الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

" طبيبان "

Share

أهديها : - " الى كل طبيب يكثر الحديث عن عمله الانساني وليس له من " انسانيته " الا ملء جيبه " ... - " والى كل فقير ، يرى مريضه بين يديه ، ولا يجد مالا ينفقه عليه أو طبيبا يدعوه اليه " ... - " والى كل مواطن يعيش في " برجه العاجي " ولا يؤذيه أن يعلم بعض ما يجهل عن حياة القرى والمداشر ".

طال سهاد " أبي سعيد " ولم يأخذه نوم ، وتعالى أين زوجه كشكوى الظلام ، رشقات في قلب ودعوات سهام ، ولم يطق صبرا ، فقام الى الركن الآخر من البيت ، وأشعل السراج ، كأنما كان يريد ان يدفع بضوئه الباهت ، الخجول ، ما ركب نفسه من هم ؛ وتقدم الى زوجه ...

إنها لم تنم هي الاخرى منذ ليلتين ، اثنتين ، ولم تطعم ، وانها لتتلوى على الحصير ، وتهتز ، كمن هزته ريح فمنعته القرار ! ماذا يفعل أبو سعيد ولم يبق لديه حيلة في صد هذه الحمى المهذار ، ولا بقية صبر ؟ لقد حاول ، جهده ، اطفاءها . وبذل لها كل شيء : خلط خلا بزيت ، ودلك به بدن زوجه ، ثم قيض بيضة دجاج بين كتفيها كما كانت تفعل به امه كلما انتابته حمى ، ثم غطاها .. وزملها .. فما انطفأ اللهيب ، ولا خف عنها الداء .. وضاق صدر " أبي سعيد " فارسلها من اعماقه زفرة ، مزقت سجف الليل ، وأعاد النظر الى زوجه ، فاذا الالم بها يستبد ، والعلة تزداد ، فقال : " من لي بانقاذها ، او التخفيف عنها ! " فالقرية ليس بها طبيب ، ولا في جيبه مال ! ولو ابقت له الايام شيئا من حلي زوجه لباعه ، ولكنه اشترى بالبقية منه بذرا ، فما نبت النبت حتى يبس في يوم وليلة ،

وذوى ، فكان الارض به اقشعرت وادركها العقم ... ثم أليس يقولون في القرية إن الاطباء كعصي الداء ، وألصق ، وأشد نهما ، وانهم ما دخلوا بيتا الا افلس ، وخرج منه ميت ؟ ومر بخاطره ، كطيف الذكرى ، خيال جاره وقد اعتل ولده فباع ما كان عنده من رزيق ، لمداواته فخسر الابن والرزيق ...

واغرق " ابو سعيد " في تفكيره ، وهو ينظر الى الظلام ، يخنق انفاس السراج ... ألفا قرنك ... إنه لودعا طبيبا للزم ان يقدم إليه ألفي فرنك . عدا ثمن الدواء . ألفا فرنك ... عن ربع ساعة يفحص فيها زوجه !.. جنون !.. إنه يعمل - ان وجد عملا - من طلوع الشمس الى غروبها ... ويكد ، ويجهد ، وينهك قواه ... ليرى بين أصابعه مائتي فرنك ... ثمنا لجهده ، وكده ، وعرقه ... وفنائه في الارض ... ألفا فرنك للطبيب ؟ وانى له ذلك ، وليس له من الدنيا غير هذه الشويهة الحلوب ! أيبيعها ؟ انه لو باعها لما استطاع ان يسدد بها نهم الحمى ... وحاجة الطبيب ...

وادلهمت الدنيا على " ابي سعيد " فلم ير بصيص نور ، ولا بارق امل ، وجثم الظلام على قلبه ، ثقيلا ، فبات شر مبيت ، وباتت زوجه ، على أسوإ حال ، أرقا ، وعرقا ، وحمى ..؛

فلما أصبح " ابو سعيد " وجدت بزوجه العلة ، قال : لاذهبن بها الى القرية المجاورة ، ولاستشيرن في شأنها الطبيب ، فانه يجيء القرية في مثل هذا اليوم ، من كل اسبوع ، ويفحص المرضى لوجه الله ... وقام فاستأجر حمارا ، فلما أسرج ، أركب زوجه ، ومضى الى القرية ، حتى اذا ما انتهى إليها بعد سير كليل الحمى ، تنفس الصعداء ، ودفع الى " المستوصف الصحي " قادا خلق كثير ، وجيش من البغال والحمير ، ومناظر شتى كيوم الرحيل ، فحط " ابو سعيد " عن الحمار ... وادخل زوجه حيث النساء ، فاسندها الى جدار وبقى ينتظر ... كانت الشمس قد انتصبت شديدة ، لداغة ، وكان القوم يتطلعون الى قدوم الطبيب ... انهم رجال ونساء ، واطفال ، جاءوا يشكون العلة ، ويرقعون ما اخلولق من اجسامهم ... فهذا رجل قد تورمت رجله ، وسال منها دم ، وقيح ، فربط عليها بقرطاس ، واخذ يذب الذباب عنها ؛ وهذا طفل قد طمس الرمد عينه صديدا ، وأحرقه

شعاع الشمس فاغمض عينيه وفتح فاه ، وهذا آخر قد سال مخاطه فأخرج لسانه يترشف ما جاد به أنفه ؛ وهذا صبي عاري العورة قد انكبت عليه امه تمسح له ؛ وهذه عجوز قد استنقت الى الشمس ، واخلت لاصابعها السبيل الى جسمها ، فهي الى الظفر واللذة ، كلما ضغطت ظفرا على ظفر ؛ وهذا رجل شاحب الوجه ، غائر العينين ، ناحل الجسم لا يكاد يمشي كأن القبر به تقيأ ؛ وهذا آخر قد جيء به على لوحة كأنما يسار به الى القبر ؛ وهؤلاء نسوة تضاغى صبيتهن ، ألما ، وجوعا ، وعطشا ، فهن الى شبه جنون ؛ وهذا عواء نحيب ، وبكاء أنبن ، ونهيق حمير ... فكأن الكون في مأساة ...

واشرأبت الاعناق في حركة واحدة ، كمن عاودته الروح ، واتجهت الانظار صوب الباب ، وسادت فترة صمت ، فادا هو الطبيب ، ينزل كلون الحياة من سيارة جميلة ، فخمة ، ويخترق كشعاع شمس هذا العباب الزاخر من الناس ، فتستيقظ الاوجاع ، ويدب الامل في النفوس ، وتشتد اللهفة . ولم يلبث الباب ان قعقع ، وتثاءب ، وأطل من فرجته رأس الممرض كالموجس خيمة ، فتدفق إليه القوم كطالب ثأر ، فأخذ القليل منهم وأوصد الباب ، وتعالى نداء القوم كصوت العذاب ... ووالى الممرض بين الفتح والاغلاق ، والاخذ والرد ، واكثر القوم من الادناء والابعاد ، كأنما شدوا الى الباب ...

وانتصف النهار ، ولم يدخل الا القليل من المرضى وادا بالممرض يخرج إلى القوم فيقول : قد آن ان تنقلبوا الى دوركم وقراكم . على ان تعودوا في مثل هذا اليوم من الاسبوع القادم ... فما وقر في أذن أبي سعيد كلام ، آلم لنفسه ، ولا أشد وقعا ، ولا أبعث على اليأس من كلام الممرض وهو يجبههم بالرد ... وتعالت ضجة سرعان ما تلاشت ، وتبخرت ضياعا ، كهذه الرائحة المنبعثه من خرء الخمير ، وبول البغال . . وعاد الناس الى حميرهم . وبغالهم ، وبكائهم . وآلامهم ويأسهم ، وسخطهم ، وانفسهم أشلاء . يجررونها جرا .

وتجمع " أبو سعيد " على نفسه كأنقاض بيت تهدم ، وقام الى الحمار ، والى زوجة ، وليس منها الا عرق ، وحمى ... وارتخاء اعصاب وانقلب الى القرية انقلاب الخائب ، النادم عن قصده الطبيب ، فما أحس به صاحب الحمار ، جاره ، حتى خف إليه فأخبره " ابو سعيد " بما كان من امره ، فقال له : " لو ذهبت

يا " أبا سعيد " الى الشيخ " ابي حنظلة " فلكم داوى ، وآسى ، وأسدى النصائح ، وأبعد عن النفوس وسواسها ، إلى ورع . وقناعة ، وتقوى ، واخلاق كهبوب النسيم رقة : ومن يدري .. فلعل ما بها ، عين ، او سحر ساحر !

... وقام " أبو سعيد " وبوارق الامل تتراقص أمام عينيه ، ومضى إلى الشيخ  ... وكان " ابو حنظلة " لا يبرح البيت الا قليلا ... فاستأذن ، فلما أذن له اذا الشيخ متصدر في بيته ، واذا وجه مستدير قد سالت منه لحية سوداء ، كثة ، وأنف شامخ قد ركبته نظارتان كجناحي طائرة ، وعينان قد سقطت اهدابهما ، فهما كدمل سال صديده ، وعمامة قد لاثها على مؤخر رأسه فأبدت ما كان عنده من صلع ، وجسم كجذع شجرة ألبس جبة صوف ؛ واذا رائحة تستقبله ، لا هي الطيب ، ولا العطر ، ولا الرطوبة ، ولا " الجاوي " ولا فساء الشيخ ، ولكنها خليط من كل ذلك ... فسلم " ابو سعيد " وقص عليه خبر زوجه ، وشكا إليه ، فاستمع " الشيخ " كثيرا ، واستمع مهتما ، ثم أمر بالباب فأغلق ، ثم تناول مجلدا ضخما قد بليت دفتاه ، لكثرة ما تداولته يداه ، ثم قرب اليه " مجمرة " بها نار ، فرمى بها " بخورا " فتصاعد منه دخان ، ثم طفق يقرأ ، ويهمهم ، و " يتمتم " ثم حملق عينيه كالفزع المرتاع . ثم حرك يديه كالمزعج لامر دهمه ، ثم زاد في الهمهمة ، و " التمتمة " ثم جعل يتثاءب تثاؤبا دويا كخوار ثور ، وجعلت دموعه تنهمر حتى اخضلت لحيته ، ثم صاح صيحة اهتز لها البيت ، : " إلي يا شمهروش ! يا أبا المعجزات يا شمهروش " ثم جعل يصعد في المرأة ويصوب ، ثم التفت الى " أبي سعيد " وقال : انها قد أكلت حوتا ! !

فقال " ابو سعيد " : أي والله ... منذ شهر ! قال : .. لقد رمت بخياشيم الحوت ولم " تبسمل " فأصابت عين جان ... ففقأتها !

- فقال : " يالله ... ان كان ذلك فعن غير قصد  !.." فقال : " لقد عاقبها " اولاد ابن الاحمر " بما اقترفت يداها ! فانتفض " ابو سعيد " وقال : " وهل من خلاص يا سيدي الشيخ ."

- قال : " قم فائتني بديك أسود لا بياض فيه ، وصحن أبيض لا خط فيه ،

وبيضة دجاجة أدماء ، لا بيضاء ، ولا سوداء ! ثم عجل يا أبا سعيد ، ثم صاح : " لبيك يا شمهروش العظيم لبيك ياشمهرووو .. ش ! "

فخف " أبو سعيد " ... فأبطأ ... حتى اذا عاد وجد الشيخ لم يبرح مكانه وهو منكب على " المجمرة " كعابد النار ، والدخان خارج من لحيته ، وهو " يهمهم " كما كان ... فما احس بأبي سعيد حتى جذب منه الديك ، فذبحه ، ثم غمس يدك في دمه ، ثم زحف الى المراة فنضح جبينها بدم الديك . . وهو يقول : " عطفك يا شمهروش ! .. عونك يا شمهروش .. !" وكأن المرأة هالها ما ترى وتسمع ، ففتحت عينين غائرتين فقال الشيخ : " انها ساعة الخلاص ... انها ساعة الخلاص ..."

ثم اخذ الصحن ، فكتب عليه حتي لم يدع به بياضا ، ثم صب به قليلا من الماء ... ثم محا ذلك بأصابعه وقال : " افتحي فاك ... افتحي فاك ... " فسقاها ... وهو يردد : " يا ابا المعجزات ياشمروش ! " فلما فرغ اخذ بيضة الدجاج فكتب عليها احرفا غليظة ، ثم أدارها سبعا على رأس المريضة ، ثم قال : خذ يا " أبا سعيد " هذه البيضة فادفنها في قبر لم يمض على موت صاحبه شهران ... وخذ هذه الوريقات ، فاحرق منها واحدة عند طلوع الشمس ، وأخرى عند غروبها فستشفى زوجك باذن الله . . قم يا " أبا سعيد " وعد إلي في مثل هذا اليوم " لاقرأ عليها " ما لن تمس بعده بسوء .. .

فقام " أبو سعيد " فدفع " أجرة " الشيخ وشكر كثيرا ... وشكر صادقا وانقلب إلى داره مسرورا .

وجاء اليوم الموعود ، واستعد الشيخ لقراءة " السر الاكبر " ولكن " أبا سعيد " لم يذهب الى " الشيخ " لان زوجه كانت قد ماتت منذ يومين ! ..

اشترك في نشرتنا البريدية