الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 658الرجوع إلى "الثقافة"

عامر بن الطفيل، لسير تشارلس ليال

Share

ثاني الحادثين المذكورين سابقا قدوم عامر بن الطفيل على النبي عام ٩ فيما يحتمل ، أو ربما عام ١٠ من الهجرة ، يقول ابن هشام ( ٢١٣:٤ )، والطبرى (١: ١٧٤٥-٧)، والأغاني (١٥: ١٣٧)، وقد أخذوا جميعهم القصة من مصدر واحد ، ورددها بالفاظ واحدة ، يقولون إن وفد بنو عامر بن صعصعة قدم على النبي ، وعلى رأسهم عامر ابن الطفيل ، وأريد بن قيس (اخو لبيد لأمه) وجبار ابن سلمى. ويقال إن عامرا كان يريد الغدر بالنبي . فحينما حثته قبيلته في الإسلام ، قال : "والله  قد كنت آليت ألا انتهي حتى تتبع العرب عقبى فانا اتبع عقب هذا الفتى من قريش ؛ فاتفق مع اريد ان يشغل وجه النبي عنه بالحديث ، فيعلوه أريد بالسيف . فلما قدم عامر على النبي قال : "يا محمد ، خالنى" (اي تفرد لى خاليا حتى اتحدث  معك بمفردك) . فقال محمد : لا ، والله حتي تؤمن بالله وحده . وجعل عامر يكلم النبي ، وينتظر من أريد ما كان

أمره ؛ فجعل أريد لا يحير شيئا . وأخيرا قال ، بعد أن أبي الرسول أن يمنحه مقابلة خاصة برغم الحاحه - "أما والله، لأملأنها عليك خبلا ورجالا " فلما ولي ، قال النبي : " اللهم اكفنى عامر بن الطفيل". ولما خرجوا ، قال عامر لأربد ‏:‏ "ويلك يا أربد ‏!‏ أين ما كنت اوصيتك به والله ، ما كان على ظهر الأرض رجل هو أخوف عندي على نفسى منك :وأيم الله لا أخافك بعد اليوم أبداً . قال أريد : "لا أبا لك ‏!‏ لا تعجل علي ، والله ما هممت بالذي أمرتني به  من أمره إلا دخلت بيني وبين الرجل ، حتى ما أرى غيرك  أفأضربك بالسيف" وخرجوا راجعين إلى بلادهم ، حتى  إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله على عامر بن الطفيل  الطاعون في عنقه ،فمات في بيت امرأة من بني سلول ، فجعل  يقول ‏:‏ "يا بني عامر ، أغدة كغدة البكر "وموتا في بيت سولية"، ودفنه أصحابه هناك ، وقدموا أرض قومهم ، فلما قدموا اياهم قومهم فقالوا : "ما وراءك يا أريد ؟ " قال :

"لا شيء والله ، لقد دعانا إلى عبادة شيء لوددت أنه عندي  الآن ، فأرميه بالنبل هذه حتى أقتله" ، فخرج بعد مقالته  هذه بيوم أو يومين معه جمل له يبيعه ، فأرسل الله تعالى عليه  وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما ‏.

هذه هي القصة ، كما يرويها ابن إسحاق . ولكن هناك رواية أخرى عن لقاء النبي وعامر بن الطفيل ، ليس فيها ذكر لصحبة أريد له ، ولا تقول شيئا عن عزم عامر على قتله . وإنما يقال إن النبي قابلة مقابلة ودية ووسده وساده ودعاء إلى الإسلام . فأجاب عامر إنه يسلم ، على أن له السيادة على البدو ، ولمحمد السيادة على المدن والفري . فابي محمد ، فقام عامر مغضبا قولى ، وقال : "لأملأنها عليك خيلا جردا ورجالا مرددا" فخرج فأصيب بالطاعون ، كما روينا سابقا ، ومات في بيت امرأة من سلول .

وهناك رواية أخري عن موت أريد مختلفة عن الأولى كل الاختلاف، وتذكر انه توفي عام ٤ هـ . بعد رجوع لبيد من وفادته على النبي بأمر من أبي براء . وكما قيل انفا، أقام لبيد في المدينة يقرأ القرآن . ويقال إنه اكتتب سورة الرحمن ورجع بها . فلقيه أريد فقال له : " يا اخي ، أخبرني عن هذا الرجل : فإنه لم ياته رجل أوثق عندي فيه قولا منك". فقال لبيد : "يا أخي ما رأيت مثله" وجعل يذكر صدقه . وبره ، وحسن حديثه . فقال له : " هل معك من قوله شئ ؟ " قال: " نعم" فاخرج له سورة الرحمن ، وقرأها عليه . فلما فرغ منها قال له أريد : " لوددت أنى ألقى الرحمن بتلك البرقة ، فإن لم أضربه بسيفي فعلي وعلي" ونشات سحابة ، فخرجا يبحثان عن بعيريهما . فلما أدرك أريد بعيره ، غشبته صاعقة فقتلته .

ولا تحوز آية قصة من هذه القصص تقتنا . ولكننا لدينا شاهد ، في العدد الهائل من المرائي التي قالها لبيد في أخيه غير الشفيق أريد ، الذي كان يحبه حبا جما ، وهي تنص على أن أريد مات بفعل صاعقة ، وعلى أن لبيدأ لم يكن قد أسلم في ذلك الحين . ومن غير المحتمل أن يأسف لبيد ،

ذو الحس المرهف نحو التدين ، هذا الأسف العميق من أجل أريد ، ورثيه في هذه القصائد الجميلة الكثيرة ، لو كان أريد شريكا في مؤامرة للغدر بالنبي . أو نطق بالعبارة الفاحشة المنسوبة إليه ؛ ويدل عدد هذه القصائد أنها استغرقت فترة كبيرة من الوقت ، ولذلك فالاكثر احتمالا أن أريد مات قريبا من زمن وقادة لبيد الأولى على النبي بأمر أبي براء ، لا بعد ذلك ببضعة أعوام ، في أثناء العودة من وفاة عامر عام ٩ أو ١٠ هـ . ومن المحقق أن لبيدا كان مبالا لقبول الدين الجديد ، وسرعان ما أسلم بعد ذلك ، إن لم يكن قد أسلم قبل ذلك . ومن الأمور التي لها دلالتها أنه لم يصل إلينا أي رثاء له في عامر بن الطفيل .

وجملة القول أنه يبدو لي من الجائز حذف خبر عزم عامر على قتل النبي ؛ إذ أنه لا أساس له . ولكن من الممكن أن يكون هدده . وإن كنا ، بالطبع ، لا نستطيع أن نثق بالروايات المتعارضة التى وصلت إلينا عما جرى بينهما في المقابلة . ومن المحتمل أنه مات حال عودته ؛ ولكننا لسنا على يقين من موته في بني سلول ، كما تشير كلماته الأخيرة (التى سارت مثلا) فالخبر المروي في الأغاني ١٣٩:١٥ ، وفي مقدمة ديواننا (ص ٩١) ، القائل بأن بني عامر نصبت عليه أنصابا ميلا في ميل ، حصى على قبره ، لا تدخله ماشية ، ولا تنتشر فيه راعية ولا ترعي ، ولا يسلكه راكب ولا عاش ، يجعل المرء يفترض أنه مات بين قومه . ويقول أبو عبيدة :

ولم يترك عقبا ، وإن كانت كنيته "أبو على" تبين أنه انجب على الأقل ابنا ، ومن الجائز أنه توفي وهو صغير .

وليس لدينا أخبار عن أول شخص جمع أشعار عامر بن الطفيل ، كما هو الحال في شعر عبيد ؛ ومن الجائز أن يكون أبا عمرو الشبياني . ويقال إن ديواننا الحالي من رواية أبي العباس أحمد بن محيي ، الملقب بثعلب (٢٠٠-٢٩١) تتلميذ ابن الأعرابي وأحد العلماء المشهورين في النحو على المذهب الكوفي . أما مؤلف الشرح أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري  (٢٧١- ٣٢٧ أو ٣٢٨)، فكان من أشهر تلاميذ ثعلب وعلماء الكوفة أيضا . وقد اشتهر برواية شر ح

أبيه الكبير علي "المفضليات" وبتأليف "كتاب الأضداد" (تحقيق هوتسما ١٨٨١)، و" كتاب الزاهر في معاني كلمات الناس" (مخطوط بكويرنى ١٢٨٠) . ويحمل أحد الشروح الكبيرة على المعلقات اسمه أيضا ، وهو موجود في مخطوط بالفسطنطينية ، وقد نشر الدكتور ربر في ١٩١٠ شرح معلقة طرفة منه . ولم يذكر هذا الديوان بالأسم في قائمة المؤلفات التي نسبها إليه " معجم ابن خلكان " و"الفهرست " ولكن لايغامرنا الشك في أنه من تأليفه . فمقدمة وشروح القصيدتين (رقم ١١ و ٢٩) الداخلتين في "المفضليات" تتفق مع شروح ذلك الكتاب الذي يحمل اسم أبيه وقحه هو نفسه ؛ وبينت في ص ١٤١ أن القصيدة رقم ٢٦ مأخوذة من نفس الشرح أيضا . ولا تعطينا التعليقات أخبارا كاملة عن دلالات القصائد التاريخية ؛ وربما لا يمكن معرفتها الآن في كثير من الأحوال ، وفي بعض الأحيان تحتوي على أخطاء ظاهرة ، كما في ص ٩٦ . ١٢٩،١٣٢،١٢٧،١٢٦ . وهناك أخطاء عجيبة ناتجة عن ضعف الذاكرة ، هي الاستشهاد بأبيات مؤلفة من شطرين مأخوذين من مواضع مختلفة من القصيدة الواحدة ، كما في ص ١٢٧،١٢٥،١٢١ . وعلى الرغم من هذه الأخطاء فالشرح له فائدته ، وخاصة في تصحيح النص . والأصل الذي نسخت منه مخطوطتنا حيد ، وكان الناسخ أمينا عادة . وقد أشرت إلى كل موضع خرجت فيه عن النص ، في التعليقات . والأمر هنا يختلف جد الاختلاف عن الجزء الذي يحتوي علي ديوان عبيد من الخطوط (وهو بخط الناسخ نفسه دون شك).

وربما وجدت مجموعات أخري لشعر عامر . إذ يذكر البيت الثاني من القصيدة الثامنة ، في شرح المفضليات ص ٣٣ ، كما في مخطوطنا ، تصرح تعليقة في الهامش بأنه في ديوان عامر : "مثل خشب الغرقد" ولما كانت القصيدة بائية ، فربما دل هذا القول على وجود ديوان في موضع ما تختلف رواية القصيدة فيه كل الاختلاف . ويبدو أن بعض القطع التي في الضميمة مأخوذة من أمثال هذه المجموعة المفقودة ؛ فكل المظاهر توحي بصحة رقم ١ ومن الواضح أن رقم ٢ جزء من القصيدة الثامنة . ورقم

٠٥٠٤ ٦ (مشهورة جدا) ٨٠٧ ( مذورتان في شرح المفضليات) ١١٠١٠ ( من شرح المفضليات أيضا) ١٣ ، ٢٢٠٢٠٠١٧٠١٦٠١٥ كلها من الجائز أنها من قول عامر ، وأخذت من مجموعة أخرى لشعره . أما القطع الأخرى في الضميمة فمشكوك فيها أو من الواضح أنها منحولة . وربما كانت القصيدة الثانية في الديوان (وهي القصيدة الوحيدة الطويلة) عرضة للشك بسبب إصرارها على هزيمة تميم في شعب جبلة ؛ فلو كان عامر ولد في ذلك اليوم ، فمن البعيد أن يذكره كأنما هو حدث قريب . ومن الجائز أن يثير البيت (رقم ١٨) الذي يقال في الشرح إنه يشير إلى قائد بني الحارث بن كعب الذي من المحقق أنه معاصر لعامر ، من الجائز أن يشير إلى أحد الرؤساء الآخرين باسم الحصين ؟ فيوم ذي نجب ، إن كان هو اليوم الذكور في النفائض ٥٨٧ و ١٠٧٩ ، لقي فيه بنو عامر الهزيمة ، لا النصر . ولذلك لابد أنه يقصد يوما آخر . والمقطوعات الأخرى التى يشك فيها هي رقم ١٧ (لذكرها عنترة العبسي)  و ٢٦ .

ولا يصرع في الديوان غير مطلع أربع مقطوعات ، هي رقم ٢، ٧، ٢٨، ٣٢، يضاف إليها اثنتان في الضميمة (١٦ و ٢١) من المحقق أن ثانيتهما متحولة . أما المقطوعات الأخرى فصغيرة ، تدور حول ما يسميه العرب "الفخر" الفخر بالغارات الحربية ومآثر القبيلة . وقد استحسن الأصمعي أسلوب عامر . وقال إنه كان يسمى "الحبر" أي المزين أو المجمل للشعر . أما هو فيسمى نفسه مرارا "ابن الحرب" (١٤ : ١ : ٢٣ : ٤ : ٢٩: ١٠) ، وليس لديه ما يتكلم عنه غير الحرب . ولذلك يجب ألا نتوقع أن نجد عنده التنوع والخيال الشعري اللذين نجدهما عند عبيد . وقد تطرأ لنا فكرة المقارنة بينه وبين عنترة ، الشاعر الفارس العظيم الآخر ؛ ولكننا لم يصل إلينا أى "نسيب" من عامر ، ذلك النسيب الذي تظهر فيه الموارد التى يستقي منها الشعر الصحراوي ، ولذلك لا نستطيع أن نضع أحد الشاعرين إلى جانب الآخر . وما بقي إلا أن نقول ، إن قارئ الديوان سيحكم بنفسه على الرجل وشعره .

اشترك في نشرتنا البريدية