ظاهرة جديدة ، تلك التى نراها هذه الأيام تملأ جميع الصحف والمجلات المصرية ، وتذاع فى الأحاديث الخاصة والعامة ، الا وهى تلك الموجة الواضحة من التشاؤم والياس التى تظهر فى كثير من المقالات والأحاديث ، سواء كانت سياسية أو اجتماعية .
هى ظاهرة واضحة تمام الوضوح ، شملت الشباب قبل الشيوخ ، حتى إنك لا تفتح فى هذه الأيام صحيفة من الصحف أو تسمع حديثا ، أو تقرا مقالا ، إلا وتشتم منه تلك الروح المتشائمة ، التى تنظر إلى حالة البلد وحوادثها نظرة كلها يأس وقنوط .
إذا أردت أن تعرف بعض مظاهر هذا السخط والقلق ، فيكفيك أن تفتح أى صحيفة من صحف الصباح أو المساء فى هذه الأيام لتقرأ فيها أن طالبا من طلاب الجامعة قد ألقى بنفسه فى النيل ، تاركا وراءه رسالة يقول فيها إن الذى أودى به ، هو الأوضاع المشوهة والحقائق المقلوبة ؟ أو لتقرأ فيها أن طالبا أراد قتل أستاذه ، أو أن بعض الطلبة فى لجنة من لجان الامتحان أحسوا بصعوبة الأسئلة ، فهاجوا وماجوا ، وكسروا الأدراج ومزقوا الأوراق ، وحاولوا إحراق اللجنة بما فيها . . أليس هذا هو القلق والسخط الذى إن دل على شئ فعلى أن الشباب قد كفر بالحياة .
ولا تقصر نظرك على التلاميذ وأعمالهم ، بل انظر أيضا إلى سخط الموظفين ويأسهم من تحسين حالتهم وكفرهم بكل كادر وتيسير ، هذا الكفر الذى جعلهم يتفننون فى اكتشاف أصناف جديدة من الرشاوى والسرقات ، حتى أصبحت الأوراق لا تمر ، والخدمات لا تحل ، إلا إذا قدمت معها ما يلزم أن يقدم .
ثم انظر بعد هذا إلى ضباط الجيش وجنوده ، الذين فقدوا ثقتهم بأسلحتهم ومورديها ، وطالبوا المسئولين بالبحث عن المتهمين الذين كانوا من أهم أسباب الفشل فى حرب
فلسطين ، فلم يجدوا غير آذان صمت عن الاستماع . لن أتمادى فى ضرب الأمثلة وعرض النماذج ، فيكفيك أن تقرأ الحوادث فى الصحف وتسمع الأحاديث فى المجالس ، لتخرج بمئات من هذه الأمثلة والنماذج ، ولكنى أريد أن أتساءل : كيف أتت هذه الموجة من القلق ؟ وما سبب انتشار هذه الروح من اليأس ؟ .
والسبب فى ذلك هو أن الشعب قد شعر - منذ وقت ليس بالقصير - بجهله ومرضه وفقره ، ورأى أن من حقه على الحكومات أن يتعلم ، وأن يدرك طعم الشبع والعافية ، ثم حاول أن ينهض ، وان ينفض من فوقه هذا البؤس وسوء الحال ؛ فإذا هو يصطدم بحقيقة مؤلمة ، وهى أن السلطان فى مصر ليس فى يد الشعب ، ولا فى يد ممثلى الشعب ، إنما هو فى يد الإنجليز وأعوان الإنجليز ، وهؤلاء لهم من القوة المادية وغير المادية ما لا يستطيع مقاومتها إلا إذا اتحد وكيف يتحد وهو ضعيف ممزق ، تنقصه الأخلاق والتربية ، والأجانب من حوله يحاولون هدمه واستغلاله ، وأسوا من الأجانب ، كبراء الشعب وحكامه ، الذين اشتركت مصالحهم مع مصالح المستعمر ، وأخذوا فى استغلال الشعب من غير محاولة جدية لإصلاحه ؛ فإن حاولوا عمل شئ للشعب فعن طريق الارتجال ، واتخذوا المشروعات الطنانة وسيلة للتنافس بينهم ، والدعاية لأحزابهم ، فوقفت كل الأعمال النافعة اللهم إلا ما كان منها نافعا بالنسبة لهم ولأقاربهم .
ولما انتشر الفساد والظلم ، وذهبت خيرات البلاد إلى أيدى المستعمر وأتباع المستعمر ، انخفض مستوى المعيشة فى مصر ، وزاد الغلاء واستفحل أمره ، فمد الموظف يده لأصحاب الحاجات ، فانتشرت الرشوة والسرقات ، كما مد المدرس يده للطلبة ، فانتشرت الدروس الخصوصية وبيعت الامتحانات وفقد الطلبة احترامهم لأساتذتهم بعد أن فقدوا الثقة بحكامهم وكبرائهم .
كل هذا نراه فى الوقت الذى تنتشر فيه مبادئ جديدة تعم البلاد ويؤمن بها الشباب وغير الشباب . وللاسف كان من هذه المبادئ الجديدة التى غزت مصر مبادئ مادية ، صبغت الشعب بصبغة من الوصولية والاستهتار ، هذه المبادئ وقعت على شعب ضعيف غير مستقر فكان لها من الآثر السيء ما نراه الآن .
هذا هو مارآه الشعب ، ومع ذلك فقد ظل شعبا مجاهدا متفائلا ، إلى أن جاءت الصدمات المتتالية ، والنكبات الواحدة بعد الأخرى ؛ فمن مأساة فلسطين ، إلى هذه المفاوضات التى لا تبشر بجلاء أو بوحدة ، إلى هذه
المحاولات للحد من الحريات وكبت الألسنة والأقلام . هذه هى الحال التى سببت كل هذه الموجات من السخط والقنوط ، وهذه هى اهم الأسباب التى جعلت كل مصرى ينظر ليرى الشر قد بلغ فى كل ناحية من نواحى الحياة غايته ، فلم يسعه إلا أن يذعن له ويسترسل فيه .
بقى دور المصلحين والموجهين ، الذين نرجو أن يكونوا الفئة التى ارتفعت فنجت من هذه الموجة من الياس والذين هم الفئة التى يحتاج إليها الشعب فى هذه الأيام ليعرف نوع مرضه وكيفية العلاج ، وليستمد منها الدواء لهذا الداء الوبيل

