ان القرن العشرين كان للادب العربى مفتتح عص ميمون لانه من بداية هذا القرن نهض الادب العربي من سباته وانبعث انبعاثا جديدا . وإن ذلك الانبعاث الذى يسميه مؤرخو الادب العربى " النهضة " آثار فى نفوس الكتاب الذين كانوا يحيونه رغبة فى اشعار مواطنيهم بالروح التجديدية التى كانوا قد أحسوا بعد بفوائدها وأدركوا مداها
أليس هناك العلة الاولى لميل الكتاب المسلمين فجأة الى فن الترجمة الذاتية الذى حظى بشهرة لا سابق لها فى الادب العربى قبل سنة ١٩٢٢ ؟ ولكن ما هو الذى سيكون لجميع تلك الاعترافات فى نفوس القراء وما هو الاثر الذى ستكونه تلك النزعة الادبية الجديدة ؟ أليس لبطل الترجمة الذاتية أن يشعرنا بذلك عندما يفضى إلينا بنواياه وبمقاصده الخفية ، وأنى له أن يشرح لنا ذلك أحسن منه فى الترجمة الذاتية التى يعرفنا أثناءها حوادث حياته وأفكاره الباطنة ؟ فلنصغ إذن إلى ما يعترف لنا به أحدهم ولعلنا سنتوصل إلى كشف هذا الغيب
سنقصد في دراستنا هذه إلى الاهتمام بذلك الذي يمثل هذا النوع الادبي في الشرق العربى احسن تمثيل ، والذى شاع اسمه وارتفع صيته فى معظم البلدان بفضل تراجم كتابه " الايام " العديدة ، ألا وهو طه حسين . وإذا كانت انظار القراء تلفت غالبا إلى هذا الكتاب والى ترجمة حياته فنحن نود الآن أن ندقق النظر فى بعض وجوه كتابه التى لم تخرج بعد إلى النور ، وسنحاول ان نبين مقاصد المؤلف التى نتوصل اليها خلال صفحات هذا الكتاب وشخصته التى تتشكل لنا فيه ، والمعلومات العديدة التى نعثر عليها أثناء قراءتنا . وسيؤدينا كل ذلك إلى ألا نعد كتاب " الايام " كمجرد سرد لحوادث حياة رجل وان كان وصف هذه الحوادث ممتعا جدا لا من
حيث مادته فحسب ، بل من حيث اسلوبه ايضا ، الى حد انه يستعذبه القارىء الذي لا يبتغى أكثر من الالتذاذ بمطالعة قصة معجبة
ولكن هناك مسألة تعن لنا باديء بدء : لماذا شرع طه حسين في تأليف كتاب " الايام " فى سن مبكرة بهذا المقدار ؟ الم يكن اولى له ان ينتظر آخر طور من أطوار حياته ؟ بل أليس من شأن الترجمة الذاتية أن تكلل الانتاج الادبى وتختم حياة الكاتب ؟ فطه حسين فى الوقت الذى اظهر فيه الجزء الاول من كتاب " الايام " سنة ١٩٢٧ كان لا يزال بعد فى مطلع حياته كأديب نعم انه كان قد نشر اطروحتيه الاولى حول أبى العلاء المعرى والاخرى حول ابن خلدون . وكان أيضا قد نشر سنة ١٩٢٤ حديث الاربعاء وترجم عدة روايات من المسرح الفرنسى . غير أن جميع هذه المنتوجات الادبية لم تلفت أنظار الادباء المسلمين ولم تثر الاضطراب فى خواطر أنصار المدرسة القديمة مثلما فعلت آراؤه التى بسطها سنة ١٩٢٦ فى كتابه فى " الادب الجاهلى " والتي قلبت رأسا على عقب الاعتقادات والتقاليد التى كانت محترمة الى يومئذ . ولذلك اثيرت على طه حسين خصومات عنيفة حتى اتهم بمعاكسة الدين وحتى الالحاد . ولقد بلغ انتقاد الناس إياه من الشدة إلى حد أنه اضطر إلى اصلاح كتابه الاول
ففى ذلك الجو من الشحناء الف طه حسين الجزء الاول من " الايام " وان نظرة واحدة تلقي على تلك الحياة البائسة التى عاشها ذلك الطفل المحبوس فى عماه وعلى تلك الطفولة المقضية فى بيئة محجوزة مكتنفة بالعادات والتقاليد ، وعلى ما كان عليه تعلمه فى الكتاب وكيف شعر الفتى بقيمته وبروح المعاكسة فيه ، وبميله الى التمرد ، تكفينا لادراك مقاصد المؤلف . ألم يسهب طه حسين عمدا فى وصف عودته الى القرية بعد غياب سنة فى الازهر ، وكيف تحدى العوائد القديمة وانتقد الفقهاء حتى أثار بغض الجميع ، ثم أثار بعد ذلك اعجاب الجميع ؟
أليس العجب المشروع الذى حفزه لان يدعو ابنته لتتساءل كيف استطاع أبوها أن يثير في نفوس خلق كثير حسدا عظيما وبغضا شديدا وأن يثير أيضا فى نفوس آخرين غير ذلك من الاحاسيس كالرضاء والتقدير والعطف ؟ وإذن فليس من الشطط ان تقول إن اوضح مقصد لطه حسين فى كتابه " الايام " هو ان يضع تأليفا يبرز قيمته الادبية ويبين لخصومه أن الرجل الذي يقاومونه هو في الواقع
واحد منهم ، نتيج بيئتهم ، قد لقن نفس المبادىء الدينية التى لقنوها هم أيضا ، غير انه ، بالرغم من عاهته ، تمكن من الارتقاء إلى منزلة بعيدة عن الخمول الذى كان يركد فيه المسلمون منذ قرون طويلة ، دون أن يحاولوا التخلص منه .
ولكن اهتمام طه حسين لا يقف عند رغبته في إثارة الاعجاب فى نفوس معاصرية ، بل هو يريد ان يبدوا استاذا وشيخا ، وهو يرمى الى ارشاد مجتمعه والى اصلاحه وترقيته . وهذه المقاصد قد يحسها القارىء حتى فى الجزء الاول من الكتاب المذكور ، خلال ذلك المشهد الذى يصور فيه الكاتب الحياة فى الارياف ، حياة خاملة محدودة المجال ويدركها ايضا خلال محاولاته لكشف عيوب الرجال الذين كانوا يحيطون به ، وكانوا بين يديه بمثابة مادة خصبة تدعو الى التفكير . وما اكثر ما تبدو هذه المقاصد بدقة فى الجزء الثاني من الكتاب وما اجلى الدور الذى لعبه طه حسين كمجدد !
نعم كان يمكن الكاتب سنة ١٩٣٩ ، حينما سطر الطور الثاني من حياته ان يحمل حملة انتقادية ضد اهالي القاهرة فى وقته وخاصة ضد البيئة التى كانت تعنيه اكثر من سواها وهى بيئة طلاب العلم ، لانهم لم يكونوا فى حالة يغبطون عليها حقا ، فلنتبع طه حسين فى القاهرة ، حيث قضى المرحلة الثانية من حياته .
لقد عاش طه حسين فى المرحلة الثانية من حياته الدراسة فى بيئة جديدة واختلط باناس عديدين . ونراه يخصص احد عشر بابا من الجزء الثاني من " الايام " ليصور الربع الذي كان يسكنه ، فرسمه بصور دقيقة جدا ، بحيث يخيل إلينا ان جميع المذكرات التي تعود الى ذهنه تتعلق ببيئة قد غادرها الكاتب من قريب ، غير ان نضارة تلك الصور إنما تعود الى عبقرية الكاتب الذى يخلق من مذكرات تكاد تضمحل صورا ملونة حية كأنها لم تنسلخ بعد من الوقت الذى يتحدث فيه . فها هو ذاك الربع ، يؤدي فيه سلم قذر الى الطبقة الاولى التى يسكنها أخلاط من العمال والباعة ، ثم الى الطبقة الثانية التى يستقر فيها معلم من الاسكندرية وفارسان وعدد عديد من المدرسين والطلاب ، قد أتوا من الارياف وجعلوا من هذه الطبقة هيكل العلم ومقر العمل والنشاط المستمر ، تصعد منها الاصوات والضحك والجدال
فكان يعيش الصبى في هذا الوسط ، وبين اولئك الجيران ، متأثرا بهذا ، مصغيا الى ذلك ، موجها اهتمامه الى جميعهم ؛ الى الحاج فيروز الذى كان يبيع لاهل
الحي اكثر ما كانت تقوم عليه حياتهم من الغذاء ويسعى اليه الطلاب في كثير من شؤونهم ، والى الحاج على الذى كان محتفظا " بقوة عقله ونشاط جسده " رغم تقدمه في السن وكان يدبر طعام الطلاب ولهوهم البرئ يوم الجمعة ، والى هذا الرجل الذي قد أنفق في الازهر اكثر من عشرين سنة حتى اتيح له النجاح واصبح من العلماء ، فلم يمنعه ذلك من الانغماس فى اللذات والتحدث عنها . ويستمع الصبي الى حديثه " فما يفوته منه لفظ " ومع ذلك يشارك صاحبنا الطلاب في جدهم ونشاطهم ويصغى اليهم وهم يتغدون ويشربون الشاى ويتحاورون عن هذا العالم فيذمونه او يفتخرون بدرسه . فصار هو بدوره يعيب هذا الشيخ ويمدح الشيخ المرصفى الذى فتح له باب الادب وحببه اليه .
تلك هى البيئات العديدة التى فيها نشأ صاحبنا ، غير انه وان اثرت عليه هذه البيئات فى تكوين شخصيته ، فيجب الا نضع جنبا ميوله الخاصة وخصاله النفسية التى جعلته يتأمل كل ما يحيط به ويفكر فى جميع ما يسمعه ولا يقبل شيئا دون انتقاد . ان كتاب " الايام " تأليف رجل مكفوف البصر ، ولا سبيل الى ان تنسى عاهة الكاتب : فهو يروى لنا حوادث صباه ، وكيف كان يجهد فى الا تظهر على وجهه تلك الظلمة التى تغشى عادة وجوه المكفوفين ولكنه يتألم ويشقى كلما يمس العالم الخارج ، فيصور لنا هذا العالم الذى لا يراه بل يكتشفه كلما يجرح منه . فانه نشأ في دائرة عائلية لا يفهم افرادها آلمه ولا يستطيعون ان يدرأوا عنه الحوادث المؤلمة ، وذلك رغم رحمة أمه ورفق المه واحتياط اخوته فى تحدثهم اليه ومعاملتهم له . فلا يقدر الفتى ان يشارك اخوته في اللعب ، ولا اترابه في لهوهم وستجعله وحدته هذه ينطوى على نفسه ويعيش غريبا عن الناس والاشياء ، ضيقا بهذه الحدود التى تنطبق عليه ، وتفرقه عمن يحيطون به . فيشعر بانه دون هؤلاء الذين يلهون ويمرحون ويغدون ويروحون بلا تعب ولا عناء ، ويزيده ذلك الشعور اضطرابا وخجلا ، فيكتم المه ويكظم خوفه الشديد وحيدا ! فكم كتم من ألم وكم تحمل من مشقة من اجل عزلته ووحشته ! ولكن ، من ناحية اخرى . لقد انمى فيه شعوره بالنقص ، الناتج من خوفه وخجله ، مزايا نادرة اصبح بفضلها شابا شجاعا لا يخشى ان يهذب الناس وينتقد العلماء ويقاومهم اذ ان هذا الطفل الضرير احس منذ صغر ، بارادة قوية تحثه على ان يرتقى فوق اولائك
الذين يحيطون به . ورغبته في التعلم اعظم من ان تكظم ؛ فها هو يرمى بنفسه فى بحر العلم ليكون مثل اخيه الذى يثير اعجاب أسرته واحترام سكان بلدته له وحسد العلماء .
ولقد شعر هذا الطفل بقيمته الذاتية ونشأ فى نفسه فخر عظيم . ونراه يتعجب كيف لا يقدر الناس قيمته حق قدرها ولماذا لا يحتفلون برجوعه الى القرية بعد انفق عاما في الازهر ، وحصل قسطا لا يستهان به من العلم ؟ لكن صاحبنا هذا لم يلبث ان جعل جميع سكان ريفه يتحدثون عنه ويعجبون به .
وحقا كان هذا الطالب الصبى أهلا لتعجبهم . ألم يحرمه الله البصر ليعوضه منه بخصال أخرى هى حسن الاستماع وحدة الذاكرة والذكاء وسعة الخيال ؟
فلم يكن غافلا عن أي شئ كان يقال حوله . فكان يصغى صغيرا الى تعديد امه وغناء اخوته واوراد جده وقصص الشيوخ ولم يفته شىء من جدال طلاب الازهر وحديث اولائك الذين كانوا يزورونهم . كل هذا كان ينطبع فى ذهنه وتخزنه له ذاكرته العجيبة . ألم يكن يحفظ عن ظهر قلب قطعا من انشاد الشاعر ويعيد على شيوخ الازهر ما يلقون عليه من شرح او خبر ؟ ألم يتذكر أنين أخيه قبل وفاته ، وصياح أمه ، وصراخ الرجل الذى قد ذهب عقله ؟
ألم يتذكر صوت " سيدنا " المنكر ، وصوت الشيخ الموسوس ، واصوات الشيوخ في الازهر ، فاترة حلوة عند الفجر ، قوية عنيفة فى الظهر ، هادئة فى العصر ، نعم لطه حسين ذاكرة تسجل جميع ما يطرق أذنيه من غناء وصوت وضحك ، وكذلك جميع ما يؤثر فى قلبه . فلم ينس مثلا انه اتم حفظ القرآن يوم الاربعاء وانه امتحنه ابوه يوم الاربعاء ايضا ، او انه رجع من المدرسة حاملا الالفية يوم السبت ، وانه مات أخوه يوم الخميس ٢١ أغسطس سنة ١٩٠٢ وأنه تهيأ للذهاب الى الازهر يوم الخميس . زد على هذه المزايا : ذكاء عظيما ، وستفهم كيف صار ذلك الطفل الضرير الذى ولد فى أقصى الريف ونشأ فى عائلة فقيرة عالما بارعا يهذب الناس وينتقد الفقهاء ويجادل العلماء فيقهرهم فى نفس ميدانهم . فان طه حسين لم يكن يستحسن دروس شيوخ الازهر : فهذا لا يصدر الحديث إلا بعد عنعنة مملة لا تفيد اى معنى ، وذلك يستخرج من الاشياء الواضحة أسرارا غامضة ، والشيخ عبد الكريم يفهم حينا ، وتلتوى الامور عليه احيانا ، ويطبل فى الاعادة والتفسير .
وانما ألح الكاتب على تعليم الازهر الفاسد ليصلحه ويسعى فى نشأة تعليم جديد مجدد . ولكن ما أصعب ما كانت مهمة المصلح ! إن طه حسين قد أدرك ذلك وسرعان ما حدد برنامجه . فهو يحاول اولا أن يشعر بيئته تلك بنقائصها . فيعرض كل عيوب الناس ويحكم عليها حكما صارما . وينتقد على الاساتذة ماديتهم وشرههم وسقوط همتهم الذي يؤديهم الى الاغتياب والدسائس والملق ، وحدة طبعهم وغلو ادعائهم وغضبهم الذى لا مبرر له ، وعلمهم الفاسد الذى لا يجدى ، وأخيرا أخلاقهم السيئة وهو ينكر عليهم أسلوبهم التعليمي العقيم ، الذي لا يسمح بالمناقشة ، والذى يقتصر على فصاحة تطن فى الآذان دون أن تبلغ إلى اعماق الفكر ، وتحاول ان تبحث عن أسرارا غامضة فى النصوص الواضحة كل الوضوح ، وأن تأتى بالشروح المطولة حيث لا تجدى هذه الشروح . وهل كان يمكن التمرد على مثل ذلك التعليم وهو كان يلقى كما هو شأن الكتاب فى يومنا هذا فى قرى عديدة - بواسطة الزجر والضرب والنعال المسمرة ! إنما على الازهرى ان يحضر الدروس دون ان يناقش فيها ولا ان يحاول فهما ، وإلا فعليه ان يعفى نفسه منها لانه دائما مهدد بالعزل من الجامعة العتيقة . من اجل ذلك كان يرضى الازهرى لنفسه ان يستحوذ عليها الاستسلام والجمود التام ، دون ان يثور على ذلك التعليم التقليدى العقيم .
ذلك هو الوصف السلبي الذي رسمه طه حسن لمجتمعه . ولكن اليس تبدو لنا في كل حين فكرة من فكره ، الباطنة ؟ فلم يكن طه حسين - وهذا امر مفهوم هداما بحتا ، وان كان فى نيته ان يهدم بعض النظم القديمة النخرة ، فانه يبنى بعد ذلك وينشئ مستقبلا افضل . ونحن نراه يذكر رجالا كان لهم تأثير عميق في المجتمع المصرى ، امثال الشيخ محمد عبده ، الذى تظهر لنا شخصيته من الاطراءات التى يثنى بها الطلبة عليه . والذى كان يحاول جهده ان يدخل على الازهر تنظيمات ضرورية ذلك الامام الذى اثرت طريقته على الاستاذ الفتى الذي عزم على القاء درس شخصى على تلامذه ، غير أنه سرعان ما نسيه زملاؤه عندما اضطر من الى الاستقالة من الازهر
الم يحتل هؤلاء العلماء المصلحون مكانا عزيزا من قلوب تابعيهم من نخبة الطلبة الذين كانوا فى استعداد للثورة على عزل الشيخ المرصفي ذلك الرجل الفذ ، الذي كان يراعى حرية الانتقاد ويحترم حرية الفكر . وكان هذا الشيخ شديد
لمخالفة لغيره " من الاساتذة اذ كان ينتقد عليهم طريقتهم التعليمية الفاسدة . الم يعتبره طه حسين كهمزة وصل بين التعليم التقليدى ، وذلك التعليم الذى يلقى فى الجامعة الجديدة بالقاهرة ؟ تلك الجامعة التى وضع فيها طه حسين جميع آماله ، وحقا يجعلنا هذا الاستاذ الطيب النفس الكريم الخلق - يجعلنا نستحسن الطريقة التعليمية الجديدة التى يأتى المؤلف ببعض مزاياها بحيث يصبح القارىء يود مع الكاتب لو تقتصر جامعة الازهر على تدريس العلوم الدينية وتترك لغيرها من الكليات الاضطلاع بتدريس الفنون الاخرى بطريقة عصرية مجددة .
وهكذا يبدو لنا طه حسين في كتابه " الايام كمجدد . وان كتبه التى نشرها فيما بعد ، تثبت لنا هذا الاتجاه الجديد فى آرائه . وبعد ان بينا مقاصد طه حسين فى " الايام " لا نرى بدأ من القاء هذا السؤال ؛ هل هى مقاصد من شأنها ان تثير استغراب القارىء ؟ الم تكن هذه المقاصد انعكاسا مطابقا لشخصية الكاتب ؟ وايضا الم يظهر لنا طه حسين في قصته وجهى نفسيته : فمن ناحية نفسيته المفكرة التى تبحث وتنتقد وتهدم لتصلح ، ومن ناحية اخرى نفسيته العاطفية الحساسة التى ترغب وتوجس خيفة وتتمنى الامانى . اذن يمكننا ان نقول ان قصة " الايام " هي في الحقيقة رواية نفسية تصور حياة رجل يشقى ويتالم ويحسن رسم شعوره واحاسيسه كما تنعكس على روحه السريع التأثر والانفعال ، سالكا فى ذلك كله طريقة تجعله قريبا دائما من القارىء ، ليفهمه ما ينطوى عليه صدره وليقاسمه حزنه وسروره
ولقد حقق طه حسين ذلك بفضل فنه العجيب الذى لا بد من ان نقول فيه كلمة وحيزة قبل ان نتمم هذا البحث .
ان لم يستعمل المؤلف ضمير المتكلم ليتحدث عن نفسه ، فاننا نراه مع ذلك يتحدث الى القارىء فى غير مكان ليبدى له رأيه فى علم شيوخ الازهر مثلا او ليفسر له فن اعداد الشاى او ليجعله يشاركه فى عجبه من الريفيين الذين لا يفكرون فى احضار الطبيب عند نزول المرض بهم - وكثيرا ما نجده يعتبر القارىء كبطل من ابطال روايته فيطلب منه ان يتعجل ليذهب معه الى الازهر ، ثم يأسف لاستطراده في الكلام ويبدى رغبته في اتباعه رسم الكتاب فيقول : " ولكن ذكر هاتين الصفتين الآن تعجل للحوادث دعا اليه الاستطراد . فالخير ان نعود الى
الربع وما كان فيه " . وفعلا لقد كثر الاستطراد في كتاب طه حسين . فبين الصفحة التاسعة عشرة حيث يقول صاحب الطفل : " انتظر هنا فستستمع درسا في الحديث " والصفحة الواحدة والعشرين حيث يجلس الصبى الى جانب العمود ، حدثنا طه حسين فى خمسين سطرا عن الدرس والشيخ وموضوع الكتاب واهتمام اصحاب اخيه باصول الفقه وتأثير جملة قالها الشيخ فى قلبه وهي " الحق هدم الهدم " غير ان هذا الاستطراد ليس بممل ولا يبعدنا عن نفس الموضوع ، بل يشير الى تركيب ذاكرة طة حسين ومنهاج تأليفه البديع . الم تثر كل بقعة من طريقة الى الازهر في ذهنه ذكريات جديدة بديعة ، الم تنتج فى قلبه احاسيس قوية وشعورا خصبا ؟
اما هذا الشعور فيتعلق بجميع الحواس التى يتمتع بها الكاتب الضرير : اللمس ، الذي يجعله يلتذ بعذوبة الهواء ونعومة الرخام والبساط وبسخونة دخان الشيشه ، والشم الذى بفضله يحس الروائح الكريهة أو طيب النسيم ، والسمع الذي بلغ منه أقصى درجة ، إذ كان يمكنه أن يسمع حتى دبيب الحشرات . هذه الاحاسيس كلها تعنينا لانها عبارة عن انطباعات بصرية كثيرا ما نجدها فى كتاب " الايام " . الم يدرك ان ابن عمه قد قدم اذا ما سمع وطء قدميه ؟ الم يفهم طه حسين ان الشمس قد غابت وان الليل قد اقبل ؟ فاذا اضفنا إلى هذا الاحساس الحركة ودقة الشعور ، فهنا كيف استطاع طه حسين ان يكتب اجمل الصفحات في الوصف والقصص ، منها تلك التى تمثل لنا موت اخيه وفطور الشيخ الفتى مع اصحابه ، واعداد الشاي ، وحفلة العرس .
كتب طه حسين كل هذا فى اسلوب يتبع الفكر فى التوائه او انبساطه وبلغة سهلة واضحة تضيف الى المعنى طلاوة وموسيقى لذيذة تخرج من روح الكاتب وتنقل القارىء الى اعماق الشعر نفسها .
الحق ان في كتاب " الايام " مقصدا ادبيا لطه حسين ، لانه يريد ان يظهر فيه كشاعر وكاتب مهتم جدا باسلوبه . الم يكن من واجبه ان يترأس هذا التجديد الموضوعي وهذا السبك فى التعبير اللذين يدعو اليهما جميع معاصريه ؟ الم يكن هو باعث التجديد واستاذه الكبير ؟ من اجل ذلك . فانا لا نجد اصفي من عاطفته التى تنجلي في وصفه للمشاعر ولا امتع من لغة كتابته الرنانة البهيجية الاشراق .

