الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 211 الرجوع إلى "الثقافة"

طارق بن زياد، فاتح الأندلس

Share

يتخذ طارق بن زياد مكانته بين عظماء الفاتحين المسلمين ولكنه يمتاز عنهم جميعا بجدة الميدان وطرافته فبينما تمت فتوح الخلافة كلها في القرن الأول للهجرة ، في المشرق وإفريقية ، وفي أراضي الدولتين الفارسية والرومانية ، إذا بطارق يدفع الفتح الإسلامي إلي ميدان جديد وقارة جديدة ، وإذا به ينحدر عن المشرق إلى غربي أوربا ، وينازل أمة جديدة لم يسبق المسلمين أن نازلوها من قبل ، هي امة القوط . وإذا كان موسي ابن نصير هو صاحب الفضل الأول في تنظيم مشروع هذا الفتح العظيم ، فإن طارقا هو صاحب الفضل الأول في تنفيذه ونجاحه ، وكلاهما يشاطر مجد هذه الصفحة الخالدة التى خطها الإسلام مدى قرون في تاريخ اسبانيا

وتحدثنا الرواية كثيرا عن طارق الفاتح ، ولكنها لا تلقي كبير ضوء علي اصل طارق وحياته الاولي ، فنراه لأول مرة في حوادث فتح إفريقية ، حاكما لطنجة ، آخر معقل افتتحه المسلمون في المغرب الأقصى ؛ وكان موسي ابن نصير يومئذ واليا لإفريقية ، ولي شئونها في سنة ٨٩ ه ) ٧٠٨ م ( ، في عهد الوليد بن عبد الملك ، وشغل حينا باخماد الثورات المحلية ، وتوطيد سلطة الخلافة في هضاب المغرب الأقصى ، وانتهي بافتتاح طنجة ، واختار لولايتها جنديا ظهر ببراعته في الحروب المغربية ، هو طارق ابن زياد الليثي

ولا تحدثنا الرواية قبل ذلك بشيء عن فاتح الاندلس ، بل إنها لتختلف في اصله ونسبته ؛ فقيل هو فارسي من همذان ، كان مولي لموسي بن نصير ، وقيل إنه من سبي البربر ، وقيل اخيرا إنه بربري من بطن من بطون

نفرة ، وهذه فيما يظن ارجح رواية ؛ وهي رواية يؤيدها صاحب البيان المغرب بإيراد نسبة طارق مفصلة (١) ويبدو منها أن طارقا تلقي الإسلام عن أبيه زياد عن جده عبد الله ، وهو أول اسم عربي إسلامي في نسبته ؟ ثم ينحدر مساق النسبة بعد ذلك خلال اسماء بربرية محضة حتي ينتهي إلي نفرة ، وهي القبيلة التي ينتمى إليها

كان طارق إذا حاكما لطنجة في سنة تسعين أو إحدي وتسعين من الهجرة ، في الوقت الذي تم فيه فتح المغرب الأقصي علي يد موسي بن نصير والي إفريقية ؛ وكان في اختياره لذلك المنصب تنويه بعزمه وشدة بأسه ، إذ كانت منطقة طنجة يومئذ أخطر مناطق المغرب وأشدها اضطرابا ، ولم يكن ينقص الفتح الإفريقي ، سوي ثغر سبتة المنيع الواقع مقابل طنجة ، في الطرف الشرقي للسان المغربي ؛ وكانت سبتة يومئذ تابعة لملكة اسبانيا القوطية ، وكان حاكمها الكونت يوليان قد استطاع أن يحميها من الغزو ، وأن يرد الفاتحين عن أسوارها ولكن كانت ثمة حوادث خطيرة تجري يومئذ في اسبانيا ؛ وكان ملكها ردربك أو لذريق قد انتزع العرش لنفسه من سلفه الملك وتيزا ، وانقسمت الأمة القوطية بذلك إلي حزبين خصيمين ، يحاول كل منهما القضاء علي الآخر ، وكانت اسبانيا تضطرم من جراء ذلك بمختلف الفتن والدسائس . وكان الكونت يوليان من أنصار الحزب المعارض يعمل معه لإسقاط المغتصب ، وإذا صحت الرواية فقد كان يعمل أيضا بدافع الانتقام الشخصي . وذلك أن لذريق

- فيما يقال - اغتصب ابنته الحسناء فلورندا ، وكان قد أرسلها إلي بلاط طليطلة لتربي هنالك بين بنات الأمراء والآكابر . وكانت هذه الحواث تجري في الوقت الذي اقترب فيه العرب من أسوار سبتة ؟ ففكر الكونت

ورجال حزبة في الاستعانة بأولئك الفاتحين الأقوياء علي تنفيذ مشروعهم في إسقاط لذريق ، واتصل الكونت بموسي بن نصير ، وعرض عليه مشروعه في غزو اسبانيا وادرك موسي اهمية المشروع وخطورته وتعهد بتنفيذه بعد أن حصل علي موافقة حكومة دمشق

وبدأ موسي بأن جهز حملة استكشافية صغيرة من خمسمائة مقاتل بقيادة طريف بن مالك ، فعبرت البحر من سبتة في سفن قدمها يوليان إلي البقعة المقابلة ، وذلك في رمضان سنة ٩١ ه ) يوليه سنة ٧١٠ م ( ، وجاست الحملة خلال الجزيرة الخضراء ، وأصابت كثيرا من الغنائم ، وعادت سالمة ، لتقص علي موسي ما شهدت من خصب الجزيرة وتفناها

وعندئذ اعتزم موسي أمره . وفي شهر رجب سنة ٩٢ ه أبريل ٧١١ م ( جهز جيشا من العرب والبربر من سبعة الآف مقاتل بقيادة طارق بن زياد . وعبر طارق البحر بجيشه تباعا في سفن يوليان ، ونزل بالبقعة التي ما زالت تحمل اسمه حتي اليوم ، أعني جبل طارق ، وزحف علي ولاية الجزيرة واستولي عليها . وكان لذريق ملك القوط . يشتغل يومئذ بمحاربة الخارجين عليه في الشمال ، فارتد مسرعا إلى الجنوب حينما وقف على النبا الخطير ، وحشد جميع قواته، وسار إلي لقاء المسلمين وكتب طارق إلي موسى يستنجد لما بلغه من وفرة جيش القوط ، فامدة بخمسة آلاف مقاتل وبلغ جيش المسلمين بذلك اثنى عشر ألفا

ووقع اللقاء الشهير بين الجيشين في سهل شريش ، شمالى مدينة شذونة ، على ضفاف نهر وادي لكة ، وذلك في اواخر شهر رمضان سنة ٩٢ ه ) يوليه ٧١١ م ( ؛ وكان القوط في نحو مائة ألف مقاتل ولكن هذا الحشد الضخم كانت تمزقه عوامل التفرق والخيانة . فلم تمض

أربعة ايام على بدء القتال ، حتى دارت الدائرة على القوط ، وقتل ملكهم لذريق ، وتم النصر للمسلمين ، وحقق طارق بذلك للخلافة فتحا من أعظم فتوحاتها

-2-

وتحيط الرواية الإسلامية ظفر طارق في سهل شريش بطائفة من التفاصيل الشائقة ، فنقول لنا أولا إن طارقا خطب جنده قبيل الموقعة ، والقي فيهم خطبته الشهيرة التي مازال يحفظها الطلاب كنموذج من نماذج النثر المختار ، والتي يفتتحها بقوله

" أيها الناس ؛ أين المفر ؟ البحر من ورائكم ، والعدو أمامكم ، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر ، ثم يحث فيها جنده على القتال ، والأستشهاد في سبيل الله ، ويرغبهم في ثمار النصر ، ويحذرهم من عواقب التخاذل والتفرق . وتنوه الرواية الإسلامية مما كان لهذا الخطاب من أثر قوي في إذكاء همم المسلمين وشجاعتهم ، ودفعهم إلي طريق الظفر

على أنه يسوغ لنا أن نرتاب في نسبة هذه الخطبة إلي طارق ، فإن معظم المؤرخين المسلمين ولا سيما المتقدمين منهم لا يشير إليها ، ولم يذكرها ابن عبد الحكم ولا البلاذري ، وهما اقدم رواة الفتوحات الإسلامية ، ولم تشر إليها المصادر الإندلسية المتقدمة ، ولم يشر إليها ابن الاثير وابن خلدون ، ونقلها المغري عن مؤرخ لم يذكر اسمه ، وهي على العموم أكثر ظهورا في كتب المؤرخين والأدباء المتأخرين وليس بعيدا أن يكون طارق قد خطب جنده قبل الموقعة . فنحن نعرف ان كثيرا من قادة الغزوات الإسلامية الأولى كانوا يخطبون جندهم في الميدان ؛ ولكن في لغة هذه الخطبة وروعة أسلوبها وعبارتها ما يحمل علي الشاك في نسبتها إلي طارق ، وهو بربري لم يكن عريقا في الإسلام والعروبة . والظاهر أنها من إنشاء بعض المتأخرين ، صاغها على لسان طارق مع مراعاة ظروف المكان والزمان .

وتشير الرواية في هذا الموطن إلي واقعة أخري جديرة بالتأمل ، وهي واقعة قد يغلب عليها لون الأسطورة ، وإن كانت مع ذلك تعرض علينا في ثوب التاريخ الحق . تلك هي واقعة إحراق السفن التي نقل عليها طارق جيشه من الشاطئ الإفريقي إلي شاطئ الأندلس . ونحن يعرف مما تقدم أن الكونت يوليان هو الذي قدم السفن التي ركبها العرب في بعثتهم الاستكشافية الأولى بقيادة طريف ابن مالك ، ثم في حملتهم الغازية بقيادة طارق ؛ تقول الرواية إن طارق ما كاد يسير بجيشه إلي الشاطئ الأندلسي حتي أمر بإحراق السفن ، وذلك لكي يدفع جنده إلي الاستبسال والموت ، أو النصر المحقق ، ويقطع عليهم بذلك كل تفكير في التخاذل أو الارتداد . فما مبلغ هذه الرواية من الصحة . إن جميع الروايات الإسلامية التي تحدثنا عن فتح الأندلس لا تذكر شيئا عن هذه الواقعة ، ولا تذكرها الرواية الإسلامية إلا في موطن واحد ؛ فقد ذكر الشريف الإدريسي في معجمه الجغرافى نزهة المشتاق عند الكلام على جغرافية الأندلس ، ان طارقا أحرق سفنه بعد العبور بجيشه إلي الأندلس ( ١) . وقد نقلت بعض التواريخ النصرانية المتأخرة هذه الرواية عن الإدريسى ، وفيما عدا ذلك فان جميع الروايات الإسلامية تمر عليها بالصمت المطلق

وقد يقال إن في الخطاب المنسوب إلي طارق ، ما يؤيد هذه الرواية ، فطارق يستهل بقوله : " ايها الناس ، اين المفر البحر من ورائكم ، والعدو ، أمامكم وليس لكم والله إلا الصدق والصبر . . وفي ذلك ما يمكن أن يحمل على أن الجيش الفاتح قد جرد من وسائل الارتداد والرجعة إلي الشاطئ الإفريقي ، أو بعبارة أخري قد جرد من السفن التي حملته إلي اسبانيا . ولكنا رأينا أن هذا الخطاب لا يمكن الاعتماد عليه من الوجهة التاريخية كوثيقة بعيدة عن شوائب الريب . ولو صح ان طارق ألقي في جنده مثل

ذلك الخطاب ، فقد نجد تفسيرا لاقوال طارق في ان السفن كانت ملكا لكونت يوليان ، وفي انها لم تكن تحت تصرف الغزاة في جميع الأوقات .

ومع ذلك كله فإن رواية الشريف الإدريسي عن واقعة إحراق السفن ليست من الأمور المستحيلة ، وهي عمل بطولة يتفق مع بطولة فاتح الأندلس . علي أنها تبقى عرضه لكثير من الريب ، فقد دونت لأول مرة في القرن الخامس الهجري ، أعني بعد فتح الأندلس بأكثر من ثلاثة قرون ولم تؤيدها أية رواية إسلامية أخري .

وتابع طارق ظفره ، وتوغل مسرعا في هضاب الإندلس ، واستولي تباعا علي معظم قواعدها حتى وصل إلي قاصية الشمال . وهنا تلقي أوامر موسي بوقف الفتح وكتب إليه موسي منذرا متوعدا الا يتقدم حتى يلحق به . فما الباعث على هذا التصرف ؛ قد يكون حذر القائد المجرب وتخوفه من ان ينكب المسلمون في هاتيك الدروب المجهولة ، وقد تكون غيرة الرئيس مما احرز المرؤوس من مجد سريع . وعلي أي حال فقد عبر موسي البحر في جيش قوامه ثمانية عشر ألف مقاتل واستولي تباعا علي ما بقي من قواعد الأندلس ، والتقي القائدان علي مقربة من طليطلة ، وعاد التفاهم بينهما بعد فترة قصيرة من الكدر ، وبعد أن كاد موسى ينكل برجله وقائده واتجه الفاتحان كل إلي طريقه ليتم غزواته وفتوحه ، فاخترق موسي جبال البرنية ، ونفذ إلى مملكة الفرنج، وسار طارق إلي قاصبة جليقية ، ليجهز فيها علي فلول القوط .

وبينما هما كذلك ، إذ وصلتهما أوامر الوليد بن عبد الله بالعودة إلي دمشق . ونحن نعرف ماذا كان من امر موسى في هذا العود ، وكيف نكبه سليمان بن عبد الملك خليفة الوليد ثم عفا عنه ؛ ولكن ماذا كان مصير طارق ؟ هذا ما تمر عليه الرواية الإسلامية بالصمت ، وكل ما هنالك

أنها تشير إلي ما كان من نية سليمان في تعيينه واليا للأندلس مكان موسي ، وكيف عدل عن نيته حينما وقف من مغيث الرومي ، وهو احد القادة الذين اشتركوا مع طارق في الفتح على ما كان يتمتع به طارق في الاندلس من عظيم الهيبة والنفوذ ، وذلك توجسا مما قد يجيش من اطامع ومشاريع نحو ذلك القطر الثاني من أقطار الخلافة (1) . وقد كان مغيث يحقد علي موسي وطارق منذ الفتح ، ويسعي إلي منافستهما والإيقاع بهما ، وكان لوقيعته ومساعيه ضدهما أكبر الأثر في استدعائهما إلى دمشق . وإذا كانت هذه الرواية لا تلقي ضوءا كافيا علي مصير طارق ، فإنها قد تسمح لنا مع ذلك أن نعتقد أن طارقا لم يلقى مثل المصير المحزن الذي لقيه موسي ، وانه بالعكس قد استقبل في بلاط دمشق

استقبالا حسنا ، وربما أحسن الخليفة فوق ذلك إثابته بدليل أنه فكر في تعيينه واليا للقطر الذي ساهم في افتتاحه بأعظم قسط .

ولكن الرواية الإسلامية لا تحدثنا بعد ذلك عن طارق بشيء ، ولا تذكر لنا أين ومتى توفي ، بل تسدل على نهاية حجابا من الصمت المطبق .

أما عن صفات طارق وخلاله فليس في وسعنا إزاء هذا الغموض الذي يحيط بسيرته ، إلا أن ننوه بخلاله العسكرية الباهرة ، التي ظهرت بوضوح في حروب المغرب وفتح الأندلس ، وهو بهذه الخلال يتبوأ مكانته بين أعظم الفاتحين المسلمين

اشترك في نشرتنا البريدية