الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 657الرجوع إلى "الثقافة"

عامر بن الطفيل، لسير تشارلس ليال

Share

الآن نصل إلى حادثين غير مذكورين في الديوان ، ولكنهما يبرزان عامر بن الطفيل إلى التاريخ الإسلامي العام لأنهما يربطانه بالنبي ، ونظن كل الظن أنهما اثرا في الأخبار الواردة عن مجري حياته ، بل في حكم النقاد على شعره أيضا .

وأولهما حادث بئر معونة ، الذي أصيب فيه النبي بنكبة فادحة ، في شهر صفر سنة أربع من الهجرة ، بعد غزوة أحد بأربعة أشهر . وتذكر الرواية التي وصلت إلينا ، عن ابن إسحاق ، أن أبا براء عامر بن مالك ، وكان سيد بني عامر ابن صعصعة . قدم على النبي المدينة ، فأهدى له فرسين وراحلتين . فلم يقبل محمد هدية مشرك ، وعرض عليه الإسلام ، فلم يسلم ، ولم يبعد من الإسلام ، واقترح على النبي أن يرسل بعض أصحابه إلى نجد ، ليدعو إلى الدين الجديد ، وأضاف إلى كلامه أنه يأمل أن ينجح الدعاة نجاحا كبيرا . فقال محمد إنه يخشي عليهم أهل نجد . فوعد أبو براء بحمايتهم . وألح على النبي ثانية في إرسالهم . فبعث محمد المنذرين عمرو ، أخا بني ساعدة في المدينة ، الملقب "المُعْنِقُ للموت" (١) في أربعين رجلا من أصحابه ، من خيار المسلمين . وكان دليلهم من بني سليم ، فساروا حتى أنزلهم ببئر معونة ، في الطرف الشرقي من حرة سليم ، بينها وبين أرض بني عامر ، فبعثوا حرام بن ملحان بكتاب النبي إلى عامر بن الطفيل . فلما أناه لم ينظر في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله . ثم استصرخ على البعث بني عامر ليهاجموهم . فأبوا أن يجيبوء إلى ما دعاهم إليه ، فإن فيه خفرا لعقد أبي براء وجواره . فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم من عصية ، ورعل ، وذكوان ، فأجابوه إلى ذلك . فغشوهم وهم في رحالهم ، وإبلهم في المرعى ، فأحاطوا بهم . واحتدم القتال وأظهر الصحابة شجاعة نادرة ،

ولكنهم قتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد ، فإنهم تركوه وبه  رمق ، فارتث (١) من بين القتلى ، فعاش حتى قتل يوم  الخندق ، في العام التالي (٥ هـ) ولم يشهد القتال اثنان منهم ، هما عمرو بن أمية الضمري ، والمنذر بن محمد بن عقبة ، من المدنيين ، إذ كانا يرعيان الإبل . فرأيا من بعد الطير تحوم فوق موضع القتال ، فأقبلا لينظرا ، فإذا القوم في دمائهم ، وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة . وتأهب عمرو بن أمية للفرار ، ليحمل إلى النبي خبر البعث : ولكن المدني قال إنه لا يرغب بنفسه عن موطن قتل فيه أصدقاؤه ، ثم قاتل حتى قتل . وأخذوا عمرا أسيرا ، واتوا به إلى عامر بن الطفيل ، فلما أخبرهم أنه من مضر ، أطلقه ، وجز ناصيته ، وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه . فخرج عمرو قاصدا المدينة ، حتى إذا كان بقناة ، وهو واد قريب من المدينة ، التقي برجلين من بني كلاب من عامر ، عرف قبيلتهما من سؤالهما . فأمهلهما ، حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما، وهو يري أنه قد أصاب بهما ثارا من بني عامر . ولكن هذين العامريين كانا قدما على النبي فأعطاهما عقدا لم يعلم به عمرو . فلما قدم على الرسول فأخبره خبر موت رفاقه وقتله العامريين ، عزم محمد على دفع ديتهما إلى أبي براء .

وتألم الرسول لهذا المصير الذي لاقاء الدعاة ألما شديدا - بل لم يجد على قتلي ما وجد على قتلي بئر معونة . قدعا على قتلتهم . بعد الركعة من الصبح ، وعلى بني لحيان ، وعضل ، والقارة (من هذيل)، الذين قتلوا بعثا صغيرا أوقده إليهم في الرجيع ، وجاء خبرهم في ليلة واحدة مع خبر بئر معونة ، خمسة عشر يوما (ويقال : أربعين) . واستمر يدعو عليهم حتى نزلت عليه الآية ١٢٣ من السورة ٣ (لَيْسَ

لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) ثم بلغ جبريل للنبي رسالة من القتلى للمسلمين، معتبرا إياها من القرآن وهاك نصيا : "بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنْا قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا  فَرَضِيَ عَنَّا وَرَضِينَا عَنْهُ"، وبقيت هذه الآية تتلى فترة من الوقت كجزء من القرآن ، ثم نسخت ، ونزل بدلها الآية ١٦٣ من السورة ٣ ، ونصها : "وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي  سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ، فَرِحِينَ  بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ".

وقد آثار هذا الخبر كثيرا من الشك في باحثيه . فأول ما يلاحظ عليه أنه ورد في وصف للمغازي ، لا الوفود السامية ، ويلاحظ من بداية الخبر عند ابن هشام ١٩٣:٣ أن بعث بئر معونة أرسل في صفر ، بعد انقضاء الأشهر الحرم ، ذي القعدة ، وذي الحجة ، والمحرم ، مباشرة ؛ وقد يدل هذا على أنه كان بعثا حربيا . كما أنه إذا كان وفدا "للدعوة " للأسلام ، لم يكن يحتاج إلى عدد كبير مثل أربعين رجلا ، أو سبعين . أضف إلى ذلك أننا وصلت إلينا رواية أخري للحادث لا تتعرض لعامر بن الطفيل إطلاقا . فقد روي ابن سعد ص ٣٨ في خبر موجز له عن أنس بن مالك ، إن رعلا ، وذكوان ، وعصبة من سليم أنوا النبي فاستعدوه على قومهم ؛ فأمدهم بسبعين رجلا من "الأنصار" كانوا يدعون "القراء" (لأنهم كانوا يحطبون بالنهار للنبي . ويصلون ويتلون القرآن بالليل) . فلما بلغوا بئر معونة ، غدروا بهم فقتلوهم . فبلغ ذلك النبي فقنت شهرا في صلاة الصبح يدعو على رعل ، وذكوان ، وعصبة ؟ وقرأ النبي بهم قرآنا ، هو ما ذكرته آنفا ، زمانا ، ثم إنه رفع أو نسي . ويتفق مع هذه الرواية قول الواقدي بأن دليل القوم كان من بني سليم . ويجب أن نتذكر أيضا أن النبي كان غزا في العام السابق ، ٣ هـ ، بني سليم ، ولم يفز منها بطائل ، لتفرقها في مياهها . ويقول النسابون إن سليم أخت هوازن ، ولكنها ليست بذات صلة قريبة بعامر ابن صعصعة.

وتختلف الروايات اختلافا كبيرا بصدد العقد الذي منحه أبو براء للنبي . وليس من المحتمل أن أبا براء قدم على النبي بشخصه . فرواية الأغاني ١٥ تذكر انه كان مريضا

بالدبيلة، وأنه بعث ابن أخيه لبيدا بهدية من الإبل ليطلب منه مساعدته في إشفائه . فرد النبي الهدية ، ولكنه قال في نفس الوقت إنه لو قبل هدية من مشرك ، لقيل هدية أبي براء، ومع ذلك ، ناوله النبي جبوبة من الأرض ، كان رطبها بأن تقل فيها ، وأمره بأن يذوبها في الماء ، ويسقيها لأبي براء، ويضاف إلى ذلك أن ليدا مكث بعض الوقت في المدينة ، يقرأ القرآن ، فدون سورة الرحمن منه ، وأخذها معه عند عودته . وأعطي الجبوبة إلى أبي براء كما وصف النبي فذوبها وشربها فبرأ .

وأخيرا ، لو كان عامر بن الطفيل مسئولا منذ أول الأمر عن الخيانة التي أدت إلى مقتل البعث ، فمن الغريب ألا يرد اسمه في الدعاء الذي كان يقنت به النبي في صلاة الصبح في المدينة عدة أيام بعد سماعه خبر النكبة .

وأقوي دليل على اشتراك عامر بن الطفيل في مذبحة بئر معونة ، وعلى منح أبي براء نوعا من الأمان للبعث ، يوجد في مقطوعات الشعر المعاصر المرتبطة بالحادث والمحفوظة في ديوان حسان بن ثابت وغيره . إذ يوجد في ديوان حسان ثلاث قطع : رقم ٤٠ ، ثلاثة أبيات في رثاء نافع بن بديل ، أحد القتلى ، ورقم ٩٤ ، في رثاء قتلى بئر معونة كلهم ، مع ذكر المنذر قائدهم باللقب الذي منحه له النبي " المعنق  ليموت" ورقم ١١١ ، يخاطب بها ربيعة بن أبي براء ، ولا يذكر عامرا في أولى هذه القصائد ( التي تنسب إلى عبد الله ابن رواحة أيضا) ، ولا في الثانية . أما الثالثة ، التي تتكلم عن الخيانة، فتطبق على يعاون سليم التي قيل إنهما دعت البعثة ، انطباقها على عامر أو أكثر . ويقول الشاعر (في رواية ابن هشام) في المقطوعة الثالثة (ذكر ابن هشام ١٩٦:٣ والطبري ١٤٤٥ القطع في ترتيب مخالف للديوان)

بَني أُمِّ البَنينِ أَلَم يَرُعكُم              وَأَنتُم مِن ذَوائِبِ أَهلِ نَجدِ

تَهَكُّمُ عامِرٍ بِأَبي بَراءٍ                 لِيُخفِرَهُ وَما خَطَأٌ كَعَمدِ

أَلا أبلغ ربيعة ذا المساعى            فَما أَحدَثتَ في الحَدَثانِ بَعدي

أَبوكَ أَبو الحروب ، أَبو بَراءٍ       وَخالُكَ ماجِدٌ حَكَمُ بنُ سَعدِ

ويقال في التعليقات على هذه القصيدة إنه يخاطب بها ربيعة ، ويحثه على معاقبة عامر بن الطفيل لقدره . وعندما

سمع ربيعة هذه الآبيات ، ذهب إلى النبي وقال : "نقضتها ضربة بسيف أو طعنة برمح؟ قال النبي : "نعم" فرجع ربيعة إلى موطنه وضرب عامرا ، ولكنه أخطأ مقاتله ، فوثب عليه قومه فأخذوه ، وقالوا لعامر : "امتثيل" فأخرجه عامر من الحي ، ثم حفر بئرا ، وقال : " اشهدوا أني جعلت ذنبه في هذا البئر. " ثم رد فيها ترابها وأطلقه .

ويستشهد في شرح القصيدة ٤٠ من ديوان حسان ، مرثاة للمنذر بن عمرو ، قائد الحملة ، من قول اخته ، وهي اكثر وضوحا ، تقول :

اتعشى الا ابكى على المنذر        بسجل عزيز ولا تفترى

وبكئ ابن عمرو أخا الكرمات     وذا المجد ، والنسب الأظهر

تفاوت عليهم ذئاب الحجاز        بنو بهيئة ، وبنو جعفر

يقودهم عامر ذو الشقاء           وذو الغدر والفنك والنكر

فلو حذر القوم تلك الجموع       جموع اخي الحبثة الأعور

لألثقوا ليونا غداة اللقاء            وما ذاك منهم بمستنكر

وليس من سبيل لسوء فهم هذه القطعة ؛ ولكن يبدو أنها أميل إلى الحسم اكثر مما يجب ، كما أنها لا تتفق مع القطعتين التاليتين . وبهئة أحد بطون سليم . أما "ذئاب الحجاز" فمن الغريب أن يطلق على بني جعفر ، الذين يسكنون نجدا لا الحجاز .

ويقول كعب بن مالك الأنصاري ، أحد شعراء النبي لبني جعفر في قطعة ذكرها ابن هشام :

تَرَكْتُمْ جَارَكُمْ لِبَنِي سُلَيْمٍ       مَخَافَةَ حَرْبِهِمْ عَجْزاً وَهُونَا

فَلَوْ حَبْلاً تَنَاوَلَ من عُقيلٍ      لَمَدَّ بِحَبْلِهَا حَبْلاً مَتِينَا

أوِ القُرَطاءِ ما إِنْ أَسْلَمُوهُ      وقِدْماً ما وَفَوْا إذْ لا تَفُونَا

ويبدو أن هذه المقطوعة الأخيرة لا تتفق مع رواية الحادث كما أوردها ابن إسحاق . وذكر الطبري قصيدة أخرى لكعب ، يظهر أنها ، مثل أختها المذكورة حالا ، تقوم بني جعفر ، ومنهم عامر بن الطفيل ، لا لقتلهم وقد المسلمين ، وإنما لعدم حمايتهم لهم من سليم ، وعدم استجابتهم لصراحتهم حين هجم عليهم أعداؤهم .

واخيرا يذكر ابن هشام بيتين لرجل من سليم ، يسمى انس بن عباس ، يفتخر بقتل نافع بن بديل (احد القتلى

المسلمين (ويعتده ثارا لمقتل طعيمة بن عدي، ابن أخته ، الذي كناه أبا الزبان .

وصفوة القول في بعث بئر معونة أنه يبدو أنه بعث حربي ، أرسله النبي لمساعدة أحد بطون بني سليم على بعض البطون الأخرى ، ولم يكن غرضه الدعوة إلى الإسلام عند بني عامر ؟ وفي نفسى كان للنبي الحق في أن يظن أن بني عامر أصدقاء له ، وكان ينتظر عونهم ، لصلته بأبي براء . ولكن خاب ظنه ، ويرهن السلميون على أنهم خونة ، وربما شاركهم عامر بن الطفيل في هجمتهم على وفد النبي . وفي نفس الوقت من المحتمل انه نقض عقد أبي براء بعمله هذا ؟ ويظهر هذا محتملا من أداء النبي دية العامريين اللذين قتلهما عمرو بن أمية في أثناء عودتهما من المدينة إلى قبيلتهما .

ولم يعش أبو براء طويلا بعد حادث بئر معونة ، وتزعم خرافة أن حزنه لخيانه عامر بن الطفيل جعله ينتحر بشرب الخمر القوية إلى أن مات .

(للبحث بقية)

حسين نصار

اشترك في نشرتنا البريدية