الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 295الرجوع إلى "الثقافة"

طلعت حرب، بمناسبة ذكراه الثالثة

Share

كنا قبل ربع قرن عيالا على الأجانب في جل شئوننا الاقتصادية ، فكانت الأعمال المالية وأشغال المصارف سرا مجهولا لا نعلم عنه إلا القليل ، ولا نتطلع إلى ممارسته ، بل نراه  من المزايا التي اختص بها هؤلاء الأجانب واتباعهم من النزلاء المتمصرين .

وكانت التجارة الكبرى بيد الأجانب ، فهم المصدرون والمستوردون ، وهم المتحكمون في اسواقنا المحلية ، وهم المتحكمون في محصولاتنا الزراعية ، وهم المتتبعون لحركة الأسواق الخارجية ، المنتفعون بكل فرصة اقتصادية تتيحها تقلبات الظروف العالمية ، وكان نصيبنا من التجارة نصيب التابع الذي يمارس من الإعمال ما يترفع عنه السيد الأجنبي ، وحظنا من الربح معلق بإرادتهم ، وما يسمحون لما به من فتات موائدهم

ولم تكن لنا صناعة ، وقيل لنا إنها لا تصلح لنا ولا نصلح لها ، وإننا لم نخلق إلا للزراعة ، وإننا سنبوء بالفشل إذا حاولنا ان نخرج عما خلقنا له . والمصانع الكبيرة التى كانت تقوم بتهيئة بعض المحصولات الزراعية للتصدير ، كمحالج القطن ، كانت مصانع اجنبية ، حظنا منها أن نشتغل عمالا بأجور زهيدة .

فقام طلعت حرب بحركة انقلابية واسعة غيرت الوضع وابطلت السحر . وأباحت لنا الفا كهة المحظورة التى كان يختص بها الأجانب .

فأسس " بنك مصر " ، وبث فروعه في الأقاليم مارس الأشغال المالية والأعمال المصرفية ، واخذ البنك ينشر الثقافة المالية ، ويقرب المعاملات المصرفية من اذهان

الشعب ، حبي صارت معلومات عامة يفهمها الجميع ، ويدرك أسرارها سواد الأمة

وربي جيلا من الشباب يقومون بتلك الأعمال ويسيرون فيها على احدث الطرق ، فدل بذلك على ان المصريين مستعدون للقيام بكل ما يقوم به الأجانب ، قادرون على اقتباس انظمتهم ، واستخدام اساليبهم وطرقهم

وجعل اللغة العربية أداة التفاهم والتعامل ، فأبطل حجة القائلين بعجزها من ان تكون وسيلة المعاملات الحديثة ؛ وبرهن على أنها أداة طيعة تقوم - إذا احسن استخدامها - بما تقوم به اللغات الأوربية ، ووفر على الشعب عناء تلقى المكاتبات والإنذارات وإبرام العقود بلغات لا يفهمها .

وأفهم الشعب قيمة الانتفاع بشركات المساهمة ، وتوظيف أمواله في شراء الاسهم والحصص ، بعد ان كان لا يعرف طريقة لتوظيف ماله غير شراء الاطيان والعقارات ، وشراء المصوغات والمجوهرات .

وبعد أن وطد أركان البنك أخذ يستعين به على إنشاء الشركات ، واتجه في ذلك اتجاها قوميا بعيد النظر ؛ فرسم خطة منظمة لتوفير الشركات الضرورية لسد حاجات البلاد وتحقيق استقلالها الاقتصادي .

فاتجه للقطن ، وهو المحصول الرئيسي للبلاد ، فأسس شركة لحلج القطن اخذت تؤسس المصانع ، أو تشتري المصانع من الأجانب ، حتى صارت قوة تنافس المصانع الأجنبية وتفوقها في الإنتاج .

ثم أسس شركة لتجارة القطن تشتريه من المنتج ، أو تخزنه لحساب التجار المصريين ، وتتولي تصديره للخارج . ثم اتبع ذلك خطوة قوية جديدة ، وهي إنشاء شركة لغزل القطن ونسيجه تستهلك جزءا كبيرا من المحصول ، وتنتج ما يسد جزءا كبيرا من حاجة الاستهلاك

المحلى ، فكانت آية كبرى ابطلت حجج المرجفين الذين كانوا يزعمون أن تحقيقها غاية لا تنال .

وهكذا انتزع من الأجانب مزية السبق في كل ما يتصل بالقطن ، تجارة وصناعة ، وكسب للبلاد في ذلك مكسبا عظيما فوق كل ما كان يدور بخلد

واخذ ينفذ خطته الواسعة في إنعاش الاقتصاد القومي بإنشاء الشركات المختلفة ، كشركات النقل النيلي ، وشركات الملاحة والطيران ، وغيرها من الشركات

ولو مد في عمره لحقق كثيرا من الشركات الضرورية ، التي تنتج ما يسد حاجة البلاد في مختلف الشئون

وكان نجاحه في بنك مصر وشركاته حافزا لغيره من الأفراد والجماعات لغزو الميدان الاقتصادي في التجارة والصناعة . فأي رجل ادي لمصر من الخدمة ما أداه هذا الرجل في ظروف مثبطة ، وأمام حملات معادية مكشوفة ومتصنعة ، وثبت لها حتى ظفر بغايته ، وقام بذلك كله وهو كهل ضارب في الشيخوخة ؟ ! رحمه الله ! لقد كان رجلا عظيما لا يجود الزمان كثيرا بمثله.

اشترك في نشرتنا البريدية