كان ذلك في السنة السابعة عشرة أو الثامنة عشرة من الهجرة في خلافة عمر بن الخطاب ، اي من نحو ١٣٥٠ عاما ، وسمي طاعون عمواس لان عمواس ( وهي بلدة صغيرة بين القدس والرملة ) كانت أول بلدة ظهر فيها الطاعون ، كما لو سمينا طاعون اليوم بطاعون " القرين " ولا يبعد ان يكون قد وفد على البلاد من الهند كذلك ، لأنها مصدر الطاعون من قديم ، وكانت التجارة وبين بلاد العرب والهند متصلة من عهد بعيد .
وكان هذا الطاعون جارفا ، حصد بلاد الشام حصدا ، وفزع الناس منه فزعا شديدا ، ولم يكن عرف سبب الرمص ، حتى ولا عرف اسم " الميكروب " ، وبالضرورة لم تعرف طرق الوقاية منه ، فكان المرض يرعي الناس ولا عمل لهم إلا انتظار ما يأتي به القدر ، ومكث أشهرا لا يدري الناس ماذا يصنعون ، وكان في كثير من
الحالات خطيرا ، لا يلبث الرجل أن يشعر به حتى يخر صريعا ، وعبروا إذ ذاك تعبيرا أدبيا قويا فقااوا : " قد اشتعل الوجع ، وهو تعبير يدل على انهم تصوروه كالنار ترعي الهشيم ، ومات ، خمسة وعشرون الفا او ثلاثون . ولم يغرق بين الخاصة والعابة ، فمات به أبو عبيدة ابن الجراح ، ومعاذ بن جبل ، ويزيد بن أبي سفيان ، والحارث بن هشام . وكلهم من سادة الناس .
وتسرب الطاعون إلى العراق ، فأفني في البصرة ما لا يحمى
وحار الناس في امره ، وزاد في حيرتهم انهم لا يعرفون سببه معرفتنا اليوم به ، ولا يعرفون دواه كما نعلم اليوم وشغل الأمر عقول المسئولين . ما العلاج ؟ فاهتدي عمر ابن الخطاب أن يعالجه بإخراج الناس حيث الهواء الطلق والجو الفسيح . ولا شك أن هذا بعض العلاج الصحيح ، فتزاحم الناس في جو فاسد أسرع إلى الفتك ، وأكثر تمكينا للذباب من نقل العدوي ؛ فكتب عمر إلى الى عبيدة : " إنك أنزات الناس في أرض عميقة ، فارفعهم إلي أرض مرتفعة نزهة " ، وقريب من هذا ما فكر فيه عمرو بن العاص لما تولي إمارة الجيش بعد ان أصبب بالطاعون أبو عبيدة ومعاذ ، فقد خطب الناس فقال : " أيها الناس إن هذا الوجع إذا وقع فإنما يشتمل اشتعال النار فتجبلوا منه في الجبال .
ونبتت مشكلة لا تزال في الناس إلي اليوم ؛ إن كل شئ بقضاء وقدر كما يقول الدين ، فمن مات مات بأجله ، ومن عاش عاش بأجله ، فما موقف الانسان المتدين إزاء الطاعون ونحوه من سائر الأمراض ؟
فأما الخاصة ومن فهموا فقه الدين ، فقد رأوا ان الإيمان بالقضاء والقدر لا يمنع من الإيمان أيضا بالسبب والسبب ، فمن يزرع لابد أن يبذر ولا بد أن يسقي ، وإلا
ما كان زرع ، وكذلك من جاع أكل ، ومن عطش شرب ، ومن اراد الحرب فلا بد أن يعد عتدها " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة " وقد اعترف الرسول صلى الله عليه وسلم بالعدوي ، وأوجب التوقى منها .
ففي صحيح مسلم أنه كان في وفد ثقيف رجل مجذوم ، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم : " ارجع فقد بايعناك ؟ اتقاء لوضع يده في يده ، وفي الصحيحين ان رسول الله قال : كلم المجذوم وبينك وبينه قيد رمح أو رمحين . إلى كثير من امثال ذلك ، وكلها صريحة في الاعتراف بالعدوي ووجوب التحرز منها ، ولا أفهم للإسلام من مبلغه .
ولكن في كل أمة وفي كل عصر نماذج من الناس امزجتهم لا تركن إلا إلى الشذوذ في الدين والتشدد فيه ، فيتشددون في القناعة حتى يبلغوا مبلغ الزهد القاسي ، ويتشددون في الهروب من متع الحياة حتى يحرموا على أنفسهم ما أحل الله ، فهؤلاء قد ساقهم مزاجهم هذا إلي أن يتنطموا في القضاء والقدر ، فلا يؤمنوا بعدوي ولا يعترفوا بعلاح ، وقد استندوا في هذا على حديث شاع وهو ( لا عدوي ولا طيرة ) ولكن العقبه في الدين يابي أن يصدق هذا الحديث على ظاهره ، لأنه يتنافي وروح الدين الصحيح كما يتنافي والنصوص الآخري ، خصوصا وقد روي الثقات أن راوي هذا الحديث هو أبو هريرة ، وانه كان يرويه أولا ثم شك فيه فتركه ، ولما راجعوه فيه أبي أن يحدث به بعد ذلك ، وقد كان يكفي أنه لا يتفق وروح الإسلام ليرفض - وحدث ما يؤيد هذا ، فقد رووا أن عمر بن الخطاب قدم إلى الشام حتى إذا وصل إلي بلدة اسمها " سرغ " لقيه بعض أمراء الجيش ، فأخبروه بالطاعون وشدته ، وكان معه بعض - المهاجرين والأنصار ، فاستشارهم أيدخل الشام أو يرجع ، فاختلفوا عليه ، فمنهم من أشار عليه بالدخول قائلا : إنك خرجت لوجه الله فلا يصدنك عنه هذا . ومنهم من
أشار عليه بالعودة قائلا ؛ إنه وباء وفناء ، فلا نري أن تقدم عليه . فصرفهم لما رأي خلافهم ، واحضر مهاجرة الفتح من قريش إلى المدينة ، فاستشارهم فلم يختلفوا عليه واشاروا بالعودة فعاد وهؤلاء المهاجرون من غير شك أفقه دينا وأصدق نظرة .
وحدث في هذا الطاعون حوادث نبيلة ؛ من ذلك أن عمر بن الخطاب وهو بالمدينة ، وقد بلغه أمر الطاعون وفتكة بالناس ، فكر في ابي عبيدة وبقائه بالشام ، وهو أعرف الناس بمنزلته ، وانه رجل بآلاف ، فأحب عمر أن يستدعيه إلي المدينة ، ليكون بعيدا من موطن الخطر . فكتب إليه : ( سلام عليكم . أما بعد : فقد عرضت لي إليك حاجة أريد أن أشافهك فيها ، فعرضت عليك إذا نظرت في كتابي هذا ألا تضعه من يدك حتى تقبل إلي ) . فعرف أبو عبيدة ان عمر إنما أراد أن يستخرجه من الوباء ، فكتب إليه : ( يا أمير الؤمنين إني قد عرفت حاجتك إلي ، وإني في جند من المسلمين ، لا أجد بنفسي رغبة منهم ، فلست أريد فراقهم حتى يقضي الله في وفيهم امره وقضاءه فخلني من عزمتك يا أمير المؤمنين ، ودعني في جندي . فلما قرأ عمر الكتاب بكي ، فقال الناس : ( أمات أبو عبيدة يا أمير المؤمنين ؟ ) قال : لا وكأن قد
هذا ولا شك موقف رائع من عمر وأبي عبيدة ، فعمر أشفق على أبي عبيدة أن يموت ، وموته خسارة لا تعوض ، ولعله كان يدخره ليكون خليفة المسلمين بعده ، كما صرح بذلك في مواقف أخري .
وأبو عبيدة يري وهو امير الجيش أنه لا يصح أن يمتاز عن أي جندي بأية ميزة ، فليس له ان يهرب بنفسه إلى دار الأمان وجنده في خطر الموت
فرحم الله عمر فقد كان شفيقا رحيما ، ورحم الله
أبا عبيدة فقد كان سريا نبيلا
