الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 352 الرجوع إلى "الرسالة"

عام الفيل وميلاد الرسول،

Share

كتب أستاذ فاضل بتوقيع   (قارئ)  كلمة في باب البريد  الأدبي من العدد ٣٥٠ من الرسالة، جاء فيها عدة أسئلة إليَّ  بخصوص بعض ما استشكل عليه فهمه في مبحثي   (عام الفيل  وميلاد الرسول)  المنشور بالعدد ٣٤٨ من الرسالة. والذي  أراه أن الروم   (البيزانس)  كانت معرفتهم ببلاد العرب نظرية،  ومن هنا كانت الخطة التي وضعها إمبراطور هم جوستنيان  مع قواد جيشه بارعة، كخطة تجري على خريطة الشرق الأدنى.  فقد كان هو سيقوم بمهاجمة تخوم فارس المتصلة بحدود إمبراطوريته  في الوقت الذي يتعرض قيه حلفاؤه الأحباش بقوات جسيمة من ا لجنوب الغربي لفارس، فيضطر الفرس أمام هذا الهجوم المزدوج  أن يقسموا قواتهم، فيخيف مجموعهم أمام الروم، ويتمكن هؤلاء  من ضربهم الضربة القاصمة التي تقضي على نفوذهم خارج بلادهم  

وهذه الخطة لو رجعت بها إلى   (الخريطة)  لوجدتها سهلة،  تدل على براعة؛ ولكن كل قيمتها تضيع حين تخرج للتطبيق،  فتصطدم بعالم الواقع، لأن الوضع الاستراتيجي لفارس إزاء الحبشة  لا يجعل مجالاً لهجوم كبير عليها، سواء عن طريق البحر بالتعرض  للخليج الفارسي، أو عن طريق البر بمهاجمة التخوم الفارسية من  جهة العراق العربي. ففارس تبعد عن الحبشة بحراً مسافة تتراوح  بين ٢٠٠٠ و٢٥٠٠ كيلومتر، كما أنها تبعد مسافة ١٠٠٠ كيلومتر  وأكثر براً من اليمن قاعدة الأحباش في بلاد العرب. ونجاح  حملة عسكرية على فارس تهاجمها من جهة البحر، تحتاج على أقل  تقدير إلى مائة ألف مقاتل، وبالتالي إلى أكثر من ألف سفينة  تنقلهم إلى الشواطئ الفارسية. ولم يكن الروم ولا الأحباش  ولا الاثنان مجتمعين يمتلكون مثل هذا الأسطول الضخم في  البحر الأحمر والمحيط الهندي. ومن هنا كانت فكرة مهاجمة  فارس بحراً غير ممكنة. ولا تناقض في هذا القول مع القول  بنقل الروم بأسطولهم الصغير في البحر الأحمر قوات الأحباش  

إلى اليمين، وهي قوات لم تزد على بضعة آلاف تقدمت  لسواحل اليمن واحتلتها، وبقيت تنتظر تجريدات وإمدادات  أخرى، كان هذا الأسطول الصغير يقلها من الحين للحين،  من الساحل الإفريقي المواجه لليمن، إلى اليمن. ولا شك  عندي أن اليمن لو كانت متحدة، ولو لم يكن النزاع يأكلها والصراع  على أشده بين أقبالها وبينهم وبين مليكهم، لما نجح الأحباش  في فتحها والاستيلاء عليها بقوات صغيرة. وفي هذا حل للأشكال  الثاني الذي استشكله     (قارئ)  . أما نجاح الهجوم الحبشي برَّا،  فقد كانت تضاريس الجزيرة لا تجعله ممكناً؛ والأحباش كانوا  يعرفون هذا لدرايتهم بشؤون الجزيرة من الوجهة العسكرية عن  طريق التجارب، إذ كانوا يجردون التجريدات العسكرية على  نجران بين الحين والحين إخضاع القبائل الثائرة، ومن هنا كانت  الصعوبات التي يلقونها مضرب المثل. فلا عجب إذا كانت فكرة  الأحباش أقرب إلى الواقع من فكرة الروم، رغم تفوق الروم  عليهم في المعارف والأفكار. ولا يبعد أن يكون الروم لا يجهلون  هذه الصعاب، ولكن الحرب التي طالت بينهم وبين الفرس،  جعلتهم يتعلقون بالأوهام والخيالات علّها تأتيهم بمخرج مما هم  فيه. وهذا الموقف تجد له شبيهاً اليوم في الأحلام التي تداعب  رأس هتلر، في إمكان مهاجمة حلفائه الروس الهند وضربهم إنجلترا  فيها، مع أن هذا الحلم دون تحقيقه من الصعوبات مالا يغيب على  أحد، والهنود يعرفون اليوم استحالته، والألمان تدفعهم الرغبة  لتحطيم بريطانيا لتصوره، بل وتصور نجاحه. وهذا لا يضعف  بأي حال من الأحوال من ثقافتهم وعلومهم التي جعلتهم متفوقين  على معظم أمم الأرض. فإذا وضعنا هذا موضع النظر فإن الإشكال  الأول يزول من نفسه، خصوصاً إذا عرفنا أن معنا حكم التاريخ  الحاضر وليس الماضي

بقى أن الفاضل     (قارئ)   لاحظ أنني قلت في صدر بحثي  أن بر وكوب اليوناني تكلم عن تعرض الأحباش للحجاز بتحريض  الروم، مع أن الأحباش لم يكن قصدهم التعرض للحجاز بل  مساعدة الروم. وهذا صحيح، ولكن كما قلت   (ص٤٥١ عمود٢  من العدد٣٤٨ من الرسالة)  إن إلحاح الروم على النجاشي اضطره  أن يأمر عامله على اليمن بالتحرك شمالاً ومهاجمة التخوم الفارسية،  

ولما كان الطريق الطبيعي إلى هذه التخوم يمر بأرض الحجاز، فإن  القوات الحبشية قد ابتلاها الله بالجدري الذي فتك بجندها فاضطروا  إلى الرجوع والاعتذار للروم عن تقديم المساعدة إليهم. وتكون  بذلك حملة مساعدة الروم وقفت عند حد التعرض للحجاز، ولم  تتجاوزها إلى ما بعدها، فاتخذت في الظاهر شكل حملة على الحجاز،  وكان العنصر المحرض فيها الروم، بدون أن يكون الغرض منها  الحجاز نفسها في حال من الأحوال. وكان يحسن بقارئ أن  يراجع نصوص بر وكوب وشروح نولدكه وكأتاني وملاحظاتي  على هذه الشروح في المصادر التي أثبتها في هوامش البحث، وفيها  سيجد أن بر وكوب يقدر أن الأحباش بتحريض الروم، حاولوا  مساعدة جو ستنيان بمهاجمة فارس، غير أن محاولتهم وقفت عند  حد الحجاز فلم تتعدها، وهذا هو تفسير الكلام، وليس فيه  تناقض ولا تضارب مع ما يجيء بعده    

اشترك في نشرتنا البريدية