قرأت الجملة الآتية من مقال الدكتور زكي مبارك بالعدد ٤٧٢ من (الرسالة) :
(يغتني (أي المطران) من العوائد وهي جمع عادة كما تجمع حاجة على حوائج، ولك أن تجعل مفردها عائدة إن تناسيت العرف وهو من أهم الأسندة اللغوية. . .) اهـ
هذه عبارتك الصرفية يا سيدي الدكتور ليس فيها ما يدنيها من مقال (الحديث ذو شجون) من قريب أو بعيد إلا أن أردت أن تجمع إلى ما تقدمه لإخواننا الأقباط الأكرمين من ضوء رأيك في انتخاب المطران ما يغير نوع الحديث تنبيهاً للفكر كما تقدم بعض أصناف الطعام تنبيهاً للمعدة، أو أن نجمع إلى ما تسوقه للأمة من تحقيق مسألة تاريخية طرفة صرفية يأبى إعظامك للغة وتكريمك أهلها إلا أن تتحفهم بها. غير أنه استبهم عليك الجمع وما قسته به وما حكمت على العرف لأنه من أهم
الأسندة اللغوية. واستبهم عليَّ كل ذلك لأني أقرب منك عهداً بتعلم لغة العرب ولأقل تنقيباً في كتبها؛ فما وصل إليه معلومي أن كلمة (عادة) لا تجمع على عوائد، وأن صيغة فواعل ينحصر اطرادها في ثمانية أنواع أو سبعة على الخلاف ليس منها ما أوردته وقد اختلف في نوع من أنواعها (فاعِل) بكسر العين وصفاً للمذكر غير العاقل، فقيل بشذوذه وقيل بغلطه وقيل بصحته، وما عدا ذلك شاذ إجماعاً؛ وقد حصروا الشاذ فلم يكن منه عوائد جمعاً لعادة، فهو منكور قياساً، ولم يسمع شذوذاً حتى جنبت ذكره المعاجم. وقد استساغ ابن منظور أن يورد في بحره الزاخر (لسان العرب) بعد ما ذكر ما ورد من جموعها كلمة عيد جمعاً لعادة، ونسبها إلى صاحبها تأكيداً لاستضعافها وعدم رضايته عنها؛ ولم يذكر عوائد جمعاً لعادة، وإن أورد الشرتوني في معجمه (اقرب الموارد) بعد أن أورد ما سمع من جموعها: العوائد جمعاً لعادة. غير أنه أردفه بقوله وكأنه جمع عائدة. ثم التبس عليَّ قياسك عوائد على حوائج، لأنه قياس ينبو عما قرأنا في كتب أصول النحو، ولم اسمع من أمثال سيدي الدكتور - حفظه الله - من جعل الشاذ مقيساً عليه لمخالفته الإجماع؛ لأن القياس - ومن شروطه ألا يقاس على الشاذ - هو حمل غير المنقول على المنقول، وليست كلمة الحوائج المقيس عليها منقول لنبوها عن القاعدة ولكنها مسموعة، على أنه مطعون في صحتها جمعاً لحاجة قال الدماميني:
(سمع في هذا المفرد حائجة فيجوز أن يكون حوائج جمعاً لها واستغنى عن جمع حاجة) اهـ
وقد أنكر (حقي) في فروقه وابن خالوبه في كتابه (ليس في كلام العرب) جمع الحوائج على حاجة؛ وكذا الحريري في (درة الغواص) ، واستشهد بخير ما يستشهد به لصدق دعواه، وإن أظهر الشهاب الخفاجي في شرحه على الدرة جنوحاً عن رأي الحريري، ولكنه سار في غير مسار
