الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 459 الرجوع إلى "الثقافة"

طاعون عمواس

Share

كان ذلك في السنة السابعة عشرة أو الثامنة عشرة من الهجرة في خلافة عمر بن الخطاب ، اي من نحو ١٣٥٠ عاما ، وسمي طاعون عمواس لان عمواس ( وهي بلدة صغيرة بين القدس والرملة ) كانت أول بلدة ظهر فيها الطاعون ، كما لو سمينا طاعون اليوم بطاعون " القرين " ولا يبعد ان يكون قد وفد على البلاد من الهند كذلك ، لأنها مصدر الطاعون من قديم ، وكانت التجارة وبين بلاد العرب والهند متصلة من عهد بعيد .

وكان هذا الطاعون جارفا ، حصد بلاد الشام حصدا ، وفزع الناس منه فزعا شديدا ، ولم يكن عرف سبب الرمص ، حتى ولا عرف اسم " الميكروب " ، وبالضرورة لم تعرف طرق الوقاية منه ، فكان المرض يرعي الناس ولا عمل لهم إلا انتظار ما يأتي به القدر ، ومكث أشهرا لا يدري الناس ماذا يصنعون ، وكان في كثير من

الحالات خطيرا ، لا يلبث الرجل أن يشعر به حتى يخر صريعا ، وعبروا إذ ذاك تعبيرا أدبيا قويا فقااوا : " قد اشتعل الوجع ، وهو تعبير يدل على انهم تصوروه كالنار ترعي الهشيم ، ومات ، خمسة وعشرون الفا او ثلاثون . ولم يغرق بين الخاصة والعابة ، فمات به أبو عبيدة ابن الجراح ، ومعاذ بن جبل ، ويزيد بن أبي سفيان ، والحارث بن هشام . وكلهم من سادة الناس .

وتسرب الطاعون إلى العراق ، فأفني في البصرة ما لا يحمى

وحار الناس في امره ، وزاد في حيرتهم انهم لا يعرفون سببه معرفتنا اليوم به ، ولا يعرفون دواه كما نعلم اليوم وشغل الأمر عقول المسئولين . ما العلاج ؟ فاهتدي عمر ابن الخطاب أن يعالجه بإخراج الناس حيث الهواء الطلق والجو الفسيح . ولا شك أن هذا بعض العلاج الصحيح ، فتزاحم الناس في جو فاسد أسرع إلى الفتك ، وأكثر تمكينا للذباب من نقل العدوي ؛ فكتب عمر إلى الى عبيدة : " إنك أنزات الناس في أرض عميقة ، فارفعهم إلي أرض مرتفعة نزهة " ، وقريب من هذا ما فكر فيه عمرو بن العاص لما تولي إمارة الجيش بعد ان أصبب بالطاعون أبو عبيدة ومعاذ ، فقد خطب الناس فقال : " أيها الناس إن هذا الوجع إذا وقع فإنما يشتمل اشتعال النار فتجبلوا منه في الجبال .

ونبتت مشكلة لا تزال في الناس إلي اليوم ؛ إن كل شئ بقضاء وقدر كما يقول الدين ، فمن مات مات بأجله ، ومن عاش عاش بأجله ، فما موقف الانسان المتدين إزاء الطاعون ونحوه من سائر الأمراض ؟

فأما الخاصة ومن فهموا فقه الدين ، فقد رأوا ان الإيمان بالقضاء والقدر لا يمنع من الإيمان أيضا بالسبب والسبب ، فمن يزرع لابد أن يبذر ولا بد أن يسقي ، وإلا

ما كان زرع ، وكذلك من جاع أكل ، ومن عطش شرب ، ومن اراد الحرب فلا بد أن يعد عتدها " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة " وقد اعترف الرسول صلى الله عليه وسلم بالعدوي ، وأوجب التوقى منها .

ففي صحيح مسلم أنه كان في وفد ثقيف رجل مجذوم ، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم : " ارجع فقد بايعناك ؟ اتقاء لوضع يده في يده ، وفي الصحيحين ان رسول الله قال : كلم المجذوم وبينك وبينه قيد رمح أو رمحين . إلى كثير من امثال ذلك ، وكلها صريحة في الاعتراف بالعدوي ووجوب التحرز منها ، ولا أفهم للإسلام من مبلغه .

ولكن في كل أمة وفي كل عصر نماذج من الناس امزجتهم لا تركن إلا إلى الشذوذ في الدين والتشدد فيه ، فيتشددون في القناعة حتى يبلغوا مبلغ الزهد القاسي ، ويتشددون في الهروب من متع الحياة حتى يحرموا على أنفسهم ما أحل الله ، فهؤلاء قد ساقهم مزاجهم هذا إلي أن يتنطموا في القضاء والقدر ، فلا يؤمنوا بعدوي ولا يعترفوا بعلاح ، وقد استندوا في هذا على حديث شاع وهو ( لا عدوي ولا طيرة ) ولكن العقبه في الدين يابي أن يصدق هذا الحديث على ظاهره ، لأنه يتنافي وروح الدين الصحيح كما يتنافي والنصوص الآخري ، خصوصا وقد روي الثقات أن راوي هذا الحديث هو أبو هريرة ، وانه كان يرويه أولا ثم شك فيه فتركه ، ولما راجعوه فيه أبي أن يحدث به بعد ذلك ، وقد كان يكفي أنه لا يتفق وروح الإسلام ليرفض - وحدث ما يؤيد هذا ، فقد رووا أن عمر بن الخطاب قدم إلى الشام حتى إذا وصل إلي بلدة اسمها " سرغ " لقيه بعض أمراء الجيش ، فأخبروه بالطاعون وشدته ، وكان معه بعض - المهاجرين والأنصار ، فاستشارهم أيدخل الشام أو يرجع ، فاختلفوا عليه ، فمنهم من أشار عليه بالدخول قائلا : إنك خرجت لوجه الله فلا يصدنك عنه هذا . ومنهم من

أشار عليه بالعودة قائلا ؛ إنه وباء وفناء ، فلا نري أن تقدم عليه . فصرفهم لما رأي خلافهم ، واحضر مهاجرة الفتح من قريش إلى المدينة ، فاستشارهم فلم يختلفوا عليه واشاروا بالعودة فعاد وهؤلاء المهاجرون من غير شك أفقه دينا وأصدق نظرة .

وحدث في هذا الطاعون حوادث نبيلة ؛ من ذلك أن عمر بن الخطاب وهو بالمدينة ، وقد بلغه أمر الطاعون وفتكة بالناس ، فكر في ابي عبيدة وبقائه بالشام ، وهو أعرف الناس بمنزلته ، وانه رجل بآلاف ، فأحب عمر أن يستدعيه إلي المدينة ، ليكون بعيدا من موطن الخطر . فكتب إليه : ( سلام عليكم . أما بعد : فقد عرضت لي إليك حاجة أريد أن أشافهك فيها ، فعرضت عليك إذا نظرت في كتابي هذا ألا تضعه من يدك حتى تقبل إلي ) . فعرف أبو عبيدة ان عمر إنما أراد أن يستخرجه من الوباء ، فكتب إليه : ( يا أمير الؤمنين إني قد عرفت حاجتك إلي ، وإني في جند من المسلمين ، لا أجد بنفسي رغبة منهم ، فلست أريد فراقهم حتى يقضي الله في وفيهم امره وقضاءه فخلني من عزمتك يا أمير المؤمنين ، ودعني في جندي . فلما قرأ عمر الكتاب بكي ، فقال الناس : ( أمات أبو عبيدة يا أمير المؤمنين ؟ ) قال : لا وكأن قد

هذا ولا شك موقف رائع من عمر وأبي عبيدة ، فعمر أشفق على أبي عبيدة أن يموت ، وموته خسارة لا تعوض ، ولعله كان يدخره ليكون خليفة المسلمين بعده ، كما صرح بذلك في مواقف أخري .

وأبو عبيدة يري وهو امير الجيش أنه لا يصح أن يمتاز عن أي جندي بأية ميزة ، فليس له ان يهرب بنفسه إلى دار الأمان وجنده في خطر الموت

فرحم الله عمر فقد كان شفيقا رحيما ، ورحم الله

أبا عبيدة فقد كان سريا نبيلا

اشترك في نشرتنا البريدية