الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 287الرجوع إلى "الثقافة"

عالم الطباعة

Share

عوامل مختلفة تحفزني للتحدث عن الطباعة ، ندرة الحديث عنها بيننا ، وفائدة مثل هذا الحديث ثقافيا وتاريخيا ، ثم سلخي خمسة وعشرين عاما متواصلا في عالها ، عاملا ومعلما واختصاصيا .

فما هي الطباعة ؟ ليس من الكفاية أن نعرف أنها من أشرف الصناعات وأرقاها ، وأوثقها صلة بالثقافة ، وأصدقها تمثيلا للحضارة ، فهي في الحقيقة من أبلغ النعم على البشرية ، عارفها قليل وجاهلها كثير ؛ ولولاها ، وهي التي ظهرت على يد جان غوتنبرغ في أواسط القرن الرابع عشر ، لظل العالم سادرا في دياجير الجهالة ، راسفا في قيود الخناعة ، وإلى هذه الحقيقة مرد جملة ( هكذا انبثق النور ، التي تطالع الناظر إلي تمثال غوتنيرغ في مدينة ستراسيرغ ؛ فالطباعة نور طلع على الأفكار بعد

طول الانتظار ، ثم لم يلبث أن كشف عنها غياب الإباطيل والأوهام ، التي تكاثفت مع مر العصور بسعي الإكليروس وأنصاف الألهة من الحكام والأغنياء ولعمرى ليست الثورات الخطيرة في التاريخ ، كالثورة الإنجليزية والفرنسية والروسية ، وهي التي دكت صروح البني والجور معلنة حقوق الإنسان والعدل الاجتماعي ، إلا أثرا من الطباعة التي غذت التفكير والشعور في العالم لم بعد نشرها العلم والعرفان .

كان العلم وقفا على أفراد قليلين في كل أمة لا يتجاوزهم إلى غيرهم ؛ كان احتكارا وامتياز للطبقة الأرستقراطية ، والإكليروس خاصة ، وكانت الأسفار والكتب المخطوطة من الغلاء والندرة بحيث يصعب اقتناؤها والتوفر علي مطالعتها ؛ فلما أن انتشرت المطابع وانتثرت في البلاد ، وشاع العلم وقاع ، تفتحت العقول بعد الذبول ، ونشطت بعد طول الخمول ، مستقبلة فجر حياة جديدة مغرية لا عهد لها يمثلها من قبل . وهكذا شرع مع الناس يتفهمون حقائق الحياة على الوجه المعقول ، وراحوا متنادين إلى الحرية والعدل

والمساواة ، ثم فازوا بالوفير مما تمنوا . ومن أجل ذلك أجمع المفكرون على أن الطباعة من أكبر النعم على البشرية ، إن لم تكن من معجزاتها ومفاخرها الكبرى .

والناس اليوم ، حين يتناولون الصحف اليومية والدورية ، أو أحد الكتب والرسائل وغيرها مما تلده يطون المطابع في كل يوم ، لا يكلفون النفس عناء البحث في هاتيك التضحيات الجسيمة ، والمجهودات الجاهدة التي استفرغت في سبيلهم ؛ لا ، ولا يحاصرهم أقل تفكير في دنياك العالم الواسع الاطراف والأكناف ، المتطوي على شتى الفنون والصناعات انطواءه على الفرائح العبقرية ، والهمم الدائبة ، والثروات الطائلة .

فهناك الورق ؛ ويكفي ذكر هذه اللفظة الصغيرة لتتمثل الغابات في البلدان الواطئة تعج بالعمال والعاملات ، يسمون وراء الألياف النباتية ذات السيلوز ، أي مادة الورق الأولى ؛ أو نتخيل المعامل الصناعية تستخرج تلك المادة من طحن الأخشاب ، والشوارين في الأزقة يجمعون المزق من الأقمشة ، وقصاصات الورق ؛ ثم نتصور الألات الجبارة تصحب هدارة بمحركاتها في مختلف أعمال الصقل والدعك ، والتصفية والتهوية ، ثم التمديد والتحديد ، فالتلوين والتصميم ، والتقسيم والتغليف .

وهناك الحبر ، وهو أشكال وألوان ، ولكل شكل توابع ، ولكل لون علم وفلسفة ؛ ولابد لصنعه من مواد أولى ، منها الصلب والرطب ، والبسيط والمركب ، ومنها المعجونات والزيوت ، والأملاح وجواهر كيمياوية أخري . وكل ذلك يؤتى به متفرقا من أطراف المعمورة ليخضع لأعمال متباينة من التهيئة الفنية . ولقد زادت خطورة الخير ومعامله بازدياد أنواع الطباعة وفروعها ، ولا سيما الطباعة الملونة التي تتطلب أنواعا معينة بتركيبها ومزجها ؟ أضف إلى ذلك تقدم فن الصحافة في العهد الأخير وتضخم إنتاجها ، واستلزام مثل هذا التضخم من الحبر ما يكاد بحبر الفكر ، حتى أن صحيفة واحدة في باريس تستهلك طنا ونصف الطن في اليوم الواحد ،

لا في السنة ولا في الشهر ! . .

وهناك الحروف وتوابعها على اختلاف اللغات ، ويدخل في صنعها الرسم والحفر ، ويستخدم للأمهات الدقيقة فيها معدن الفولاذ ، كما يستخدم لها بصورة عامة الانثيموان لاستدامة متانتها ، والقصدير لحصول لحمنها ، والرصاص للجمع بين المادتين .

فهل يفكر أحدنا في هذا العالم الواسع المؤاد بالحركة الدائمة ؛ هل تفكر في هؤلاء العمال متضدي الحروف والمشتغلين بالسكب والسبك والحفر ، الذين يدلفون إلي الغير بذات الصدر في ريعان العمر ؟ ثم هل نفكر في هاتيك المراحل المتعددة المتسلسلة التى لاغني لكل نوع من أنواع المطبوعات عن اجتيازها قبل أن تصبح في متناول الأيدي وقيد الأنظار ؟

وإذا كانت الطباعة كما قدمنا نعمة بين البشر ، فإنها في حد ذاتها صناعة وفن معا ، لأنها ليست وفقا على العمل اليدوي تتبع أساليب آلية متداولة باستطاعة أي كان أن يتوفر عليها بقليل من المرانة والممارسة ، ولأن جملة فنون متصلة بها ، وإذا كانت كذلك فهي أيضا من معجزات هذا العصر مما انتهت إليه من الرقي والتنوع والتوسع ، فضلا عن أثرها القوي في حياة البشر فردى وجماعات وهل أدل على ذلك من صورتيها في البداية والنهاية ؟

إن فكرة غونتيرغ مخترع الطباعة أخرجت على صورة تلوح لنا اليوم إلى لعب الأطفال أقرب منها إلي الجدة والإبداع : طاولة حقيرة تستقل صفحة من الخشب محفورة على شكل الحروف ، تطلي يمزيج من الزيت وسواد المداخن . لتمر عليها فيها بعد مردانة ضاغطة . وكفي ... تلك صورة ساذجة ربما مر بها أطفالنا اليوم مقهقهين ؛ ولكن هذه الصورة ما لبثت ان استحالت إلي صورة رائعة حافلة بالعظمة والجلال . ففى عالم الطباعة اليوم يعمل ألوف وألوف بعقولهم وفرائحهم وهممهم ، وتستخدم العامل والأحراج والقطارات والبواخر والطائرات وسائر

المخترعات ، وصار من شأن المطابع أنها تخرج في كل يوم من المطبوعات المختلفة ما يكاد لو قيس بالدنيا طولا وعرضا ، وما لو عدل بالجبال وزنا وثقا لفاض وزاد ؛ بل غدوا إلي حال لا غنية لنا فيها عن الطباعة في كل شئون حياتنا العامة في السلم أو الحرب ، وفي الجد أو اللعب ، وأمسي شعار العصر : " كل شيء في الطباعة ، والطباعة في كل شئ " !

لقد تطورت فنون الطباعة وتنوعت بحكم تطور الفنون والعلوم . وأخص طرائفها في رأينا ما يأتي :

أولا : التبيو غراف . وهو العنصر الأساسي لأنواع الطباعة أو الأخ البكر لما جاء من بعده . يرجع فضله الأول إلى غوتيرغ  مخترعه . ويلخص باستعمال الحروف المتحركة ، ولقد تقدما عظيما بعد اختراع آلة " اللينوتايب " الكفيلة بجمع الحروف ميكانيكيا بسرعة تشده العقول ، وإبرازها دواما محافظة على جدتها .

ثانيا : الليتوغراف ، ومخترعه " سينغلدر " في أواخر القرن السابع عشر ، وهو عبارة عن الطبع على الحجر ،

أو على الزنك ، وفي هذه الحال يدعي بأوفست . وأغلب ما يستعمل في عمل الصورات والمطبوعات الملونة .

ثالثا : الروتوغرافور أو الهيلوغرافور ، ومعناه " الطباعة بواسطة الشمس " ويعزى اختراعه إلي " كارل كليتش " النمسوي المولد ، في أواخر القرن التاسع عشر ، فهو بهذا أحدث أنواع الطباعة عامة ، بل هو في الحقيقة أرقاها لمزاياه المنفردة ، كا براز التبابن في ألوان الصور بشكل لا يختلف في شئ من الأصل ، وكا مكان استخدام الورق الرديء فيه دون ما تأثير على الطبع ، وكالتلاعب في عرض السور والكتابات طبقا للذوق المرغوب ، وكالنشاف السريع في حبره .

فإذا أضفنا إلي ما تقدم تقدم هندسة الآلات الطابعة وفن الزنكوغراف ، وفن التجليد ، وطباعة الفوتوتيب والآنالين والنافر ، والطباعة على البلور والمعادن والأقمشة والأخشاب وغيرها من مستلزمات حضارتنا ، تبين لنا أية عظمة بل أية معجزة تواجهنا حين توصل الفكر جوا  الا في عالم الطباعة بهذا العصر .

اشترك في نشرتنا البريدية