في ١١ يونيه سنة ١٨٨٢ دبر الإنجليز مؤامرة ظهر أثرها فيما بعد ، فقد تشاجر رجل مالطي مع حمار مصري في الإسكندرية ، لأن المالطى ركب الحمار ، وأبي أن يدفع أجرته لتعاليم وجهت إليه ، فلما طالبه الحمار ، وكان المالطى ثملا من الخمر طعن الحمار بمدبة ، فاجتمع مع الحمار قوم مثله يساعدونه ومع المالطي قوم مثله يعاونونه . وبدأ الأوربيون يطلقون النار من نوافذ بيوتهم على المصريين . فأراد بعض الرعاع أن يثأر منهم ، وعظم القتال بين الفريقين وعجزت الحكومة أو تعاجزت عن فض هذا المشكل ، وكان من نتيجته كثرة الهياج ، وإعلان سيمور أنه سيضرب الإسكندرية إن لم تسلم إليه قلاعها ، ولم يكن من المعقول أن تسلم أمة قلاعها طوعا واختيارا ، وكل ذنبها أنها كانت ترمم قلاعها لما رأت الشر باديا من أعدائها ، وزاد الهرج والمرج واضطرب الأهالي لما رأوا أن قلاعهم قد دكت ، حتى بلغ أن كثيرا منهم فر من الإسكندرية ، وسموا هذه السنة سنة " الهوجة " ونزل الإنجليز الإسكندرية ، ولما خرجوا منها إلى داخل البلاد المصرية أشملوا فيها النار . وانبع ذلك ثورة عرابي واحتلال الإنجليز مصر
هذا ما كان في سنة ١٨٨٢ ، وتغيرت الدنيا بعد ذلك تغيرا كبيرا ، ففي هذه السبعين سنة كانت مصر منعزلة ، فاتصلت بالعالم ، وتعلمت دسائس الإنجليز ومكرهم . وكان المصريون يرتاعون من أى قنبلة ، فإذا هم بعد تلك السنين يصنعون القنابل ، ويرمونها على أعدائهم كما ترمي عليهم . ومهروا في ذلك مهارة كبيرة . وتنبه الوعي القومي تنبها كبيرا ، وصمموا على جلاء الانجليز . وقالوا : " إننا عشرون مليونا فليذهب منا مليون بالقنابل وأمثالها . وليبق بعد ذلك من بقي ، متمتعا بحريته " .
وبعد كل هذا يأتى تشرشل ووزارته فيعالجون الأمور كما عالجها اسلافهم منذ سبعين عاما ، غير حاسبين حسابا لكل هذه العوامل والتغيرات ، فيقررون ضرب مدينة
الإسماعيلية معتقدين أن هذا سيحل مشكلتهم كما حل ضرب الإسكندرية مشكلتهم من قبل ، وهو شئ يستوجب السخرية حقا ، والضحك من أعماق الصدور ، فما ينفع في حين ، قد لا ينفع في حين آخر ، بل قد يكون الأمر على العكس ، فتغير الزمن القليل جعل السفور فضيلة ، والحجاب رذيلة ، لتغير الظروف ، وما كان يفعله الأب في بيته أمس مع أبنائه لا يستطيع أن يعمل عشره اليوم ، والكلمة التى كانت تعد مؤدبة أمس ، تعد نابية اليوم ، والحجاز التي كانت تركب الجمال أصبحت تركب السيارات والطيارات ، والحمير التي كانت تملأ القاهرة ، حل محلها السيارات ، والقطارات التي كانت تعد موضة جديدة ، أصبحت تعد موضة قديمة ، وهكذا من آلاف الأمثلة التي تدل على أن للزمان أحكاما وعلاج المشاكل اليوم غيره بالأمس ؛ ولكن مع الأسف ، كل شئ في الدنيا تغير إلا عقلية ساسة الانجليز ، يرون أن علاج الأمس صالح اليوم ، ويرون أن شيئا قليلا من التهويش علاج الأمم المستعمرة ، يذلها لهم كما كان يذلها من قبل وان ضرب قنبلة أو قنبلتين على الإسماعيلية يجعل مصر كلها من أولها إلى آخرها تسجد أمام الإنجليز وتطلب منهم الأمان .
لقد ضلوا ضلالا بعيدا . وتبين أن سياستهم هذه لم تنفع في الهند فجلوا عنها ، ولم تنفع في إيران ومصر ، فسيجلون عنهما ، وسيعفون من هذا ان برامج السياسة القديمة لابد أن تتعدل ويحل محلها سياسة جديدة بمقتضاها يلغي الاحتلال والاستعمار والانتداب ، وحل الألفة والصداقة محل القنابل والنفاثات والطرادات ، وإلا فقدوا البلاد وفقدوا الصداقة .
إن ما كان حقيقة أمس ، أصبح رواية هزلية اليوم ، وما كان يستخرج من المصريين والإيرانيين والهنود . ذلهم وسجودهم ، أصبح يستخرج منهم ضحكهم . بل أصبحوا يلتذون من القنابل لذتهم من الموسيقى ، إذ يعتقدون أنها تقربهم من غايتهم . والزمن قد استدار . فالعنف يقيد
القلوب ، ولا يقيد الغالب ، وما كان مرهبا أصبح لا يرهب . وعبثا ما يحاولون أن يملأوا البحار بالأساطيل والأرض بالجنود والسماء بالنفاثات . فكل هذا لا يؤثر في القلوب التي عمرت بالوطنية . واتخذت الجلاء عقيدة كعقيدة الدين . والله مع الصابرين .
أمر من امرين : إما أن يستمسك ساسة الإنجليز بمناهجهم القديمة فيضيعوا ما في أيديهم كرها بعد أن أضاعوا صداقة الأمم ، أو يغيروا من سياستهم فيخسروا البلاد . ويكسبوا الصداقة ، وليست الصداقة بقليل .

