رجلان في مصر كلها جاءتهم الباشوية بعد أن كبرا عليها وضاقت عليهما: طلعت حرب وطه حسين!
رفع طلعت حرب قواعد الاقتصادي المصري على أربعة عشر أساً من بنك مصر وشركاته، فارتفعت مكانته في نفوس الناس حتى تهيبوه في اللقاء والخطاب، ورأوا لقب(البك) قد نزل عن قدره فاختالوا على تعظيمه بشتى الألقاب فقالوا: منقذ مصر العظيم، وزعيم الاستقلال الاقتصادي، وبطل النهضة القومية فلما أتته الباشوية آخر الأمر كانت أشبه بثوب الصبي الناشئ على جسم الرجل المكتمل.
ووثب طه حسين بالتعليم في مختلف درجاته وثبة وجد كل مصري أثرها، في نفسه إن كان معلماً أو تلميذاً، وفي أسرته أن كان أباً أو وليا، وفي بيئته أن كان جاراً أو صديقاً. ثم رحل إلى أوربا رحلة في سبيل الوطن والعلم كانت أجدى على مصر من أعمال أكثر الوزارات فى الداخل,ومن أقوال أكثر السفارات في الخارج! كان في تنقله المبارك الموفق من بلد إلى قطر، ومن معهد إلى جامعة، ومن عالم إلى وزير، ومن حديث إلى خطبة، ومن خطبة إلى محاضرة، دعاية لمصر من نوع فريد صحت ما افتراه على كفايتها العدو، وأصلحت ما جناه على كرامتها الصديق، وسمت بحكومتها القائمة من الأفق المنخفض للمفاوضة في الأرصدة الإسترلينية
والمطالب القومية، إلى الأفق المرتفع للمعاونة على توثيق العلائق الإنسانية، وتعميم الثقافة العالمية؛ فرأى الناس في الوزير الذي جعل وزارته مبدأ تاريخ، وفي الجامعي الذي خلق لنا من مهرجان الجامعة أوسع دعاية، وفي الأديب الذي هيأ للأدب أعظم نهضة، رجلاً لا يسامت قدره لقب(البك) ، فتوجوا أسمه الغني عن التتويج بالألقاب المختلفة فقالوا: عميد الأدب العربي، وأبو التعليم، وحامي المعلمين، وبطل الثورة الفكرية. فلما أتته الباشوية آخر الأمر كانت أشبه بطوق عمرو وحين شب عنه وربا عليه!
لم يكتسب طه حسين من لرتبة ما يكتسبه عادة فقير المجد أو غنى الحرب من ورم في المعنى وانتفاخ في الذات؛ وإنما أكتسب منها دلالتها السامية على تكريم ملكه وتقدير أمته. وتكريم صاحب الجلالة الفاروق لذوي الفضل شيمة من شيمه، وفيض من كرمه، فلا غرابة فيه ولا عجب منه. ولكن تقدير الأمة لرجل من رجالها على هذه الصورة الرائعة وبهذا الإجماع النادر أمر فيه الغرابة ومنه العجب.
لقد كان الأنعام السامي على صاحب المعالي طه حسين باشا لفته كريمة من صاحب الجلالة أعلن بها رضا عن وزير من وزارته نفذ أمره في خطاب العرش، وأمضى رأيه في سياسة الدولة؛ كما كان فرصة مواتية لهذا الشعب الكريم عبر فيها عن اعترافه بالجميل لرجل من رجاله عمل فأخلص العمل، ووعد فأبحر الوعد، وقاد فأحسن القيادة!
عرف الناس طه حسين كاتباً وقصاصاً وعالماً وباحثاً وإسناداً ومربياً ووزيراً، ولكنهم لم يعرفوه شاعراً، ومن هذا المقال سيعلمون أنه عالج الشعر في صباه ثم انصرف عنه في شبابه. فلو ظل يعالجه لظفر بالأولية فيه كما ظفر في كل شيء.
بدأ معالي الدكتور طه حسين باشا حياته الأدبية شاعراً لا كاتباً. فلهج بالشعر وهو صبي وكان الدافع على ذلك وفاة أخيه في وباء الكوليرا في صيف عام ١٩٠٢ وقد ذكر ذلك في الجزء الأول من كتاب الأيام فقال أنه كان ينفق وقتاً طويلاً في نظم القصائد يرثي بها أخاه ويختم كل قصيدة بالصلاة على النبي واهباً ثواب هذه الصلاة إلى أخيه. ولم يدون لنا هذا الشعر فلا نعرف عنه شيئاً.
ولما جاء القاهرة ظل ينظم القصائد من حين إلى حين. وقد حدث ذات مرة أن الشيخ المرصفي كلف تلاميذه بالكتابة في موضوع من الموضوعات شعراً ونثراً. قال الشيخ أحمد حسن الزيات أستاذ الآداب العربية بكلية الفرير بالقاهرة من خطبة ألقاها في حفل تكريم الدكتور طه نبيل الدكتوراه من الجامعة المصرية القديمة ونشرت بصحيفة الجريرة في ٢٦مايو سنة ١٩١٤ما نصه (. . . فأخذنا نعمل موقنين أن الفتى(يعني الدكتور طه حسين) أن يبزنا في نثر الكلام ونظمه، وأن بزنا في حفظه وفهمه. ولكن ما تقولون وقد فدا على الشيخ بقصيدة حماسية الموضوع جاهلية الأسلوب تمثل ما انطبع في خاطرة من صور الشعر القديم؟
(سمعنا تلك القصيدة فازدرينا أنفسنا وسترنا ما قلنا وشعرنا بالضعف أمام تلك القوة النادرة. فأحللناه منا محل الإنسان من العين والسواد من القلب ومضينا على أثره نخوض بحور الشعر
فتارة نطفو وأخرى نرسب وهو في السباحة ماهر وبالطريق خبير. . . الخ)
والظاهر أن هذه القصيدة التي يحدثنا عنها الأستاذ الجليل أحمد حسن الزيات قد ضاعت وذلك لأن الشاعر لم يكن متصلاً بالصحف في الوقت فلم تنشر.
وأول قصيدة نشرها كانت في رثاء حسن باشا عبد الرازق وقد ظهرت في صحيفة الجريدة بتاريخ أول يناير ١٩٠٨ ومطلعها.
أن الحق ما أسمعتنا أن توهما تبين فقد بدلت أدمعنا دما
والحب بين الشاعر وبين آل عبد الرازق قديم . وقد توثقت أواصر المودة والإخاء بينه وبينهم على ممر الأيام . ولما وقف منذ أعوام يرثى المغفور له مصطفى باشا عبد الرازق كان رئاؤه مؤثرا إلى حد بعيد
وفي عام ١٩٠٩ رأينا الشاعر قد مال إلى جانب الحزب الوطني وأخذ ينشر في صحيفة مصر الفتاة قصائد حماسية تارة تحت عنوان (حديث مع النيل) وتارة تحت عنوان (في القاهرة) وفي بعض هذه القصائد يظهر في مظهر رجل الدين الذي ملئ قلبه يقينا وإيماناً فتراه يعظ ويرشد، ويذكر ويحذر، ويبصر وينذر، ويدعو الناس إلى التمسك بأهداب الدين وأحكام الشريعة الغراء، انظر إليه حين يقول من قصيدة نشرت في صحيفة مصر الفتاة بتاريخ ٢٦أغسطس١٩٠٩.
أنفذوا حكمة على كل جان ... لا ينلكم من دون هذا فتور
أرجو واجلدوا كما أمر الل ... هـ يجانبكمو الخنا والفجور
إن من يهدر الفضيلة يهدر ... ليس كفأ لذنبه التعزير
طرب النيل ثم قال لعمر الل - هـ قد كان يزدهيني السرور
أمحب للدين من أهل مصر ... أنت والله للنجاة بشير
نسيت مصر دينها فعداها ... كل خير وجللتها الشرور
أهملت فيكم الفضيلة من أه ... مل فيكم كتابها المسطور
لن ترى بين أهل مصر وفيا ... يقتضيه الوفاء إلا البدور
عهدنا بالوفاء أيام كان الد ... ين غضا تلين منه الصدور
كان يكتب مقالات تدور حول هذه. المعاني. ومن أمثلة
ذلك ما نشره في صحيفة مصر الفتاة تحت عنوان (ويحي من غد بمناسبة حلول شهر رمضان. ومما جاء في هذا المقال قوله: (. . . فستطلع علينا شمس الغد لا محالة ونحن بين رجلين، مذعن لأمر ربه، وخارج عليه. فأما الذين أمنوا وعملوا الصالحات فقلوبهم خاشعة لربهم، وأفواههم ملجمة إلا عن ذكره، ناطقة إلا بلغو الحديث. وما الجاهلون لأمر ربهم فمغررون يتبعون أئمة من شياطين الإنس ينهجون بهم مناهج ألغى قد ضربوا في الفلسفة حتى خرجوا منها أصفار الأكف خفاف العيان. وإذا سألت أحدهم ما خطبك أحذر وأهجر، وتشدق وتفيهق، لا تأخذه رهبة من الله، ولا يردعه حياء من نفسه، ليس بدعا من أعمال الناس أن يزع الإنسان نفسه عن الطعام والشراب ساعات معدودات فكثيراً ما نضطر إلى شيء من ذلك؛ وإنما المشقة في أن نؤدي بة حقا لله أونقضي به له واجباً.
(ضعف في الإيمان وتزعزع في العقيدة. ولو ان هناك يقينا صادقاً أو قلوبا مطمئنة لهان علينا لإذعان لله والقيام بحقوقه وأنها لكبيرة إلا على الخاشعين. ليصم من شاء وليفطر من شاء فلسنا من أمرهم في شيء. ولكن أقبل أبها الشهر الكريم فستلقاك وجوه باشة وصدور رحبة، ولئن كنت موسم نسك لقوم فإنك موسم لهو لآخرين)
والشيء الذي لا ريب فيه أن الشاعر حينما نظم هذه القصائد وكتب هذه المقالات لم يكن متكلفا ولا متصنعا، وإنما كان يرسل القول شعراً أو نثراً - عقيدة ثابتة في قرارة نفسه، ممتزجة بدمه ولحمه لذلك انتفعت في دراستي لتطوره الفكري بما نظم ونثر في ذلك الوقت.
ومن قوله في هذه القصيدة:
حسبكم في الآداب ما قاله فل ... تير أو ما أتى به فيكتور
نعم ما قال ذا وما قال هذا ... ونعما قال العليم الخمير
فخذوا من كلبهما بنصيب ... وتوخوا هداهما تستنيروا
والظاهرة الغالبة على شاعرنا هي الدعوة إلى الجد وترك اللهو 4-36
والخمول والكسل. وهو يدعو إلى العمل المتواصل المنتج على أن نقلل من الكلام ما أمكن. وكان ساخطا على المجتمع المصري لما فيه عيون كانت سببا في تخلف الأمة وتأخرها. ولكنه على سخطه وتبرمه لم يكن متشائما ولا يائسا. بل كان الأمل يحدو والرجاء في نهضة الأمة يملأ فؤاده. أنظر إليه حين يقول من القصيدة المتقدمة.
كثر المدعون في مصر حتى ... كاد يقضي على البلاد الغرور
حسبكم يا بني الكنانة عجبا ... كسل مخجل وفخر كثير
ليكن قولكم أقل من الفع ... ل فلن يبلغ العلاء فخور
أجمعوا إن أردتم السير للسؤ ... دد والمجد أمركم ثم سيروا
أو يقول من قصيدة أخرى نشرت في الصحيفة المذكورة بتاريخ ١٨مايو سنة ١٩٠٩.
كاتب نائم وذو الشعر لاه ... وأديب سبته كأس الشمول
شاعر النيل لا عدتك العوادي ... هل لهذا السكوت من تأويل
أسلموا دارهم وعقوك يا ني ... ل فما إن لهم سوى التنكيل
فض فأغرقهمو فإنت حليم ... غض فأهلكهمو وغير بخيل
فظاهرة السخط الشديد هذه لن تجدها عند أحد من شعراء ذلك العصر فمما لا ريب فيه أن الطالب طه حسين قد انفرد بها دون سواه. لا يزال محتفظاً بها.
والدكتور طه حسين لا يعرف القناعة بل يعتبرها ضعفاً وخوراً. وقد نشأ على تلك العقيدة كما ترى من شعره فهو من غير شك صاحب روح قد بلغ الأوج في السمو والرفعة. فجدير بنا أن نسلك سبيله ونهتدي بهديه. وإني بهذا أقرر حقيقة من الحقائق.
قلنا إن الطالب طه حسين انضم إلى الحزب الوطني وأصبح داعياً من دعاته. وقد ظهر أثر ذلك في شعره فتراه يحمل على المحتلين حملة شعواء ويهاجمهم هجوماً عنيفاً، ويدعو إلى كفاحهم وجهادهم، ويظهر مقته وحقده على الأجانب الذين يمتصون دماء المصريين ويستنزفون أموالهم. ومما نظمه في ذلك قصيدة قيمة نشرت بمصر الفتاة بتاريخ ٥ نوفمبر سنة ١٩٠٩ تحت
عنوان " هم جائش"
تيمموا غير وادي النيل وانتجعوا ... فليس في مصر للأطماع متسع
كفوا مطامعكم عنا أليس لكم ... مما جنيتم وما تجنونه شبع
يا للكنانة من منكود طالعها ... ماذا يجر عليها النوم والطمع
من مثل أبنائها في سوء صفتهم ... منها إذا ما اجتنوا من غرسهم وزعوا
هم الذين ابتنوا بالأمس واحتفروا ... فما لهم إن أرادوا حقهم دفعوا
لا يصنع الله للمستعمرين فكم ... يلقى بنو النيل من جراء ما صنعوا
أكلما جاع غربي تيممنا ... حتى إذا اكتظ أغراه بنا الجشع
لا جاد مصرحياً. لا أخصبت أبداً ... فحظ أبنائها من خصبها الضرع
يا نيل إن سغت المستعمرين ولم ... تطب لأبنائك العلات والجرع
فلا جربت ولا رويت ذا ظمأ ... ولا أمدك غيث واكف همع
ومنها:
الذنب ذنب بني مصر فإنهم ... هم الذين إذا ما استخضموا اخضعوا
هم الذين استبدت في حقوقهم ... يد الدخيل فما ذادوا ولا منعوا
هم الذين يقول الناس إنهم ... إن صادفوا ملهيا عن جوعهم قنعوا
لا أكذب الله كم فينا ذوو شمم ... إذا أريدت بهم مكروهة فزعوا
هذه القصيدة قيلت في أيام الوزارة البطرسية، وقد كان شعور السخط عليها شديداً. ولما كانت هي مجرد آلة في يد المحتلين كانت حملات الشعراء والكتاب موجهة في الحقيقة إلى السياسة البريطانية وإلى الأجانب الذين يسندون هذه السياسة ويشدون أزرها ولا شك في أن روح الشاعر قد بدأ سامياً. ومما لا شك فية ان وجوده فى محيط الحزب الوطن قد أثر فيه وطبعه بهذا الطابع.
وقد هنأ الشيخ عبد العزيز جاويس حينما خرج من السجن بقصيدة نشرت في مصر الفتاة بتاريخ ٢٣ نوفمبر سنة ١٩٠٩ نذكر منها:
الآن حق لك الثناء ... فلتحي وليحي اللواء ولتحي مصر وحقها ... شاء العدى أو لم يشاءوا تعلو بها أصواتها ... حتى ترددها السماء ومنها:
إن كان ذكرك للجلا ... ء يسوء فليكن الجلاء
أو كان صوت الشعب عن ... دهم هو الداء العياء
فليعل صوت الشعب حتى ... يرجعوا من حيث جاءوا
سيرون أن الحق يأ ... بى أن يدوم له خفاء
سيرون أن الحق مه ... ما يهتضم فله العلاء
لم يسجنوك وإنما ... ردوا الأمور كما تشاء
ما إن أصابتك الإساءة ... بل لأنفسهم أساءوا
هذا هو الجانب السياسي في شعر الطالب الشاب طه حسين. وهو جانب مشرق، ترى فيه الشجاعة والإقدام والدعوة إلى التضحية بالمال والروح في سبيل الوطن والذود عن حياضه.
ولما عاد الخديوي عباس من الحجاز نظم الشاعر قصيدة نشرت في الجريدة بتاريخ ٢٦ يناير سنة ١٩١٠ تحت عنوان (رجاء الدستور بعد الحج المبرور) ومما جاء فيها قوله:
أنت والدستور في الح ... ب لديها أخوان
ونرى حجك باليم ... ن لها نعم البشير
كن لوادي النيل حصنا ... من عوادي الحدثان
وامنح الدستور مصراً ... أنت إن شئت قدير
هل سمعت الصوت يدعو ... ك من القبر الكريم
إنما أنت على النا ... س وصي وأمين
لا تذدهم عن صراط ال ... حق والنهج القويم
أرض بالدستور مصراً ... ترض رب العالمين
وقد حاول الشاعر أن يخاطب الخديوي عن طريق العاطفة الدينية، فذكر القبر النبوي الكريم وأن النبي دعا الخديوي قأئلا له إنما أنت وصي وأمين على الناس فاجعلهم يسلكون الصراط المستقيم ولا يكون هذا بغير الحكم الدستوري. فإن أنت منحت شعبك الدستور فقد رضى الله عنك، وإن حلت بينهم وبين ما يشتهون فقد عرضت نفسك لغضب الله ولا ينفعك حج ولا صلاة.
ننتقل بعد ذلك إلى الشعر الوجداني الذي نظمه الشاعر وصور فيه خلجات نفسه وما يتردد بين جوانحه من مشاعر مختلفة وأحاسيس متباينة كالرضى والسخط، والحزن والفرح، والتفائل والتشائم، والحب والبغض. فمن ذلك قصيدة نشرت في مصر الفتاة في ١٥ يناير سنة ١٩١٠ تحت عنوان (يوم القرآن) وقد قدم لها بقوله: (دعيت إلى حفل أقامه صديقي الأديب الأستاذ
الشيخ أحمد حسن الزيات مساء الخميس الماضي لعقد قرائه. فلما أجبت الدعوة راقني ما كان في الحفل من جمال ولا سيما ذلك النوع من الغناء القديم الذي طالما اشتقت إلى سماعة) قال:
يا خليلي سلامي ... حبذا يوم القران
حبذا أمس فقد أد ... نى نوالا غير دان
حبذا ليلة أمس ... راق لي فيها زماني
ليلة قد نلت فيها ... من حظوظي ما شفاني
أنا لا أحمد منها ... حسن توقيع الأغاني
إنما أحمد منها ... حسن أنسى بفلان
لم أزل أقصف حتى ... خلت أني في الجنان
بينما نحن على ذ ... لك زف القمران
آه يا زيات ما أج ... مل ساعات الأماني
هن قد هجن لنفسي ... ذكر سحر وعنان
أنا لولا سوء حظي ... لم أكن إلا ابن هاني
يا شقيق النفس ضاق ... الشعر عن نظم التهاني
لا تلمني إن دعوت ... الشعر والشعر عصاني
جل حبي لك يا زيات ... عن وصف البيان
ومن الظواهر التي نقف عليها في شعره الشكوى من البؤس وهذا النوع من الشكوى كان مألوفا بين الشعراء في تلك الأيام. ومما في هذا الصدد قصيدة نشرت في مصر الفتاة بتاريخ ٢٧ نوفمبر سنة ١٩٠٩ تحت عنوان (شكاة الأديب) وقد جاء فيها:
إذا شكا البؤس كل ندب ... فقد نجا منه شاعران بيننا نعانيه كان شوقي ... يقصف في كرمة لبن هاني وحافظ في القطار يلهو ... مشرد الهم غير عاني أذاك أم مسه شقاء ... فانتجع
ثم أنثى وهو بالصفايا ... من صلف الدهر في ضمان
فليطلب الشاعران نفسا ... إنا رضينا بما نعاني
ما سرني ساعة كبؤسي ... والأدب الغض صاحبان
ويقول في قصيدة أخرى نشرت بمصر الفتاة بتأريخ أول أكتوبر سنة ١٩٠٩.
علم الله أن حظي في البؤ ... س كبير لكنني غير عاني
كل حظي من السعادة أني ... رضت نفسي على خطوب الزمان
وغشى الشاعر أحد الملاهي مرة فكتب في الجريدة بتاريخ ٣١ يوليو سنة ١٩١١ فقال (كنت منذ أيام في ملهى من الملاهي العامة التي يجب أن تتخذ مثالاً صادقاً لذوق الجمهور، وقد يكون هذا التصريح خطراً جداً، فإن الجمهور لا يقبل من كاتب مثلي أن يزج نفسه بين صفوفه في المراقص وأندية الغناء، بل إن أسرتي نفسها قد تنكر على ذلك أشد الإنكار لأنها لا ترضى مني إلا أن أسلك سبيلاً واحدا هو ما بيت البيت والمدرسة.)
وله شعر في الغزل يغلب على الظن أنه من وحي الخيال كقوله من قصيدة نشرت في مصر الفتاة في ٢٧نوفنبر سنة١٩٠٩.
كم حمد الغيد من بلائي ... مذ كان لي بالهوى يدان
تحكم الغيد في دهراً ... ثم انثنى عنهم عناني
لا أكذب الله إن عاماً ... مضى حثيثاً بلا تواني
إذا تذكرته استهلت ... دموع عيني كالجمان
إذ أنا في لذة وأمن ... أباكر اللهو غير وأني
أرضيت بالطيبات نفسي ... في غير إثم ولا افتنان
ما أخذ الكاتبان سوءا ... يذودني عن ربي الجنان
إن كان في قبلة جناح ... فإنني منه في أمان
لم أستبح نيلها فجوراً ... بل قل بالحل (مفتيان)
قد نلتها واستزدت منها ... لو بعض مل نلته كفاني
ثم طوى الدهر ذاك عنا ... ليت الردى قبلها طواني
وهو حتى في هذه القصائد التي يتغنى فيها بالحب والجمال ويتحدث عن الحسان كان يدعو إلى التمسك بأهداب للفضيلة انظر إليه حين يقول من قصيدة نشرت بالجريدة في ١٤ فبراير سنة ١٩١٠ تحت عنوان (زلة في الحياة) .
أي هذا العاشق المد ... نف حب الحق أولى
دونك العشق إذا ش ... ئت ولكن للفضيلة
أنا أنهاك من الأه ... واء عما كان جهلا
إنما أربأ بابن الني ... ل عن حب الرذيلة
وكثيراً ما دعا في شعره إلى هذا النوع من الغرام وتراه يدافع ويناضل عن مذهبه الغرامي ويرد على من ينكر عليه ذلك
مسفهاً رأيه، ومثال ذلك قولة من قصيدة نشرت في مصر الفتاة بتاريخ ٧ يناير ١٩١٠ تحت عنوان (ليت للحب قضاة)
سيقولون حرام ... قلت ليست بحرام
إنما حرم ربي ... في الهوى ما كان رجسا
أي دين أو كتاب ... لم يبح ورد الغرام
لا شفى الله لأهل الم ... ين والتضليل نفسا
ثم يستمر الشاعر في قصيدته فيبين لنا الحب الطاهر والحب المدنس؛ فالأول لا يحرمه دين من الأديان، أما الثاني فمحرم قطعا. وهو إن تعني بالحب فإنما يقصد ذلك الحلال المباح. ثم أحذ يحذرنا من خداع النساء تحذيراً زعم أنه صادر عن تجربة واختبار قال:
إن للغيد خداعا ... ربما فات الفطن
أنا قد جربت منه ... إن تصدقني صوفا
ليس يكفي غدرات ... الغيد قوال لسن
إنما بأمن مكر الغي ... د من كان شريفا
ولم أر لصاحبنا شعراً في غير الأغراض المتقدمة، اللهم إلا قصيدة واحدة في الهجاء نشرت في الجريدة بتاريخ ٢٨نوفمبر سنة ١٩١١ تحت عنوان(إلى عبد الرحمن شكري) وهي:
قل لشكري فقد غلا وتمادى ... بعض ما أنت فيه يشفي الفؤادا
بعض هذا فأنت في الشعر والن ... ثر أديب لا يعجز النقادا
لو تفهمت قولنا لم يكلف ... ك هوى نقدنا الضنى والسهادا
عد إليه تجد شفاءك فيه ... إنما نمقت الحديث المعادا
واقتصد في الغلو إن لدينا ... إن تسائل بنا نصالا حدادا
خل عنك القريض إذ لست أمضي ... فيه سهما ولا بأوري زنادا
إن تكن مكثراً فرب مقل ... حاول القول مرة فأجادا
كن إذا شئت آمناً مطمئنا ... لم نحاول لما تقول انتقادا
ذلك شعر طه حسين أيام كان طالباً بالأزهر منذ أربعين سنة وهو يدل على أنه نشا شاعراً بالفطرة وقال الشعر وهو صبي، وأخذت شاعريته تنمو نمواً مطرداً سريعاً يصاحبها إحساس فياض وعواطف حارة وشعور متدفق. وقد شهد له إخوانه في الأزهر بذلك وأقروا له بالسبق واعترفوا بفضله وتفوقه عليهم. وكثيراً ما تجد في نثره سمات الشعر. أما شعره فقد كان فيه مجدداً مبتكراً. قال الأستاذ الجليل
أحمد حسن الزيات في خطبته المتقدمة (بعد عامين من هذا التاريخ (يقصد بعد عام ١٩٠٥) استطاع بطلنا أن ينزل الشعر، على حكمه ويروضه لذوقه فصاغ الشعر الحضري العصري في مختلف الأوضاع، لأنه وإن كان محافظاً في اللغة فإنه حرفي الشعر؛ رأى ما يثقل الشعر العربي من قيود القافية فوقع في نفسه أن ينفس عنه فاخترع له الأضرب المختلفة والقوافي المتنوعة على نحو ما يصنع الإفرنج في شعرهم، إلا أن شعره أجمل وأكمل لاحتفاظه بالذوق العربي والطابع الشرقي.) وهكذا أراد الشاعر الناشئ أن يخفف من قيود الشعر العربي وأن يجعله سهلا مرنا لا يحتاج إلى عناء وتعب. وقد شاع هذا المذهب عند بعض الشعراء في تلك الأيام.
وشعر الطالب طه حسين يفيض رقة وعذوبة، وقصائده الغرامية أشبه بالأدوار الموسيقية والمقطوعات الغنائية، عليها مسحة فنية جميلة، فكأنها قيلت للغناء. أنظر إلى قوله:
شادن عطف ... عطفه الحبيب
بعد أن صدف ... صدفة الملول
كم سبي ... قوله الخلوب
يملك القلوب ... ثم لا ينيل
كل ذى بهاء...يمقت الوصال
يظهر الحياء...وهو فى صدود
كل ذي السهود ... منه بالنوال
إن في الجمال ... عثرة الجدود
فأنت ترى شعراً غنائياً جميلاً، ينبعث منه صوت حنون نكاد نرقص منه طرباً. وقد ظهر الشاعر أمامنا ممسكا بقيثارته ليحرك مشاعرنا ويهز عواطفنا ويملك قلوبنا بهذه الأنغام العذبة
والشيء الذي نأسف له هو أن الشاعر قد اضطرته الحياة الجامعية إلى التخلي عن صوغ الشعر. فبعد عام ١٩١٠ لا نجد له من القصائد إلا النادر ولكنه ظل محتفظا بشهرته كشاعر إلى عام ١٩١٤ وهو العام الذي سافر فيه إلى أوربا. وقد رأينا الأستاذ الزيات يقول في خطبته التي ألقاها في صيف ذلك العام ما نصه.
(. . ولولا أن شعره مشهور مذكور لأوردت منه المعجب المطرب. .)
ولكن الشاعر منذ سافر إلى أوروبا في عام ١٩١٤ لم نر له ولا بيتا واحدا. فقد هجر القريض هجرا تاما. ونسي الناس هذا الشاعر الموهوب، بل ربما يكون هو نفسه قد نسي شعره.

