الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 35 الرجوع إلى "الثقافة"

طراز العمارة القوطى

Share

شهد القرن الثاني عشر في أوربا حركات سياسية قومية عنيفة كان من اثرها استقلال الأمم اللاتينية ، وظهور إبطاليا وفرنسا ، ثم دول اوربا الغربية في الميدان السياسي كدول قطعت ما بينها وبين الدولة الرومانية المقدسة من روابط .

وكان لهذا التفكك الذي اعتري جسم أوربا أثره المحمود على العمارة والفنون ، كما كان له اثره على وجوه الثقافة الأخرى .

والحق أن أوربا بدأت بالقرن الثالث عشر حياة جديدة تميزت فيها تميزت بطراز جديد في العمارة صحب ظهور القوميات المختلفة هو الطراز القوطي . ساد هذا الطراز اوربا في القرون : الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر ، مستمدا أصوله من الفن الشبيه بالروماني ، وهو فن روماني محرف شاع في أوربا في القرنين الحادي عشر والثاني عشر

اقترن هذا الطراز القوطي في الأذهان بالفكرة الدينية المسيحية وأصبح رمزا عليها . وما يكاد زائر اوربا ينزل بلدا من بلدانها الهامة حتى يسترعي نظره بناء قوطي الطراز هو " الكاتدرائية " او الكنيسة الجامعة . قام هذا

الطراز على أساس ثقافي جديد غلبت فيه النزعات المحلية على الأصول الكلاسيكية اللاتينية ، وكأنما جمعت المسيحية رجال هذا الفن على أصول واحدة ، إن اختلفت بعض الشئ هنا عن هناك ، كان اختلافها في العرض لا في الجوهر ، وفي التفاصيل لأفي الأسس ، ويفسر هذا الاختلاف باختلاف البيئة الجغرافية والجولوجية وعوامل المناخ والحالة الاقتصادية وظروف السياسة . ولكن جوهر هذا الطراز القوطي بقي ظاهرا ومشتركا بين بلاد أوربا طيلة المدة التي سيطر فيها ؛ غير انه فقد في الأبنية المدنية والحربية بعض مميزاته ، فأقيمت القصور ودور البلديات Hotel de ville والمحاكم Paises de Justice والمستشفيات والدور والقبور والقلاع وأسوار المدن على الطراز القومي الذي اكتسب مسحة مدنية ميزته في هذه الأبنية عن الكنائس .

ويرجح أن تكون النسبة القوطية قد لحقت هذا الطراز بقصد التمييز بينه وبين فنون اللاتين الكلاسيكية ؛ واعتاد المهندس الإنجليزي العظيم سير كرستوفر رن  Christopher Wren في القرن السابع عشر أن يطلق هذه التسمية على هذا الطراز بقصد التهكم والسخرية منه .

- ١٧٢٤ -

ويمتاز هذا الطراز بأبراجه العالية ذات القمم المخروطية أو الهرمية ، والأطراف الحادة ، والعقود المدبية ، وكثرة التفاصيل المعمارية والزخرفية ، واستعمال الدعائم السائدة من الخارج ، وبأحجاره الصغيرة الحجم القليلة السمك ، وبلاطه المتين على رقته بحيث لا تكاد تتميزه العين .

استخدم هذا الفن الحجر إلي أقصي درجة ممكنة ،

وبلغ البناءون في نحته وتكييفه حدا يشهد لهم بالتفوق ، فنراه منحوتا بأحجام صغيرة لبناء الحوائط والدعائم ، وتجده في السقوف يستخدم مكان الخشب في التغطية وذهب المزخرف في استخدامه في أغراضه الخاصة إلى حد بعيد ، فصنع منه حليات دقيقة زين بها النوافذ والأركان والسطوح عامة ، وهي في مجموعها زخارف دائرية أو مثلثة أو على شكل أوراق الأشجار أو الأزهار أو الصلبان أو أسنان المنشار ونحت النحات تماثيله وركبها فوق أركان الواجهات كما كان النحات الكلاسيكي يحلى أركان المعابد بالتماثيل ، وتسترعي النظر تلك الدعامات السائدة التي تقوي الحوائط الخارجية ، وكذلك الدعامات الطائرة ( Flying Buttresses ) وهي دعامات تقوم على مسافات من حوائط البناء الخارجية ، تتصل بالبناء من اعلاء علي شكل جسر ، ولا تكون هذه الدعامات إلا في حالة ارتفاع الحوائط ارتفاعا شاهقا يخشى منه على بقائها قائمة مع الزمن ؛ وأكثر ما تظهر تلك الدعائم الطائرة في الأبنية الدينية ومما يجتذب نظر المشاهد في هذه الأبنية الزخارف الحجرية التي تحلى فتحات الأبواب والنوافذ على أشكال هندسية

__ ١٧٢٥

مختلفة تنقسم بها النافذة انقساما شكليا إلي عدة نوافذ ، وهي زخارف محرمة تشبه " الدالتلا " شاع استعمالها في أوربا في القرن الخامس عشر بوجه خاص . وأول معنى بدب إلى النفس عند رؤية الكتدرائية القوطية بأبراجها العالية ذات النهايات المدبية ذاهية في الفضاء ذلك المذهب الفريد في تقابل أو انفراد ، وهو معنى الطموح والتسامي الذي قصد إليه معماريو هذا الفن ، ويظهر على هذا الطراز جد يبعثه في النفس ذلك التعقيد المعماري والزخرفي الذي يمتاز به .

ويحس الداخل إلي هذه الكنائس سكونا رهيبا هو نتيجة لسيادة الحجر في تلك المبابي مما ساعد على حجز الأصوات الخارجية ؛ وفي هذا السكون تدوي الأصوات دويا وتتردد الحركة الصوتية . أما الدعائم الداخلية التي تحمل العقود المدببة ، فهي اشبه ما تكون بمجموعة من السواري الخشبية ضم بعضها إلي بعض وتفرعت من أعلاها فروع كفروع الشجرة محمل السقف المعقود ، وكلها من الحجر المنحوت في دقة عجيبة .

وسقف الكتدرائية القوطية من النوع المعروف بالعقود المتقاطعة أو التي تتقابل في زوايا قوائم ، تبرز نقطة التقاطع فيها وتتدلي منها حلية ما ، وذلك كله من الحجر الذي أكثر المعمار القوطي من استخدامه .

ومما تجدر ملاحظته ان العمارة القوطية اختلفت في أوربا من بلد إلي آخر بعض الاختلاف كما اختلفت في البلد الواحد من وقت إلي آخر ، ولكن جوهر الطراز بقي قائما رغم هذه الاختلافات المحلية والزمنية .

ومن اشهر المباني القوطية الطراز كاتدرائية " إيلي "  وكاتدرائية " يبترزيره " و كاتدرائية " نورتش " و" كنتر بري " و " وستمنستر أبي " وكثير غيرها في انجلترا .

ومن أشهر أمثلتها في فرنسا كنيسة " نوتردام دباري " وهي من أروع أمثلة البناء القوطي وكاتدرائية " ريمس " وقلعة بييرفوند " Pierrefonds ومحكمة " دروان " وبلديتها

ومن أشهرها في بلجيكا كتدرائية " أنتورب " وبلدية " غنت " .

_ ١٧٢٦ _

وفى ألمانيا كاتدرائية˒((راتسبون)) وسان ستيفن فى فينا . وفى إيطاليا كاتدرائية ((ميلان)) التى تكثر فيها النهايات الرفيعة المسددة فى الفضاء كالرماح ، وتبلغ المائة عدا ، وقصر ˒˒((الدوج)) Doge فى البندقية المشرف على مياه اللاجون ، وكاتدرائية ((بالرمو))˓وقصر الدوق بها .

ومن أشهر الأبقية التى صممت على الطراز القوطى فى القصور الحديثة ، البرلمان الإنجليزى ، صممه سير ((تشارلس بارى))˓ Barry على الطراز القوطى ، فجاء غاية فى الروعة والفخامة وشاهدا على ما لهذا الطراز من جمال خاص .

اشترك في نشرتنا البريدية