الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 649الرجوع إلى "الثقافة"

عامر بن الطفيل، لسير تشارلس ليال

Share

كان بنو عامر بن صعصعة ، الذين ينتمى إليهم هذا الشاعر ، أقوى بطون قبيلة هوازن الكبيرة ، التى يرى النسابة أنها من أبناء قيس عيلان بن مضر ( بن نزار بن محمد بن عدنان ) . وكان بنو عامر ، فى هذا العصر الذى نتناوله بالبحث ، متضامنين تضامناً وثيقاً ، متحدى الكلمة فى منازعاتهم مع جيرانهم ، وأهم بطون عامر : هلال ، ونمير وسواهة ، وأبناء ربيعة من زوجه " محمد " القرشية : وقد اعجب هذا الزواج البطنين القويين المعروفين بكلاب وكعب ؛ ومن كعب : عقيل ، وجعدة وقشير وبطون أخرى لا تعنينا هنا ؛ ومن كلاب عدة بطون أشهرها جعفر وأبو بكر . وكان شاعرنا من بنى جعفر ، ويبدو أنه كانت فيهم رياسة قبيلة عامر بن صعصمة كلها ، فى حياة شاعرنا والجيل الذى قبله ، ما عدا فترة وجيزة .

وكان الأحوص زعيم بنى عامر يوم تعب جيلة الذى لن يزول اسمه . ثم تلاء في الرياسة ابن أخيه عامر أبو براء . الملقب " ملاعب الأسنة " فإن أخيه عامر بن الطفيل شاعرنا . وقد مات معظم الأشخاص المذكورين فى جدول نسب عامر فى الحروب . فقتل عمه ربيعة ، أبو لبيد الشاعر ، فى ذى علق ، وهو يحارب بنى أسد ؛ وقتل عمه عبيده فى ذى نجب ، بعد تعب جيلة بعام ، فى صراعه مع بنى يربوع من تميم ؛ ومات أبوه الطفيل بهرجاب . وهلك من إخوته قيس وحكم فى يوم الرقم ، وحنظلة فى حسمى ، وعبد الله في البناءة ؛ وكنانة والحارث ابنا عمه عبيدة فى الرقم أيضاً ؛ وعبد عمرو ابن عمه حنظلة فى بدرة . وكان أبناء هذه القبيلة يحسون كل الإحساس بما لهم من امتياز ؛ يدعى لبيد فى أول شعر قاله ، وهى أبيات من بحر الرجز قهر بها

الربيع بن زياد فى بلاط النعمان ملك الحيرة ، أن قبيلته فى المركز الأسنى ، قال :

نحن بنو أم البنين الأربعه

ونحن خير عامر بن صعصعه

المطعمون الجعة المدعدعه

والضاربون الهام تحت الخيضعه

وعلى الرغم من تضامن بطون بنى عامر المتعددة واتحارها الظاهر على أعدائها الخارجين ، لم تخل من العداوات فيما بينها دواما . فقد رويت لنا أخبار بعض المواقع بين بنى جعفر وأبى بكر ، الفرعين المهمين من كلاب . وكان بنو عبس تحت حماية بنى جعفر فى يوم شعب جبلة ، وحاربوا معهم فى تلك الموقعة العظيمة ؛ ولكن الصلات فسدت بين عبس وجعفر ، فانسحبت الأولى من حماية الثانية ، ووضعت نفسها تحت حماية أبى بكر . ولم يمر وقت طويل بعد ذلك . حتى انخلعت جعفر عن أخوة بنى عامر ، فيما يبدو ، نتيجة لمعركة نشبت بينها وبين أبى بكر ، وارتبطت ببنى الحارث بن كعب اليمنيين : فلم يشهدوا يوم النسار . الذى نشب بعد شعب جبلة وقت غير طويل ، وكبدت أسد والرباب عامراً خسائر فادحة ، وغنموا كثيراً من الأسلوب واسترقوا بعدداً وفيراً من النساء . وأدى نزاع آخر مع أبى بكر إلى انجلاع جعفر ثانية ، فيما يبدو ، والتجائها إلى حماية بنى الحارث ؛ وتروى أخبار هذا النزاع فى النقائض ص ٥٣٢-٥٣٥ . وأخيراً سوى النزاع بشروط عادلة ، ومهد السبيل الرجوع بنى جعفر إلى قبيلتهم ، واشتراك عامر بن الطفيل فى هذه التسوية . وفى ديوانه مقطوعة واحدة ، - هى رقم ٤ ، البيت الثانى وما يليه - تتحدث عن بنى أبى بكر بلهجة شديدة العداء .

وكانت بنو عامر تعيش فى أراض واسعة مترامية الأطراف فى أواسط بلاد العرب . وإلى شمالها وشمالها الغربى قبائل فطمان العظيمة ، المتألفة من مميس ، وذيبان واسحار وأشجع ؛ وإلى الشرق من هؤلاء أسد ، فجماعة من طبئ . فرهط من تميم ، معظمهم من بنى دارم . ولا بد أن الاراضى التى بين عنيزة ( عنيزة ) الحديثة والرس كانت ملتقى ديار بنى عامر بديار القبائل الثلاث الآخر بالتقريب . وفى شرق

بنى عامر كانت حنيفة ، تنزل اليمامة أو أواسط نجد ؛ وفى غربهم أقرباؤهم بنو سليم ، وكانوا ينزلون على طريق الحج ( وهو الطريق التجارى الرئيسى سابقاً ) من مكة إلى الشمال ويشغلون حرة واسعة تمتد فى الشمال والجنوب ، ويبدو أنها ما يسمى " حرة كتب " فى خريطة دفتى . وفى جنوب سليم يبدأ حرم مكة ، الذى تتصل به أراضى عامر اتصالا مباشراً . وكانت واحة الطائف فى وسط ديارهم ، وهى شديدة الخصب كثيرة الثمار تنزلها ثقيف . وكانت مراعى بنى عامر تنتشر حول هذه الواحة ، وتتصل فى الجنوب بالمنطقة التى يحلها بنو الحارث بن كعب ، وحسنهم ، وعمدان اليمنيون . وكانت منازل بنى عامر في هذه المنطفة - تبالة وبيشة - تختلط بعض الاختلاط بمنازل هؤلاء اليمنيين ، الذين يجمعهم اسم " مذحج "

وقد اخترق مستر دقتى ، فى رحلة من عنيزة ( عنيزة ) إلى الطائف الجزء الشمالى من ديار بنى عامر ، ويقيم فيها الآن بدو عتيبة (عتيبة ) . وكثير من أسماء المواضع المذكورة فى رحلاته ليست إلا أسماء القرنين السادس والسابع بعد الميلاد . وتصف لنا المقتطفات التالية منه مظاهر هذه الديار ( فى الصيف ) :

" نحن الآن ( فى الرس ) على حدود النفود ، وأمامنا سهل خشن كثير الحصباء تحت أقدامنا : ودخلنا المنطفة الوسطى الجرانيتية البازلتية من بلاد العرب ، وهي تمتد من جبال شمر (١)  إلى مكة " ( المجلد الثانى ، ص ٤٥٩ ) .

" وتقدمنا من " النقيل " ( النقيل : الموضع يستراح فيه فى الظهيرة ) فى برية سهلة مليئة بالكتل البازلتية والجرانيتية الرمادية التى تميل إلى الاحمرار ، مثل التى رأيناها فى ديار حرب وشمر فى الغرب . . وفى الصباح ارتحنا محاطين بنفس الأرض المرتفعة ، لا تقع منا إلا على كتل من الصخور البازلتية والجرانيتية . أما الأراضى من القصيم إلى الطائف لغفرة على الدوام ( ص ٤٦٠ ) .

وخلفت عدة قرى وراء الظهور ، ثم - " تقدمنا فى الغد فى نفس الأراضى القفرة المرتفعة ، الملأى بالصخور الحادة

والكتل ، والجبال ، التى تتألف من الصخور والجرانيت . وعند الظهر لم نعد نشعر بالحرارة المحرقة التى كنا نشعر بها بالأمس ، وقرأت فى البارومتر الجاف أننا على ارتفاع يقرب من خمسة آلاف قدم ، فصار هواء الصيف المشرق خفيفاً منعشاً . . وكان إلى يميننا جبل متوسط جرانيتى ، يسمى طخفة . وقبلنا بجوار مياه الغرل ، فى منخفض بين الجبال الصخرية : وكانت الأرض خضراء ذات شجيرات صحراوية خشنة ؛ وفيها آبار ( قلبان ) قديمة يبلغ عمقها اثنى عشر قدماً ؛ وماؤها عذب خفيف " ( ص ٤٦١ ) .

وهذه البرية المرتفعة أحسن مرعى وحتى رأيته فى بلاد العرب : فالشحيرات قليلة ، ولكنه " أرض بيضاء " مغطاة بالأعشاب الصحراوية المسماة " السعى " . . ونرى فى كل مكان منه بعض شجر السمر أو الطلح ، مما يدل على أن الماء ليس على عمق بعيد ( ص ٤٦٢ ) .

( وقد ظن مستر دفنى أن هذه الأراضى على حافة الأمطار الموسمية أو المدارية ، التى تغزر فى أوائل الخريف ، وتستمر عادة خمسة أسابيع أو سنة فى الطائف ) .

" وبعد الظهر اخترقنا نفس الصحراء السنوية ، المليئة بالحشائش الجافة المنتصبة ، ولكنها جد منعزلة : وأصبحت الصخور البازلتية أكثر من الحرانيتية . ورأيت نباتين صحراويين أو ثلاثة للمره الأولى - إنها بشبر متاح آخر " ( ص ٤٦٣ ) .

وتحركنا قبل الفجر بساعة ؛ فأرانا الضوء أراضى أكثر انبساطاً أمامنا ، تكثر فيها أشجار الطلع . . وتملئ بالغليان والعيون المائية . . كما تمثلئ بآثار القطعان " ( ص ٤٦٤ ) .

" ووقفنا بأرض " عفيف " وهى منخفضة كالغرل . محاطة بجال بازلتية منخفضة . . وينمو فى هذه الأنحاء كثير من العشب الطويل المسمى " ثرم thurm" الذى رأيناه على طريق الحج من سورية " ( ص ٤٦٧ ) .

" وتقدمنا من عفيف قبل بزوغ اليوم الجديد . وعندما أشرقت الشمس ، كنا خلفنا السلسلة الجبلية المنخفضة المسماة أطلة على شمالنا ، وظهرت البرية أمامنا أشد ابساطاً : وكانت مغطاة بالعشب الجاف ، ومع ذلك . . لا زالت هناك مراع

أحسن ؛ لقد قلت الجبال الآن ، وأصبحنا لا نرى إلا صخوراً فى موضع المرتفعات والقمم " .

" وقلنا بين جبال مجله "  و " التعتل " فى موضع يسمى "شيرم" وهو منخفض ، شجر الطلح ، ويغزر به عشب قصير شائك له زهر أرجوانى ، يحمل اسم المكان نفسه " ( ص ٤١٦٨ ) .

ودخلت الفاضلة فى منطقة " مستوية ذات مرتفعات ، من الأرض المختلطة بالمراعى الجيدة " ( ص ٤٦٩ ) ، وأخذت تقترب من " تلك البلاد البركانية العظيمة ، أعنى حرة الكتب . وعيرنا أرضاً مبتلة كثيرة المياه الجوفية سيخة ؛ وهى بيضاء اللون من لمعان الندى : وكنا أحيانًا نخترق أراضى سوداء كثيرة الحمى والصخور السوداء .. . وكان فى هذه الصحراء ، المتشابهة الارتفاع والمظهر ، كثير من شجر السمر : ولكن أكثره جاف ، ولم أر شيئاً منه صار خشبياً " ( ص ٤٧٠ ) .

وتقدموا بين حافة الحرة والسهل ، حيث توجد مياه متنوعة ، ولكن معظمها ردىء . ووصلوا إلى " حزم السيد ، وهو مجموعة صغيرة من الطلح ، بديعة الجمال فى أرض " الخالة " الخالية ! وتكثر به ينابع المياه التى يبلغ عمقها تسع أقدام ، وتأخذ مياهها من الأمطار " . . وكان أمامنا على الدوام مسطحات ملحية ، تصل من ورائنا إلى الساحل البركانى " ( ص ٤٧٣ ) . وكان هناك ماء آخر يسمى " المئ " الشعب أو أمياء هكران ، وبه آبار كثيرة ، ويعتبر مورداً رئيسياً للأعراب " ( نفس الصفحة ) .

كذا تقدمت الرحلة ، حتى وصلت القافلة ( القاصدة مكة ) إلى حدود هضبة نجد ، ففارقها مستر دفنى .

وتدل المقتطفات السابقة على أن ديار بنى عامر بها مراع طيبة ، لا تنقصها موارد المياه ؛ ويكثر بها العشب والطلح . وربما كانت الأحوال أحسن فى الجنوب ، فى اتجاه تسيالة . وكانت الجبال والصخور البركانية كثيرة . والسطح متغير إلى حد ملحوظ ، مع تنوع النبات ، حتى فى أشد أيام الصيف .

( للبحث بقية )

اشترك في نشرتنا البريدية