدل منها على أنك تعالج القصة عن موهبة وليس عن صناعة . فإن صناعة القصص هى التشبيهات والاستعارات التى لا تغرق فى البعد عن الحقيقة ، ولكنها تقدمها إلى العقل من خلال باقات من الزهور يختلف أريجها باختلاف قوتها . .

خذ مثلا قولك : " . . . ولا زالت عقولهم تفنى ، وحياتهم تختزل فى سبيل الوصول . . " ، واختزال الحياة تشبيه موفق جميل ( ص ٥٥ من قصة " أنتم السابقون " ) .     وقولك فى قصة " التوبة " ص ٧٢ : " . . وحتى هذا الحان - حيث يأوى الهاربون من اليقظة والنوم معا - كان قد أغلق أبوابه ، وكساه الليل هيابة . . . " .

هؤلاء " الهاربون من اليقظة والنوم " لا يمكن أن نجد ما ينطبق عليهم أكثر من قولك هذا فأهنئك . وغير ذلك كثير .

بعد ذلك أقول إن الكتاب فى مجموعه قفزة إلى الأمام موفقة أرجو أن تتلوها قفزات ، حتى تصل إلى المكان الذى نرجوه ، والذى ألمح موقعه من خلال المقدمة التى قدمت بها الكتاب . ( كلية الحقوق )

اشترك في نشرتنا البريدية