الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 286 الرجوع إلى "الثقافة"

طبيب عظام، قصة مصرية واقعية

Share

الطبيب يولد ولا يصنع ، ولا دخل لشهاداته ودرجاته  الجامعية في مواهبه ، فهي قد تبين عما تعلمه ولكنها  لا تكفي للدلالة على ما يستطيع ان يعمله . وعليه ان يعرف  من دقائق الجسم البشري ما يعرفه البستاني عن حديقته . بل يجب أن يعرف من تلك الدقائق أكثر مما ينبغي ان  يعرفه البستاني عن جذور وفروع كل شجرة في بستانه . والجراح أولى من غيره من الأطباء بمعرفة كل صغيرة وكبيرة من تركيب الجسم وخوالجه ودقائقه . وان يكون له من الارادة وقوة الأعصاب ما لرجل يواجه  أسدا ضاريا له من الإرادة وقوة الأعصاب ما لرجل يواجه أسدا ضاريا في غير هيبة أو رعب ! فقد يكون ماهرا في القبض على مبضعه ، ولكنه مرتبك الذهن وقد يكون على النقيض  من ذلك ، متقد الذكاء المعي الفؤاد ، ولكن كان الله في  عون المسكين الذي يجري له عملية جراحية مثل ذلك الجراح ! فإن توقد الذهن لا يوائم مهنة الجراح ، ولكنه  قد يكون ضرورة قصوي لمن يمتهن الشعوذة ، ويلعب  بالسكاكين في الهواء

ويجب ان تكون يد الجراح رقيقة رقيقة في قوة  ومضاء ، وان يكون شجاعا ، سريع التفكير ، دائم الاستعداد ، واثقا من نفسه ، جريئا لا يهاب . . وهو الذي  يناضل من أجل حياة الاخرين ، ويصارع الموت ليصرعه .

هذه الخواطر طافت بخاطري نتيجة لحادث جعلني  أفكر فيما يجب أن يتصف به الجراح القدير في عمله . وهو  حادث يتعلق بزميل شاب ، بدأ حياته العاملة جراحا في احد  المستشفيات الصغيرة بالقري ، وسرعان ما أدرك - أو  خيل إليه - انه لم يخلق لغير الجراحة وحدها ، رغم ان  دوره ، في العمليات الحراحية القليلة بذلك المستشفي كان مجرد مساعدة طبيبه الأول .

وكان ذلك الزميل سعيدا في حياته الزوجية بعد أن  تزوج من ابنة أحد الأعيان بتلك القرية ، فوهبته قلبها ، ووققت على إسعاده حياتها ، واصبح في نظرها معبودها بعد خالقها !  وباتت تذكر " الدكتور " في حديثها بين أترابها ولداتها وأقاربها بكل اعتداد وكبرياء ، وتتيه فخرا بمعلوماته الفذة وعلمه الغزير ، وقدرته التي تزري بقدرة قادة الطب في القطر المصري برمته

وكان زوجها الجراح لا ينقصه الزهو والغرور ، فزادته بتقديسها زهوا على زهو ، وغرورا على غرور    وسرعان ما صدق ما تغدقه عليه من ثناء ، وراح يصغي في غبطة إلي ما تكيله لعبقريته من مديح بين زوارهما ، وتصدع به  رؤوسهم في غير رحمة او هوادة .

وفجأة في أحد تلك الأيام السعيدة الرافدة . .  أصيبت الزوجة بالتهاب الزائدة الدودية ؛ وكانت في صغرها قد أصيبت ببعض نوباته دون أن تحفل بالأمر كثيرا ، أو يعني أهلها بأكثر من حملها على شرب بعض الكمون أو ماء الزهر ليزول ذلك المغص

وأدرك الزوج برغم عدم شدة آلام زوجته أن الحالة  دقيقة تستدعي إجراء عملية جراحية في الحال ، فاقترح ان يطلب إلي رئيسه معونته ، أو ان يستدعي لها من القاهرة جراحا له شهرته . ولكن الزوجة المفرطة في الثقة بزوجها ) العبقري ( عارضت الفكرة بكل قوتها ، لأنها لا تطمئن إلي غيره يقطع في جسمها ، ولأنها من عائلة محافظة ، وليس ثمة ما يدعو لان تعرض جسمها على رجل غريب مادام  زوجها جراحا وأي جراح ! !

وأصمت أذنيها في عناد عن إلحافه وإلحاحه ، وأصرت  على أنها لن تأمن على حياتها إلا لزوجها المحب القدير ، وإلا فأي فائدة من الجراح وهو يضن على زوجته بمساعدته  الغالية ؟ !

ولما سقط في يد الزوج ، وانتفخت اوداجه بما تهيل  عليه من مديح ، زايلته تدريجيا مخاوفه ، ولم يشأ بان يعترف

بأنه يفتقر إلى الشجاعة أو المران اللازم . وطاف بخاطره ما سوف يردده القرويون قائلين :

- ها هو الجراح بلغت به الثقة بنفسه ان اجري  لزوجته عملية جراحية دون أن تهتز يداه بالخوف

ورغم أنها كانت أولى العمليات الجراحية التي يتولاها بنفسه وتحت تبعته ، لم يتردد في ان يعمل على تدعيم ثقة زوجته به وإيمانها بقدرته ، وأسرع يقرأ في مكتبته كل  ما حوت من الكتب عن عملية استئصال الزائدة الدودية ،  وكيف أن تسع عمليات من كل عشر تتكلل بالنجاح ثم ارسل في طلب احدي الممرضات من المستشفى . وما لبثت زوجته أن ارتقت بنفسها المائدة التي اعدها لإجراء عمليته ؛ ثم أخذت ترنو إليه باسمة مطمئنة ، وقد ارتدي معطفه  الابيض ، وبدأ في عينها اشبه بالملائكة . وتمتمت تشد أزره :

- ثق أنني لست خائفة ياعزيزي . إنني مطمئنة بين  يديك ، ولكن لا ننسي ان تكون جانبي عندما استيقظ ،  لأنني أريد أن تكون أول ما تقع عليه عيناي . يالك  من  طبيب عظيم !

وبدأت العملية . وأخبرني الزميل فيما بعد أنه عند  ما دفع مبضعه في جلد زوجته الجميل ، ورأى الدماء تنبثق  من تحته غص في حلقه ومادت الأرض تحت قدميه ؛ ولكن غروره ظل يهيب به أن يتجلد غير أنه عندما تعمق  الجرح والتقت عيناه بشيء لم يره في الكتب التي قرأها تولاه  الارتباك ، وساقه التحمل والجلد إلي ما يشبه النزق والاستهتار فحدث ما روعه ! وكاد قلبه ان يقف بين أضلعه  عندما رأي المزق الذي أحدثه . وخيل إليه أنه يكاد يغشي عليه ؛ وقد تصبب العرق باردا على جبينه واضطربت اصابعه  وعندما سألته الممرضة في قلق :

- هل حدث شئ ؟ صرخ فيها أن تصمت . ثم حاول عبثا أن يرفأ المزق الذي أحدثه ، وراح يتناول آلة بعد اخري فتسقط من بين اناملة المرتعدة . إلى ان تغطى جسم زوجته بالآلات الغارقة

في الدماء ! ومسح جبينه الملتهب بيده فاصطبغ بالدماء  وراح يصيح في الممرضة بصوت محموم مختنق :

خذي هذا . أمسكى هذا ! بالله لا تنظري إلي  هكذا ! !

وأخيرا همست إليه الممرضة أن النبض يضعف ، وأنه  يجب أن ينتهي سريعا من عمليته وإلا قضى على زوجته .  فأسرع بقفل الجرح ، ثم غاص في مقعد قريب وقد دفن  وجهه بين يديه الملوثتين بالدماء . بينما تسللت الممرضة إلي الخارج دون أن تنطق بحرف . ورفع الطبيب  رأسه ليتطلع زاهلا من النافذة ، ثم وقع نظره علي منديل  لزوجته ملق بجانب المائدة فالتقطه وراح يعتصره في راحته ،  ثم ألقاه على الأرض متسائلا ماذا فعل بزوجته التي تحبه وتعبده ؟ ! ولمح نفسه في المرآة وقد بدا وجهه الملطخ  بالدماء غير آدمي ، بل أشبه بوحش  قاتل مفترس ، او بقابيل  الذي قتل أخاه هابيل ؟ فجري يغسل يديه ووجهه ثم عاد  ليجس نبض زوجته ، فإذا بها اشبه بالجثة الهامدة ؟ ولم  يقو علي أن يحتمل ذلك المشهد فأسرع يستقل عربة إلي  المستشفى ؛ ثم عاد بعد نصف ساعة مع رئيسه الذي فحص المرأة على عجل ، ثم دفع الزوج خارج الغرفة وأغلقها خلفه

وأخبرني الزميل فيما بعد انه جعل يذرع الغرف الاخري جيئة وذهابا ، وانه كان يقف امام مكتبته ويقلب بين كتبها فلا يستطيع قراءة حرف واحد ، فيعود علي عقبيه يذرع الغرف من جديد ؛ وانه مضي اخيرا يعبث بصيدلية المنزل ويحشو جيوبه بكل أنواع الأدوية ، وسرعان ما دخل  عليه رئيسه متصبب الجبين بالعرق يقول :

- لقد نجت زوجتك يا دكتور !

فجري إلي معبودته غير حافل بتوديع رئيسه . وظل إلي  جانبها يستخفه الفرح إلى ان فتحت عينيها ورنت إليه باسمة شاكرة . ولما انحني عليها يقبلها سمعها تهمس في أذنه :

" يالك من طبيب عظيم " !

اشترك في نشرتنا البريدية