ألف الناس أن يحيطوا العظماء بهالة من الخيال ، ترتفع بهم إلى آفاق يراها الكثيرون بعيدة المنال ، وأن يسبغوا عليهم من المزايا الخارقة المعتاد ما لا يتاح إلا للقلائل من الموهوبين ، ويصوروهم فلتات من فلتات الطبيعة ، لا يجود بها الزمان إلا على فترات من السنين . ولكن طلعت حرب - كما أعرفه - رجل عادى ، لا يختلف اختلافا ظاهرا عن أوساط المصريين فى اكثر نواحيه ؛ وهو مع هذا رجل عظيم لا يختلف فى عظمته اثنان . وسيسجل التاريخ اسمه فى عداد العظماء من بناة الأمم وقادة النهضات ، بل هو لهذا عظيم من طراز فريد لأنه يسر سبيل العظمة للراغبين ، وهناك حجب الوهم التى تحيط بها والتى نذود الكثيرين عن طلابها .
كيف إذا كتب لهذا الرجل العظيم أن يدرك بهذه الصفات العادية هذا النجاح المنقطع النظير ، وأن يشق بها طريقا كان موصدا فى أوجه المصريين ، وأن يقود أمته إلى أبواب من النشاط لم يسبقه إليها سابق ، وأن يسير بها من نجاح إلى نجاح فى دائرة الأعمال الاقتصادية ، حتى صدق فيه قول البحترى :
ما زال يسبق حتى قال حاسده
له طريق إلى العلياء مختصر
أى سر وقع عليه هذا العامل المجدود ذلل له الصعاب وفتح له الأبواب ؟
جهدت طويلا فى تعرف هذا السر ، وحاولت خلال السنين الطوال التى سعدت فيها بالعمل معه أن أدرك حقيقته ، فلم أجده بعد طول البحث إلا فى توازن .
قوى هذا الرجل ومقدرته على تنسيق جهودها ، والتوفيق بين وجهاتها ، والحد من طغيان بعضها على بعض ، وانتهاز أفضل الفرص لاستخدامها .
أما توازن قواه فلن تجد رجلا جمع بين الصفات المتباعدة والنزعات المتبابنة ، وألف بينها فى تناسق عجيب مثله .
هو خيالى عملى ، محافظ مجدد ، شديد لين ، جاد مرح ، روحى مادى ؛ ولكنك لن تجد فيه تنافرا بين تلك النزعات ، ولن يعوزك أن تجد فى حالة من الحالات الطمأنينة والاستقرار الدالين على انسجام طبيعته وانساق القوى المتعددة فيها .
هو خيالى عملى . وهل كان الرجل حين فكر فى إنشاء بنك مصر إلا رجلا خياليا حالما ؟ ومن كان يظن أن تلك الفكرة التى كانت تجيش فى صدور المفكرين المصريين من قبل ممكنة التحقيق ، وقد كانت كل العوامل تقعد بالمفكرين عن السير لإخراجها إلى الوجود ؟ ولكن هذا الرجل ظل متعلقا بهذا الحلم ، جاريا وراء هذا الخيال ، حتى استطاع تحقيقه ؛ وهنا ظهرت كفايته العملية فيما
اصطنعه من أناة فى تنفيذه ، وما اتخذه من حيطة لتدعيمه وتوسيعه ، وما وضعه من نظم دقيقة لتسييره .
وهو محافظ مجدد . فأما نزعته المحافظة فتتجلى فى احتفاظه بمقومات بلاده فى كل مظاهرها ، والتزامه الصبغة الشرقية فى المظاهر الفنية لمؤسساته ، وحرصه على المحافظة على كل ما امتازت به المدنية العربية ؛ ولكنه مجدد كل التجديد ، لا يتحرج من اقتباس أحدث النظم فيما امتازت به المدنية الغربية ؛ وهو ماهر فى إحداث التزاوج بين المدنيتين ، تزاوجا نافعا يبدى أفضل ما فى كل منهما ؛ فلن تجد على مائدته إلا الألوان الشرقية ، ولكن خدمة المائدة وأدواتها وتنظيمها غربى . وتدخل مبانى بنك مصر وشركاته ، فتجد الفن الاسلامى يماشى وسائل العمل الأوربية جنبا لجنب !
وهو رحيم القلب سمح هين لين ، ولكنه مع هذا شديد صارم عند الحاجة ، وهو لا يغلبه ضعفه حين تدعو الحال إلى الشدة ، ولا يندفع مع الشدة حين يقتضى الأمر ملاينة .
وهو رجل مرح ، سريع النكتة ، لاذع النقد . ولكن هذه النزعة قد امتزجت بجد العمل ، فصارت بشرا وتفاؤلا يعينه على ملاقاة شدائد العمل واجتياز أزماته . وما أعجب ما كنت ترى فى هذا الرجل من امتزاج البشر بالعبوس ، والجد القائم بالبشر الباسم !
وهو رجل تسهويه الناحية الروحية ، وتطربه الموسيقى ، ويهزه الأدب ، وتفعل فيه المؤثرات الوجدانية ؛ ولكنه لا يستسلم لتلك النزعات تمام الاستسلام ، ولا يدعها تنسيه شئون الحياة العملية ومقتضياتها ؛ ويرى أن القوة المادية دعامة قوية للحياة الروحية ، فيعمل لهما معا ، ويؤلف بينهما فى تحالف عجيب !
وهو نهاز للفرص ، سريع إلى الانتفاع بما تواتيه ، يقظ فى تتبع الظروف . ولو لم يرزق تلك الهبة ، ويؤت هذه الخاصة ما تسنى له تحقيق أكثر مشروعاته .
ثم هو بعد هذا كله رجل عاش لغيره ، وشغل بالعمل للناس ؛ ولم يكن فى حياته ساعيا لجاه شخصى ، بل كان همه تحقيق برنامج نهضة اقتصادية شاملة ، يعم البلاد نفعها ؛ وهذا الانكار للذات والارتفاع بالنفس عن مشاغلها الخاصة من الشرائط الأساسية للعظمة ؛ فليس بعظيم لدى الناس من عاش لنفسه وعمل لحسابه الخاص .
ولقد سمت به تلك النزعة العامة عن السفاسف ، فكان أزهد الناس فى المظاهر الكاذبة ، وأحرصهم على العمل الهادئ الصامت ، وأبغضهم للثرثارين المتفيهفين .
ولقد كان - رحمه الله - جلدا صبورا ، لا يكل من العمل ولا يسأم تكاليفه ، نشطا يبعث فيمن حوله النشاط والهمة . ثم أدركه المرض فجأة ، فأبعده - على كود منه - عن ميدان نشاطه ، ثم تركه بعد أن هد من قواه ، وأعده لراحته الأخيرة .
ثم انتقل من عداد الفانين إلى زمرة الأحياء الخالدين . رحمه الله .

