الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 184 الرجوع إلى "الثقافة"

طفولة عبقرى

Share

ذهبت مرة إلى صانع أطر اعتدت غشيان مصنعه لأفتش عن صورة مهجورة لشخصية شهيرة ، فاسترعي بصري إطار أسود وصورة سوداء ، قد رسمت بالفحم ، تطل من علم على مدخل المصنع . وكانت الصورة مظلمة عابسة ، قد زمت فيها الشفتان زمة ما منها انفراج ، والشعر فيها منتفش يحيط بالوجه في دائرة كجسم القنفذ ؟ والعينان عميقتان غير غائرتين تكاد تنفذ منهما بخيالك إلى لانهائية لا تحد ؛ والوجه في مجموعه لا هو منفر ولا هو جذاب ، لكنه أخاذ محير تقف أمامه ساعات تستمد منه مختلف الأحاسيس والتأثيرات .

فحملت الصورة بأطارها إلي بيتي أستضيف فيها العبقري العظيم لودقيح فان بيتهوفن . وكما كانت تطل من مصنع الأطري ) ١ ( على الداخل إليه ، باتت تطل

من صدر مكتبي على كل زائر ثم إذا ببعض قطع الاطار نزل عن مواضعها فتخلف بياضا ، وبعض سواد الصورة يزداد فحومة مع هذا البياض ، ثم إذا بي يخيل إلي أن كل ما في الصورة يزداد مع الآيام سوادا ، فقلت لنفسي : ما إلى ولصحبة هذا الفنان الذي يكاد يفرض على باب مكتبي " ممنوع الدخول " . ورددت الصورة إلى صاحبها آسفا أو غير آسف لا أدري .

هكذا كان يلوح بيتهوفن في حياته لأعين الكثيرين : رجلا متجهما نفورا يكره الناس ، فهل كان حقا ذالك الانسان ؟

ولد لودفيج فان بيتهوفن في السابع عشر من شهر ديسمبر من ستة سبعين وسبعمائة والف ميلادية . وكان مولده في مدينة بون Bonn من مدن الرين من أبوين أحدهما فنان موهوب مرح محبوب ، لكنه متلاف مسراف سكير ، أما الام فكانت ابنة طاء وارملة نابع ،

اسخط جد بيتهوفن أن يبني بها أبوه ؛ لكنها كانت عاقلة مدبرة ، جميلة الخلق والخلق . وكان جده لأبيه رجلا فنانا محترما طموحا ، اتجر بالنبيذ إلي جانب قنه ، فكانت زوجه تناقله إلى القبو وتلازم الدنان ، حتى غدت سكيرة على الأيام لم ينفع معها إلا الدير ، وقد شب ابنها يوحنا أبو لودفيج على غرارها ، فكانا معا سببا للكثير مما دعي الأسرة من شظف العيش وتجهم الحياة .

لم يكن أحد يعلم حين ولد الطفل لودفيج أن ملكا من السماء هبط على مهده بهدية القدر . فلما كانت سنو الطفل الأولى فطن الأب إلي عبقرية الصبي ، فراح يبشر بها ويعلنها للناس : يعلنها إلى أصدقائه وزملائه ليعينوه على تعليم صبيه ، ويعلنها إلي صاحب البيت الذي يسكن فيه ليمهله في دفع الكراء . . وقد كان موتسار - ولفجائج أماديوس موتسار - وهو يعد في حذاء الأطفال ، أعجوبة بين الصغار والكبار ، يستقبله الأمراء والعظماء أحر استقبال . لكن لودفيج فان بيتهوفن لم يكن موتسار ، وإن كان أبوه وأصدقاء أبيه قد جعلوا منه اعجوبة حين توفروا على تدريبيه ، أو بالحري ترويضه كما يروض الوحش ، وهو بعد في الرابعة من عمره ، يبدو مع قصر قامته وكأنه في الثانية ، فقد أغرتهم مخائل نجابته في الفن ، فأخضعوه لتدريب موسيقى شاق لا يتبع قاعدة أو نظاما . وكان أبوه كلما أحس بأن سيكون لابنه شأن اعتز به ، وأبدي اعتزازه على النحو الآتي :

كان لأبيه صديق على شاكلته هو المغني بفيفر Pieifferاشترك مع يوحنا في تنشئة الصبي على منوالهما الممثل المقلوب ؛ فكانا إذا آبا عند منتصف الليل من الحانة ايقظا ابن الرابعة من نومه وأجلساه أو أوقفاه إلى البيانو يعزف عليه كرها حتى الصباح الباكر ؛ وهو بعد لا يصل إلى البيانو إلا واقفا علي مقعد . وهكذا لم تقرب عروس

الفن صبيها لودفيج إلا خشنة المظهر ، قاسية اليد ، غليظة القلب ؛ فلما تبدل مظهرها بانت تدانيه في ساعات وحدته حتى يستسلم في العزف للتصورات ، فيحس مس يدها الرقيق المبارك . وحين كان يسترسل ويتلقي البركة من عروسه كان يتلقي شيئا آخر من ابيه : الصفع ! الصفع الذي يرعد اثناءه أبوه فيقول له : مالك ولهذا ، فما ينبغي لك بعد ، وما يزال حينه بعيدا ؛

وخرج الوالد بغلامه في الثامنة من عمره إلي كولونيا فروير دام يعرض نبوغه على الجمهور فلم يلق كبير نجاح . ذلك ان لودفيج كما اسلفنا لم يكن " مونسار " بل كان شيئا آخر من فذاذة اخري . كان شيئا لم يئن اينة بعد ، ولم يقطع لودفيج إليه طريقه الطويل .

وأسخط أبا لودفيج أن يخيب ابنه ظنه ويزلزل يقينه في عبقريته ، فأمعن في إرهاقه ، وامعن لودفيج في التبرم بما يلقي والانطواء على نفسه ؛ في عزفه وتهيبه وعزلته - تلك الصفات التى تكونت فيه مبكرة وكان لها في خلقه تأثير حاسم ،

وكان أحد الشيوخ يسمع لودفيج فاسترعي انتباهه ، فأوصي به راعيا من رعاة الكنيسة ، فتعلم فيها كيف يصاحب الصلاة على الارغن وكيف ينغم للترنيل ، وكان لوردفيج يحب الاستئثتار بالأفتتاح ، فيسترسل في العزف على سجيته ، وبسبح في سماء خياله ، فكان ان حرك بتصوراته أوثار الخشوع والتقوي ، واستتأثر بمشاعر المصلين . وقد ترك له الارغن يديره كيف شاء في صلاة الصباح لتنكشف عبقريته في بيت من بيوت الله ، حيث تخلص النفس ، ويرهف الحس ، وتهيم الروح في ملكوت الله .

وفطن الأرغني ريفه Reefeإلى عبقرية الغلام واتجاهاتها، فتولى إرشاده ووجه جهوده المبدعة الوجهة التي ترتضيها . وكان ريفه موسيقيا مفكرا المعيا دقيقا .

فاهتدي إلى أن نواة الفن إنما هي في التعبير عن حياة النفس . وكان هذا غريبا في موسيقي ذلك الزمان ، لكنه كان ينسجم وعبقرية الصبي بيتهوفن ، إذ به  ألقي تحت قدميه الارض التي قدر ان تكون ارضه ، ووجد الطريق التي قدر أن تقوده إلى دنياه الواسعة المجهولة

لم ينعم بيتهوفن في صباه كما ترى بطفولة سعيدة ، ولم يكن الصبا والشباب الزاهي مصدر فتوته ، ولم يعرف خلو البال الذي تنشح به الطفولة الضاحكة . فقد كانت يد أبيه القاسية اثقل عليه من العوز الذي كان جاثما فوق صدر أسرته . وكان يحز في نفسه أن يشجر الخلاف في بيته ، ويؤلم استقامته وصلاحه أن يرى انغماس والده وإدمانه واستهتاره . وكثيرا ما حدث بعد وفاة والدته ان كان أبوه يعود إلى البيت ثملا معربدا والشرطة في اثره او بسبيل القبض عليه فينتزعه من يدها .

كان لودفيج في الحادية عشرة يكسب قوته ويعول اسرته ، فعرف ناحية الجد في الحياة قبل الاوان ، فكان من ثم إظلام نفسه ، وكان ايضا من ثم نظرته الجدية البالغة الحد إلى الحياة ، واستمساكه بقواعد الأخلاق .

وكان لودفيج قليل العناية بمظهره ، قليل الكلام ، دفين النفس ، لكنه كان مع ذلك يقتبس من متع الطبيعة وجلال المنظر بعض ما يضيء ظلام نفسه ، ويبهج قلبه الحزين . ولم تكن الطبيعة ، رحيمة دائما ، فقد شهد في السابعة فيضان الرين على الزقاق الذي يسكن فيه ، وشهد احتراق قصر بون الذي اتت النار على جناح كامل من مبانيه ، فاهتزت في طفولته أو نار أسي كان لها صداها في أوتار موسيقاه

وكا للودفيج في العام يوم واحد على الاقل يطلق فيه النفس من قيد الكابة . كان هذا اليوم يوم عيد ميلاد

أمه ، فكانت تقام لها منصة يتوسطها عرش تجلس عليه ، وتصدح لها الموسيقى ويدور الرقص ، ويأكل وينعم من شاء من الأصدقاء والجيران . فكان هذا اليوم وكأنه العوض للودفيج من شقاء العام ، وكأنه العين التي ينبجس منها الحب المحبوس طيلة الحول .

وقد كان لودفيج بحب أمه حب إعزاز مكبوت ، فالآلامها أبدا قيد تصوره ، وهي أبدا ماثلة لعينيه . وقد عاش طفلا في دنياه هو لادنيا الاطفال ، فصلب حيث تكون الليونة ، ونفر حيث يقبل الطفل على امه لينا ناعما ، وكانت الوحدة امه التي يخفي راسه في حجرها ، لانه كان وكأنه يخجل أن يبادل أمه العاطفة

وننتقل من هذه الطفولة الزائعة المروعة إلى لودفيج في الثانية والثلاثين ، وبين هاتين المرحلتين تعليم وتعارف وسفر ومقابلات وتجل وتتلمذ على موتسار وهايدن من أعلام الفن في ذلك الزمان ومن خالديه في كل اوان . هذه الظروف التي توسطت لودفيج ولما يبلغ العاشرة ولودفيج يتجاوز حدود الثلاثين ، ليس في هذا المقام مقالها ، لكنها ألم بلودفيج في الثانية والثلاثين مايجيب عن السؤال الذي تساءلت في فاتحة المقال : اكان لورفيج فان بيتهوفن رجلا متجهما ، نفورا ، يكره الناس ، اكان حقا ذلك الانسان !

في مدينة هيلجنثتات Heligenstadt حيث الف بيتهوفن بعض خالداته الموسيقية ؛ في هذه المدينة التي تألم وجاهد وانتصر فيها على علل الجسم وآلام النفس لما ان وهب نفسه للفن ؛ في هذه المدينة التي كان يحلو له ان يجول فيها ، ويجلس محت شجر جوزها يلتمس الراحة ، وبغني ثم يبادر إلى الكتابة ، كتب بيتهوفن وصيته المشهورة المنسوبة إلى هذه المدينة فقال في بعض مواضعها يخاطب الناس :

" أيها الناس الذين تحسبون أو تعلنون إني اعاديكم

أو أنفر منكم أو أكرهكم ، ما أشد ما تظلمونني ؛ إنكم تجهلون السبب الخفي لهذا الذي يبدو لكم ؛ فقلبي وحسي يفيضان منذ طفولتي بحب الخير ذلك الاحساس الدقيق . فإذا علمتم أني نزوع دائما إلي أداء الجليل فلكم أن تتصوروا مبلغ ما أعاني منذ سنوات من حالة ليس منها شفاء ، قد ساءت برأي عديمي الرأي من الأطباء ، فهي من سنة لأخري يخيب في علاجها الرجاء . لقد أقمت بيني وبين الناس سدا لأعيش عيشة الإعتزال ، أنا الذي ولدت ولي مزاح حار من نار ، وبي تعلق بالمجتمع إذ فيه لي الترويح مع هذا الأوار .

" كثيرا ما حاولت أن أخرج عن هذه العزلة ، لكنه ما اقسي ما كان يصدني أن أخبر في سمعي الثقيل تلك الخيرة المضاعفة المحزنة ، فهل أقوي أن أقول للناس : ارفعوا أصوائكم ! اصرخوا في أذني ! إني أصم ! هل أقوي أن اصارح الناس بمواطن الضعف في حس من حواسي ينبغي عندي ان يكون اتم مما هو عند الناس ، وقد كان لي يوما أتم ما يكون .

" سامحوني إذا رأيتموني أتجنبكم فليس أحب إلي من الاجتماع بكم . إن شعوري بمصابي ليتضاعف إن كان هذا المصاب سببا لأساءتكم فهمي ، وإن كان لا يجوز لي ان انشد التنسرية في المجتمع البشري ، وفي الحديث الطلى ، وفي أن أساور كم وتساروني . .

" يالها من مذلة أن يسمع من إلى جانبي نابا يصدح من بعيد ولا أسمعه أنا ! مثل هذا يكاد يقنطني من رحمة الله ، فأكاد أتخلص من حياتي لكنه الفن ؛ الفن وحده هو الذي يستبقيني ، فأني لأري من المحال أن أودع هذه الدنيا قبل ان اتم ما انزع إليه . فصبرا ! يجب ان يكون الصبر عزمي الثابت إلي أن يروق العنكبوت الصارم أن يقطع الخيط . وقد يحسن بالصبر الآل ، وقد يسوء ، لكنه قراري وتصميمي .

" إنك يا إلهي تطلع على فؤادي ؛ إنك تعلمه ، إنك تعرف انه يكن الحب للناس ويميل إلي الخير . فيا أيها الناس : إذا اتفق أن قرأتم هذا يوما فاعلموا أنكم كنتم تظلمونني . . إني لارحب بالموت وأبادر إليه مسرورا ؟ فإذا جاء قبل أن أتمكن من نشر كل مطوي من مقدوري الفني ، فلتعلموا أنه جاء قبل الأوان ، ولوددت عندئذ أن استأخره - على أني سوف أكون راضيا . أليس يخلصني من ألم لا آخر له ؟ فأت متى شئت فأني سأخف إلي لقائك ؟ . .

وبلغ بالفنان اليأس حتى لتنقطع نفسه فيما يلي حسرات : " إذا وداعا ! ويعلم الله إنه لعزيز ! وداعا ايها الأمل الحبيب الذي اصطحبتك رجاء الشفاء ، فقدر إلى ان اقطك . لقد جف عودك وضمر ، كما تذبل أوراق الخريف وتسقط . والشجاعة التي عمرت النفس في آونة (1) الصيف الجميلة اين هي ؟ لقد زابلت واختفت ؛ أبيها العناية الربانية دعي نهار السرور الصافي يطلع علي مرة ، فقد طال ما جهلت صدي السزور الحق في نفسي . متى استشعره في معبد الطبيعة ومجمع الناس . متى ؟ ابدأ ؟ إذا لتكونن القسوة التي لا احتمل ؛ " .

لكنه احتمل القسوة فانبعث الظفر من بين الأحزان وأدى الرسالة من أغوار الألم .

اشترك في نشرتنا البريدية