الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 152الرجوع إلى "الثقافة"

ضحية

Share

حدثنى صديقى قال : - اعتدت يوم الجمعة فى الشتاء أن أخرج من بيتى قبل طلوع الشمس إلى جبل المقطم ، أنفض عن نفسى ضوضاء الأسبوع ، وملل العمل الراتب ، وسآمة الحديث المعاد ، وأهرب من جو القاهرة المسمم ، وأريح أعصابى من مطالب البيت وتكاليف المهنة ، وأفر من الانسان الموحش لأستأنس بالطبيعة الطاهرة . وأكرم نفسى بالعزلة عن الناس ، وأهين جسمي بالحركة العنيفة ، فقد خلق من طينة لا تصح إلا بالإهانة .

واعتدت أن أنوع الطرق ، وأخالف بين الجبال ، فمرة أختار الجبال والوديان مما يلى حلوان ، وأحيانا جبال

المعادى ووديانها ، وأحيانا العباسية وما إليها .

ففى ذات يوم اخترت العباسية وتغلغلت فى جبالها ووهادها ، أعلو أكمة وأهبط واديا ، وأتخذ مسيرى صوب الأزهر ، حتى حان الظهر ، ونال منى التعب ؛ فبحثت عن مكان أتفيأ ظلاله ، وأنعم بنسيمه ، وأطل منه على الدنيا الفانية وما فيها حتى وجدته .

واستمتعت بيوم دافئ جميل ، وعزلة مريحة ، فلم أصادف منذ خرجت من القاهرة إنسانا ؛ وخلعت قبعتى وحططت مخلاتى وألقيت عصاى وجلست ، وكان الجوع قد بلغ منى مبلغه ، فأخذت أخرج ما حملت ، هذه "˒ زمزمية " ماء ، وهذه شطائر بعضها باللحم وبعضها بالجبن ، وهذا عدد من الليمون الحلو لا بأس به ، وهذه عقل صغيرة من القصب ، وهذا كل ما معى ، فصففتها أمامى وتغزلت فيها ، وجري لها لعابى ، وأعددت نفسى لأكلة شهية بعد سير طويل .

فلم أشعر إلا وشبح يبدو من بعيد ، لم أتبينه أول الأمر ، ثم ظهر أنه إنسان ، ثم ظهر أنه يقصدنى ، وأخذت مظاهره وملامحه تبدو شيئا فشيئا .

جف اللعاب من فمى ، ونسيت منظر الأكل لمنظره ، وحل الخوف محل لذة النهم ، وذكرت قول القائل :

عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى

                     وصوت إنسان فكدت أطير

ويلاه من الانسان !    هو كالموت لا بد منه ، وكظلام الليل لا بد أن يلفك ، ولا مهرب منه إلا إليه .

لكنه إنسان عجيب حقا ، ليس ككل الناس الذين رأيتهم ، أبيض البشرة بياض الأجنبى ، ويلبس جلبابا أزرق كلبس البلدى ، ملامح وجهه وزرقة عينيه وشكل رأسه واصفرار شعره دلالة على أنه أوربى صميم ، وطاقية رأسه المشبكة وحفاء قدمه المتيبسة دلالة على أنه مصرى بائس فقير .

هذا لغز معقد ! وقد كنت تركت عقلى الذى يحاول حل الألغاز فى القاهرة ، وأتيت هنا بشعورى وعواطفى وروحانيتى الفطرية ، فلأسرع الآن فى استرداد عقلى القاهرى لأحاول به حل هذا الإشكال .

- سلام عليكم . - عليكم السلام ورحمة الله . هل تتفضل وتأكل معى ؟ - لا بأس .

وأخذ يلتهم الأكل بنهم أشد من نهمى ، فأسفت لقلة زادى ، ونزلت له عن أكثر ما معى .

واعتذر عن نهمه فى أكله بأنه قضى يوما كاملا لم يذق فيه طعاما .

- لماذا ؟ - لأنى لم أجد عملا ، ولم أجد مالا .

- ماذا كنت تعمل قبل اليوم ؟ - خادما فى قهوة بلدية ، وما عملك أنت ؟ مدرس فى مدرسة عالية .

- إذا اتفقنا - كيف اتفقنا ؟ - هى كلمة خرجت من فمى ولا معنى لها . - ما بلدك ؟

- خرجت اليوم من القاهرة لأستريح من عناء التفكير .

- هل أنت مصرى ؟ - أقمت فى القاهرة زمنا طويلا . - وما وطنك الأصلى ، ولم قدمت ؟ وبدأ يتكلم ، ولكن أصابته حبسة : - أنا . أنا . أنا أتيت اليوم من القاهرة وكفى .

وعلت وجهه الأبيض - المشرب بحمرة ، فى الأصل ، والمشرب بصفرة الآن من الجوع - حمرة الخجل ، وظهر لى أنه يحمل بين جنبيه سرا دفينا يجرح عزته ؛ فحبست نفسى عن الاستقصاء ، وكلمته فى الجو والجبل ، والمسافة بيننا وبين القاهرة ؛ وأتى موعد الرحيل فسلمت عليه ، وأخذتنى الشفقة فتركت له عنوانى إذا احتاجنى ، ومشيت .

لم يفارقنى التفكير فى هذا المنظر الغريب ، ولا هذا اللغز العجيب الذى لازمنى من وقت أن وقع بصرى عليه ؛ وكل ما حدث بعد لم يكشف سرا ولم يلهمنى حلا ، بل زاد اللغز تعقيدا ؛ فهو أيضا يمسك الشطيرة كالأوربى المثقف فى ظرف ولباقة ، ويأكلها أكل المصرى البائس الفقير فى نهم وشراهة ، عقليته عقلية مثقف ، ومنظره منظر جاهل ؛ وهو يتكلم كمصرى ،

وإذا سألته : أمصرى هو ؟ عرض ولم يصرح ، وجمجم ولم يبن ، واكتفى بأنه أتى من القاهرة . لو كان جاسوسا فلم يجوع ولم يخجل ؟ ولو كان غير جاسوس وكان أوربيا فلم يجمجم ؟

لعن الله الانسان ومناظره ؛ لقد أردت الهرب منه فلحقنى ، وأردت البعد عن مشاكله فوقعت فيها ، وأردت الانس بالطبيعة على طهارتها فأصبت بالطبيعة مدنسة .

جال هذا وأكثر منه فى نفسى حتى وصلت إلى بيتى ، وشغلتنى دنياى عن التفكير فى هذا المخلوق العجيب ، فأنا بين مطالب أسرة وتحضير درس وإلقائه وغير ذلك من الشؤون .

وفيما أنا عصر يوم فى بيتى ، منصرفا لبعض أمرى ، إذا بالجرس يدق ، وفتحت الباب فإذا به صاحبنا .

- السلام عليكم - عليكم السلام .

وفرحت بمجيئه ، ولكن لنفسى لا له ، فقد خطر لى أنى سأكشف السر الذى حيرنى ، وأقف على حقيقة نفسه وجلية أمره .

ولم آنف أن أجلسه على كرسى مجنح فى غرفة استقبالى ، ولو كان حافيا وفى جلباب أزرق ، وقد تعلمت من حديثه السابق ألا أجرحه بسؤال المباشر عن موضع سره ؛ فحدثته فى كل شئ يخطر ببالى إلا ما يتصل به ، وأمرت أثناء الحديث أن يهيأ له أكل شهى دسم ، لا من جنس الشطائر الجافة التى التقمناها فى الجبل ، فأكل بنفس النهم الذى أعهده ، واستزدته حتى لم يبق عنده مكان للمزيد . وأهل بيتى وأولادى وخدمى يعجبون من هذا المنظر الغريب ، ومن تفاهة ملبس الضيف وشدة عنايتى

به . وبعد الفراغ من القهوة استأذن لينصرف ، فأذنت له ومنحته ما استطعت ؛ وقبل أن ينصرف وضع يده فى جيبه ، وأخرج كراسة طلب منى أن أقرأها وأدبر علاجا لما فيها .

ولا أكتمك أنى فرحت بها فرح الطفل بفتح صندوق البخت ، أو فرح الفتاة بهدية مغلفة أتت إليها ممن تحب ؛ فأخذتها وتسللت إلى غرفة مكتبى ، وأغلقتها على ، وأضأت المصباح ، وجعلت ألتهم ما فيها التهام صاحبنا للأكل ، وما زلت بها حتى أتممتها ، فأخذنى منها كل العجب . فماذا هى ؟

هى يوميات لهذا الشاب منظمة مرتبة ، ذكر فيها أهم ما استرعى نظره فى دقة وإحكام .

إنه شاب هولاندى ، تخرج من جامعة هولاندية ، وتخصص لدراسة اللغات الشرقية والدراسات الاسلامية ، ورأت جامعته نبوغه وجده ، فمنحته مكافأة دراسية ، وإجازة طويلة يقضيها فى بلد عربى إسلامى ، ليتقن العربية والاسلاميات ، فلم يجد لذلك خيرا من القاهرة .

فحضر إليها ، وسكن فى حى مصرى ، فى المنشية ، ولبس جبة وقفطانا وعمامة ومركوبا أحمر ، ليتسنى له فى يسر حضور دروس الأزهر ، وجد فى الدراسة ، واختلف إلى المشايخ يحضر دروسهم ويتفهم كتبهم ، وانتهز كل فرصة يتقن فيها الكلام العربى الفصيح واللغة العامية الدارجة ، فجلس مع العامة ، وتحدث إلى الناس ، وإلى الباعة ، وتمشى الأسواق .

وفى كل شهر كان يكتب تقريرا مفصلا بما حصله وما عمله وما أتقنه ، والجامعة من جانبها تمده كل شهر بما ينفقه عن سعة .

ثم خطرت له فكرة نبيلة جميلة ، هى أن يدرس الحالة الاجتماعية بمصر بجانب دراسته اللغوية والعلمية ،

فوضع لذلك برنامجه الدقيق ، فغشى مجالس الذكر ، وحضر الصلوات في المسجد ، وشاهد أسواق البيع والشراء ، وحضر الولائم والجنائز وما إلى ذلك .

وأخيرا رأى أن يشاهد مجالس اللهو ، ولكن هذه كان لا بد له فيها من مرشد خبير ؛ وكان من بدء دراسته قد عرف " كتبيا "˓ يتاجر فى الكتب القديمة ، فيشترى منه الكتب بثمن رخيص ، ويلتهمها قراءة ودرسا ، فتوثقت الصلة بينهما ؛ وكان هذا الكتبى داعرا عربيدا ، عليما بأماكن اللهو ، خبيرا بمجالس الحظ ، فأفضى إليه صاحبنا بمكنونه ، فهش له وبش ، وقال له : " على الخبير سقطت "˓ .

فما زال ينتقل به من ملهى إلى ملهى حتى كان آخر المطاف˒" غرزة الحشيش "˓ دخلها مع صاحبه المكتبى ، وأداه حب استكشافه ألا يكتفى بمنظر الحشاشين و " جوزتهم " وطريقة تعاطيهم ، بل أراد أن يجرب تجربتهم ويختبر فعل الحشيش فى نفوسهم ، فدخن معهم ، وسمع لفكاهاتهم وتنادرهم ، ولكنه شرق وسعل ، و لم يجد فى نفسه أثرا بالغا كما كان يسمع عن الحشيش ، فشكا ذلك لصاحبه ، فقال له - فى خبث ودهاء - إن ذلك لا يتم إلا بالتعود والتكرار . فاستمع لنصيحته وعاد وكرر ، فرأى - كما يقول - أن أعصابه تخدرت ، وتتابعت الصور على ذهنه ، وغاب عن الزمان والمكان ؛ وأحيانا كانت تتراءى له صور مرعبة مفزعة ، كأن يرمى من جبل ، أو تتخلخل الأرض تحت قدميه ؛ وأحيانا صور مفرحة منعشة سارة كأنه فى جنة النعيم . وبعد أن أفاق أحس بشهوة شديدة للطعام ، فأكل كل ما قدم إليه فى شراهة ، ونام نوما حالما لديذا .

ولزمته العادة ، وخضع لحكم " الكيف " ، فإذا هو حشاش لا يطيق صبرا عن الحشيش ، ولا يستطيع أن يعيش ليلة من غير أن يحشش .

قال : وقد شعرت بضعف حيويتى وسقوط نفسى ، وميلى إلى الكسل والخمول ، وفتور فى قوى عقلى وسوء تقديرى للأمور .

قال صاحبى : وإلى هنا انتهت يوميات صاحبنا ؛ وبقى الفصل الأخير من الرواية لم أتبينه مما كتبه : كيف وصل إلى ما شاهدت من حالته ، فتشوقت إلى أن أراه ليتم لى روايته .

فأتانى بعد أيام ، فاستقبلته ونفسى مغمورة أسفا وعطفا وإشفاقا ، وسألته عما حدث له بعد .

فقال : لم أجد بعد لنفسى ميلا إلى قراءة أو درس ، ولا إلى أى عمل ، ولم أكتب لجامعتى حرفا ، وانقطعت أخبارى عنها ، فقطعت ما كانت تمدنى به من مال ؛ وضاقت بى السبل ، ولم أجد موردا أقتات منه ، ولم يرشدنى صاحبى الكتبى إلى أى عمل أعمله ، ولم أعد أعبأ بنظافة ملبس ولا حسن مظهر ، وتخاذلت قواى وفقدت كرامتى ؛ فعرضت نفسى على من يستخدمنى ، وأخيرا لم أجد إلا عملا فى قهوة ، وبعد مدة وجدتنى لا أصلح حتى لهذا العمل ؛ وخرجت هائما على وجهى فى الجبل يوم قابلتك !

ثم بكى ، وما أشد وقع بكاء الرجال على نفسى ! فكرت طويلا فيما استطيع أن أعمله لإنقاذ إنسانية ضالة معذبة ، وزهرة كانت يافعة فذبلت وجفت وسقطت .

فهدانى التفكير إلى أن أذهب به إلى من يعنى بأمر الهولندين ، وكان يستطيع أن يهتدى بنفسه إلى ذلك لولا أنه سلب قدرة التفكير وقوة الارادة ؛ فشرحت لهم حاله ، وتفاهمت معهم أن يسفروه إلى بلده ، فرحبوا بالفكرة ونفذوها . ثم انقطعت عنى أخباره ، ولم أدر - بعد - من أمره شيئا .

اشترك في نشرتنا البريدية