الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 110 الرجوع إلى "الثقافة"

عاشوراء

Share

عيد الخريف :

احتفل المصريون القدماء بعيد الخريف ، إذ وافق يوم وفاء النيل ، أساس حيوية الأرض الزراعية ، عماد ثروة مصر ، وأحيوا هذا العيد فى يوم الشروق الاحترافى heliacal rising للنجم سبدت أو أزيس المسمى بالاغريقية سوتسSothis(١) ، وجعلوا سنتهم تبدأ من هذا العيد (٢) .

واحتفل البابليون والأشوريون بعيد الخريف ، واعتقدوا أن الآلهة تجتمع فى هذا العيد حيث تعقد مؤتمرا ، تحاسب فيه أرواح الأحياء والأموات على ما قدمته من أعمال ، وتزن حسنائهم فى الميزان الذى يمثله برج الميزان (٣) ، فمن ثقلت موازينه ، كان من أصحاب اليمين ، ويمين برج الميزان برج السنبلة أو برج العذراء (٤) ، حيث يتمتع أصحاب اليمين بالجنان الخضراء ، وما فيها من روح وريحان ، وحور عين . ومن خنت موازينه ، كان من أصحاب الشمال ، وشمال برج الميزان برج العقرب ، حيث يلقى أصحاب الشمال جزاءهم من الزبابية حراس زبانى

العقرب (١) ؛ وبدأت سنة البابليين أيضا من الخريف ، أى من شهر تشرى ( الذى معناه البدء ) ، واحتفلوا بالعيد فى أحد الأيام التسعة الأولى من هذا الشهر .

وورث اليهود عن المصريين الاحتفال بعيد الخريف ؛ ولما خرجوا من مصر ، وكان خروجهم فى اليوم السابع من الأسبوع المصرى وفى عيد الربيع ، اعتبروا اليوم السابع من كل أسبوع عيدا دينيا ، ينقطعون فيه عن الأعمال الدنيوية ، ويتفرغون للعبادات ، وأطلقوا عليه يوم سبات أو شبات (٢) ، واحتفلوا بعيد الربيع فى كل سنة شكرا لله الذى نجاهم من فرعون وجنوده ، وأحيوا هذا العيد فى يوم البدر الذى يقع فى الاعتدال الربيعى أو بعده مباشرة ، وأطلقوا عليه يوم بساح (٣) ، وأخذوا عن البابليين تقويمهم القمرى الشمسى ، وكذلك أسماء شهورهم ، وجعلوا سنتهم الدينية تبدأ من شهر عيد الفصح ، أى من شهر نيسان ، ولم ينسوا الاحتفال بعيد الخريف الذى ورثوه عن المصربين ، خصوصا وأن البابليين الذين عاشروهم مازالوا يحتفلون به ، وأنه يقع فى الشهر السابع من سنتهم الدينية ، والشهر السابع ، كاليوم السابع ، مقدس ، واحتفلوا بعيد

الخريف فى أحد الأيام العشرة الأولى من شهر تشرى ، واعتبروا أول تشرى أول سنتهم فى معاملاتهم المدنية .

عاشوراء اليهود :

احتفل اليهود بعيد الخريف ، على أن يكون فى أحد الأيام العشرة الأولى من شهر تشرى ، وقد قيل إنه فى اليوم العاشر من شهر تشرى عاد موسى عليه السلام من جبل سيناء ، حيث عفا الله عما اقترفه قومه من خطيئة العجل الذهبى ، واستقبله القوم مصلين صائمين ؛ ولذلك أحيا اليهود اليوم العاشر من شهر تشرى بالصوم تطهيرا لهم عما اقترفوه فى بحر السنة من خطيئات وآثام ، وأطلقوا عليه صوم الكبور ، وعرف باسم يوم عاشوراء .

عاشوراء المسلمين :

يمكن تلخيص الأحاديث المختلفة ، وخصوصا ما ورد منها فى صحيحى البخارى ومسلم عن صوم عاشوراء فى الأحاديث الثلاثة الآتية ، وإن اختلفت فى بعض التفاصيل :

(١) كانت قريش تصوم عاشوراء فى الجاهلية ، وكان رسول الله (ص) يصومه ، فلما هاجر إلى المدينة صامه ، وأمر بصيامه ، فلما فرض شهر رمضان ، وترك عاشوراء ، قال النبى (ص) : (( من شاء صامه ، ومن شاء تركه )) .

(٢) وصل النبى (ص) إلى المدينة ، وكان اليهود صائمين يوم عاشورائهم ، فسألهم النبى (ص) عنه ، فقالوا : هذا اليوم الذى نجى الله تعالى فيه موسى وبنى إسرائيل ، وأغرق فرعون وقومه ، فنحن نصومه شكرا لله تعالى . فقال النبى (ص) : (( أنا أحق بأخى موسى )) ثم أمر مناديا فنادى : من أكل فليمسك ، ومن لم يأكل فليصم .

(٣) (( لئن سلمت إلى قابل لأصومن اليوم التاسع )) . ولم يحل عليه (ص) الحول .

ويفهم من الحديثين الأول والثانى أن الاسلام لم يبتدع صوم عاشوراء ، وإنما أخذه عن الجاهلية واليهود ؛ ويعتمد المسلمون الآن عاشوراء المحرم الذى يدور على مر

الأيام ، ويعتمد اليهود عاشوراء تشرى الذى يكاد يكون ثابتا فى الخريف ؛ فياترى أكان عاشوراء الجاهلية عاشوراء المحرم ، أم كان عاشوراء تشرى ؟ فان كان عاشوراء المحرم فانه يتعارض مع ما ورد فى الحديث الثانى وما أشير إليه فى الحديث الأول ، إذ أن النبى (ص) لم يصل إلى المدينة فى شهر المحرم ، وإنما وصلها فى يوم الاثنين الثانى من شهر ربيع الأول ، أى فى ٨ ربيع الأول سنة ١ هـ الموافق ١٠ تشرى سنة ٤٣٨٣ عبرية ( ٢٠ سبتمبر سنة ٦٢٢ م ) ، كما أن الامام الأعظم أبا حنيفة ارتكن على الجزء الأخير من الحديث الثانى فى عدم ضرورة النية قبل الصيام ، فضلا عن أنه فى المدة من سنة ١٣ ق ه إلى سنة ١١ هـ ، أى ما بين بدء الرسالة وانتقال النبى (ص) إلى الرفيق الأعلى ، لم يوافق عاشوراء المحرم عاشوراء تشرى (١) . وأرى من ذلك أن عاشوراء الجاهلية هو عاشوراء تشرى (2)، وإذا فمتى انتقل عاشوراء من تشرى إلى المحرم ؟

قد يكون ذلك فى السنة الثانية الهجرية حينما فرض صوم رمضان ، وأصبح صوم عاشوراء اختياريا .

وقد يكون فى السنة العاشرة الهجرية حينما نزلت الآية : (( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا )) والآية : (( إنما النسىء زيادة فى الكفر )) ، فالآية الأولى تحرم جعل السنة أكثر من اثنى عشر شهرا ، فهى بذلك تحرم الاعتماد على التقويم العبرى الذى سنته الكبيسة ثلاثة عشر شهرا ، وتحرم الآية الثانية النسىء ، فهى بذلك تحرم تأخير عاشوراء عن موضعها بالنسبة للسنة العربية . وتحرم الكبس والنسىء فى هاتين الآيتين يقضى بإزالة جميع ما ترتب

عليهما ، ومن ذلك عاشوراء ، فانتقلت بطبيعة الحال إلى العاشر من شهر المحرم ، وثبتت على ذلك ابتداء من سنة ١١ ه . وتحريم الكبس والنسئ نبه المسلمين إلى التشابه مع اليهود فى الاحتفال بعاشوراء ، ودعاهم إلى عرض الأمر على النبى (ص) حيث قال الحديث الثالث الذى ورد فى بعض رواياته : (( صوموا التاسع والعاشر ولا تشبهوا باليهود )) . وقد قيل هذا الحديث فى عاشوراء سنة ١١ ه إذ انتقل النبى (ص) إلى الرفيق الأعلى بعد ذلك بحوالى شهرين ، أى فى يوم الاثنين ١٣ من ربيع الأول سنة ١١ ه الموافق ٨ من يونيو سنة ٦٣٢ م .

وقد ورد فى خطبة الوداع : (( إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض )) ، وكانت هذه الخطبة فى ٩ من ذى الحجة ١٠ ه ، ووافق أول المحرم ١١ ه أول نيسان سنة ٤٣٩٣ عبرية . وذكرت المراجع اليهودية

والمسيحية أن العالم خلق فى شهر نيسان ، ويفهم من هذا أن العالم خلق فى شهر المحرم الذى كان متفقا مع شهر نيسان ، وأنه حينما عاد إلى هذا الاتفاق ، كان الزمان قد استدار ، أى أكمل بعض دوراته . ويمكن أن يقال أيضا إن المحرم وافق نيسان حينما خرج اليهود من مصر

وتكون نجاة بنى إسرائيل فى عاشوراء نيسان الموافق عاشوراء المحرم ، وليس فى عاشوراء تشرى ، كما ظن ذلك اليهود الذين سئلوا فى الحديث الثانى . ويكون الصوم شكرا لله على نجاة موسى عليه السلام فى عاشوراء نيسان ( عاشوراء المحرم ) كما حدث فى سنة ١١ ه .

وقد اكتسب عاشوراء معنى أعظم عند الشيعة ، إذ فيه قتل سيدنا الحسين رضى الله عنه . وفوق كل ذى علم عليم ، والله أعلم ،

اشترك في نشرتنا البريدية