قد يكون من الطريف ، في أوائل هذا العام الذي به نبدأ المرحلة الثانية من قرننا العشرين ، أن نتأمل في المستقبل لنحدس ما سوف يطرأ على الكرة الأرضية وعلى أهلها من تغيرات ذات بال . ولكن الا يكون اكثر طرافة أن ترجع بذاكرتنا نصف قرن إلى الوراء لننظر في أفكار وآمال أهل القرن التاسع عشر ، عندما ما كان القرن العشرون لا يزال في طيات الستقبل ؟ .
في هذا الزمن البعيد كان يعيش عالم فرنسي ، يدعي " برتولو " اشتهر بأبحاثه واكتشافاته في محيط الكيمياء . وهو هنا يحدثنا عما يعتقد أن سوف يكون عليه العالم في سنة ٢٠٠٠ ميلادية . ولعل القراء يجدون في نظراته شيئا من الخيال الخصب ؛ ولكنه في الواقع لا يرمي بالقول جزافا ، بل هو يعتمد أولا على الحقائق العلمية والاستنتاجات المنطقية التي لا غبار عليها . .
لقد تحدث الناس كثيرا عن حالة المجتمع البشري في المستقبل . وأريد بدوري أن أتخيل هذه الحالة ماذا تكون في سنة ٢٠٠٠ .
في هذا الزمن المستقبل لن يكون في العالم زراع أو رعاة ، ولن تكون هناك مزارع أو مزاع . فالكيمياء ومكتشفاتها سوف تبيد مشكلة الفلاحة والرعي ؛ كما تقضي على مشكلة المناجم والمهاجر . .
لقد رأينا في أيامنا هذه القوة المحركة الإنسانية تحل محلها القوة البخارية التي تحصل عليها بواسطة إحراق الفحم . . ولكن الفحم ، فضلا عن أن القوة الناتجة عنه غير كافية ، نلاحظ أنه في تناقص مستمر ؛ ويجب علينا أن نهيء ما يسد مكانه من مواد .
والأمر لا يحتاج إلي كثير تفكير : فأمامنا الشمس علينا أن نستخدم طاقتها ، وأمامنا الأرض في مقدورنا الانتفاع من حرارتها الجوفية .
وإن التقدم المستمر في العلوم يدفعنا إلى أن نأمل خيرا
من مثل هذه المنابع للقوى التى لا تنفد .
فما علينا مثلا ، إذا أردنا أن نأسر حرارة الأرض الجوفية ، إلا أن نحفر آبارا يبلغ عمقها خمسة آلاف من الآمتار . وهذا العمل لا يخرج عن إمكانيات الهندسة في العصر الحالي ؛ وبه تتمكن من الحصول على الحرارة : أصل كل حياة ومبعث كل صناعة .
وإذا أوصلنا الماء إلى أعماق هذه الآبار الحارة ، ينتج عن ذلك ضغط يكفي لتسير جميع محركات العالم ؛ كما ينتج ماء نقي مطهر خلو من العفونة والميكروب .
وسوف نستفيد من هذا المشروع قوة كهربائية عظيمة تتجدد باستمرار . . ومن القوي الحرارية والكهربائية تحصل على القوة الكيميائية التي تجعل صناعة المنتجات اللازمة للحياة ميسورة إلى حد بعيد وقليلة النفقات في كل وقت ومكان . .
وفي هذا حل موفق للمشكلة الاقتصادية الكبرى التى تشغل ذهن كل إنسان : مشكلة المواد الغذائية .
فنحن في اليوم الذي تتوفر لنا فيه القوة الكيميائية بثمن بخس نستطيع أن ننتج الغذاء من عناصره الأولية ؛ فنستعمل الكربون الناتج عن حامض الكربونيك ، والهيدروجين المستخرج من الماء والأزوت المستخلص من الحو .
وحينئذ يقوم الإنسان ، في نطاق واسع وبوسائل كاملة ، بالعمليات التي تقوم بها النباتات مستعينة بالقوي الطبيعة . .
ولسوف يأتي الزمن الذي فيه تري الأسرة تضع على مائدة الطعام قطع الأزوت المجمدة ، ومقادير المواد الدهنية المركزة ، وقوالب المواد السكرية ، إلى جانب زجاجات صغيرة للتوابل والحريفات التى توافق مزاج الأشخاص . .
هذه المواد سوف تنتجها المعامل بكميات غير محدودة " ويثمن بسيط ، دون أن تؤثر على الصناعة تلك العوامل ذات العواقب الوخيمة على الزراعة مثل تقلبات الجو والديدان والطفيليات ؛ كما أن الغذا ، المصنوع بهذه الطريقة سوف يكون بمنجاة من الميكروبات ، وهي عدو الإنسان المدود .
في هذا الزمن المستقبل سوف تحدث الكمياء في العالم انقلابا قويا لا يستطيع أحد أن يقيس الآن مداء .
سوف تقضي على المزارع والكروم ، وعلى المراعي المملوءة بمختلف الأنعام .
سوف تكسب الإنسان طبيعة الهدو ، وشمائل الفضيلة ، لأنه لن يعتمد في إقامة حياته على إفناء حياة خلائق أخرى .
سوف تنمحي الفروق بين المناطق الخصبة من الأرض والمناطق الفقيرة التربة . بل ربما أصبحت الصحاري الرملية مأوي الإنسان المفضل ؛ لأنها في الواقع أكثر ملاءمة لصحته من تلك البقاع المتربة القذرة وتلك المستنقعات العفنة التى تتخذها الآن مجالا لنشاطنا الزراعي .
ولكن هذه السيطرة الكاملة للقوي الكيميائية على النشاط البشري لن يكون لها أثر سيء على معاني الجمال والفن والسعادة في أعماق الإنسان :
فالأرض حقا سوف تتجرد من مزارعها وحقولها
الجميلة ؛ ولكنها سوف تكتسي بعد ذلك بالخمائل الوارقة والزهور البائعة والأعشاب الخضرا ، سوف تنقلب ، عقب جهاد لن يطول ، إلى روضة طبيعية فيحاء ترويها المياء الباطنية في التربة ، ويعيش الإنسان بين جنباتها في رخاء وسعادة ، خلال عصر البشرية المدعي . .
لكن ذلك لا يعني أنه سوف يعيش في خمول وأنحلال أخلاقي . بل إن العمل سيكون من عناصر السعادة . ولقد قيل في كتاب الحكمة المقدس : " من زاد في العلم زاد في العمل " . وفي هذا العصر الذهبي سوف يعمل الانسان أكثر من ذي قيل وفي إخلاص تام ؛ لأنه سوف ينعم بثمار عمله ؟ وفي ذاك ما يدفعه إلى السعي بإنتاجه نحو الكمال ، سواء كان فكريا أوجماليا أو أخلاقيا . . وكل إنسان يعمل فهو إنسان خير ، لأن العمل منبع الفضيلة . .

