ها هو شهر الصوم قد أقبل في قداسته المهيبة وجلالته الباهرة ولياليه الساهرة تتألق مصابيحه بأنوارها الساطعة وتحتشد الدور والمقاهى والنوادي بروادها وزوارها بين السمر والفاكهة ويتبارى الفراء في مختلف العواصم والقري في ترتيل أي الذكر الحكيم ، وهؤلاء الأطفال يعدون مصابيحهم الصغيرة وأناسيدهم السادجة البريئة لتحية هذا الشهر الممتاز على شهور العام بطابعه الأخضر الباسم وها هي الشعوب العربية تستفتح عاما جديدا حافلا بالآمال والأماني المحققة ان شاء الله . أعاده الله على الجميع بالخير واليمن والاقبال .
كنا في أعوام الحرب المنصرمة نخلق السرور خلقا ونتلمس الصفاء في مظاته ومواطنه بين مفاجأة الغارات ومباغتة أبواق الإنذار تتبادل السهرات في رهبة وحذر وتتخبط في الظلام الدامس الرهيب من حائط إلي جدار ، نضل طريقنا حتى يهدينا بصيص من نور عربة أو نافذة جريئة أو سالك
خبير بالمنهج ، ونتحين الليالي القمرة تخرج مع الغارة لوفاء وعد أو قضاء واجب وتحرص كل الحرص على ليالي رمضان أن تذهب واحدة منها في غير ما رسمناه في جدول الشهر ؛ فمن حفلات تكريم الأبطال المجهولين في حي الحسين إلي مواعيد الأصدقاء وهكذا ، حتى سئمت نفوسنا الحديث المعقول والسعر المألوف ، فاقترح بعضنا أن نخرج من القاهرة الحديثة إلي القاهرة العتيقة ، ومن العالم المثقف البصير إلي العالم الغرير الساذج ، وهي خير وسيلة لترويح النفس وانتعاش الخاطر ، وانطلقنا بعد الافطار مباشرة لصديق عليم بحى بولاق ومسالكة ويمعنا ناحية الأكواخ والعشش وسكانها من صغار الباعة وطائفة المعمار ، وجعلنا نطوف على القهوات الحافلة بالمزمار والأرغول لاأصحاب الفن من الموالي الحمر والخضر والبيض ، واهتدينا عند خاتمة الطاف إلي مقهي فسيح الجوانب كثير المقاعد اكتظ بالوفود والزباين لسماع الشاعر القصاص ، فدخلنا وجلسنا بين التحيات والحفارة لنشترك معهم في قصص الشاعر ونستمتع بعذب حديثه ، وقد انقسموا شيعا واحزابا لزعماء
القصة وأبطالها ، واستقل كل حزب بأحد أركان القهوة ؛ فمن اشياع أبي زيد الهلالي - إلي أتباع دياب بن غانم - إلي أعضاء الخفاجي عامر - إلي أنصار الزناني خليفة . وأخذ كل فريق يدلي برأيه وحجته في تأييد زعيمه من بطولته ومواقفه التاريخية في الحروب ومنازلة الأبطال . وانتحينا جانبا على مقربة من الشاعر شأن الحزب المستقل حتي لا يتعين علينا الأندماج في هيئة أو الانضمام لفريق ، فكنا أشبه بجماعة الهتافين الذين يهتفون لكل حزب بجيء في الحكم ويتسلم مقاليد الأمور . وما هي إلا برهة يسيرة حتى أقبل الشاعر بتهادى في مشيته ويلتفت يمنة ويسرة يومئ بالتحية بيده ورأسه في ابتسامة ساحرة ، فيحيونه بأحسن منها ، وهو في هندامه وسمته ووقاره مثال الأديب المحبوب لدي عشاق أدبه ورواد ناديه ، وقد اعتلى منصته الخشبية المرتفعة في صدر المكان وهم في خشوع النساك وسكون الرموس ينتظرون حديثه ويتعجلون القصة التي تشغلهم ، ويتناول الكمنجة الأثرية فيسمعنا بعض ضروبها ، ويبدأ المقال بحرب الأمير دياب للزناني خليفة ، وهنا سممنا ضجة عنيفة من بعض جوانب القهوة أتباع دياب وأتباع الزناتي ، ووزعت أكواب العرقسوس هدية من جانب وهدايا اللب والحمص من الجانب الثاني ، ويتلخص الحديث في أن دياباً أعد حرية مسممة ثم ضرب بها الزناتي فتلقاها بقدمه استخفافا بقرنه ولم تحدث أثرا لأن قدمه كانت مصفحة بالحديد من الداخل ، وكذلك أعد هو حرية مسممة أيضا تصرع من تصيبه في نهاية يوم واحد ولم يسع دباباً إلا مقابلتها بما فعل صاحبه بقدمه ، إلا أنها أصابته وليست القدم فأسرع أبو زيد فأخرجها وضمد جرحه ، وكان لابد له من مكافحة سمها ولا سبيل إلي إخراجه سوي (خرزة السم) الموجودة في وادي اليهود وهو على مسافة يومين ، فركب أبو زيد حتى انتهى لوادي اليهود فلما رأوه خالجهم الشك في أمره وخافوا مغبة زيارته ، فاعتقلوه شهرا كاملا حتى يقرر مجلسهم إطلاقه أو القضاء عليه ، ورجح رأي القائلين باكتساب صداقته وتسلم الخرزة على أن يعيدها بعد
أسبوع ، ثم أسرع في العودة فوجد دياباً في آخر رمق فوضع الخرزة في مكان الحرية فانصرف السم ونهض دياب سليما معافي ينذر ويعلن الحرب على الزناتي ، ونهض أتباع دياب يرقصون ويطربون لشفائه وعودته.
هذه الطبقة من المخلوقات تعيش في القرون الغابرة البعيدة ولا تفكر في معارضة ما جاء في الرواية من تناقض يأباء العقل والتصور ، ثم لا تحفل بما استحدثه العلم من مهلكات الحروب وهي بعيدة أيضا عن كل ما يتصل بالعالم ، فإن أحد هؤلاء في وقت الغارة سمع بعضهم يقول هتلر فصاح فيهم :
- هتلر إيه ؟ والله هتلر ده ما هو راجع إلا لما يوقع قتيل -
هذا النوع المنفصل عن العالم يعيش في خرافة الأساطير الساذجة . وكنا نود لو تعنى وزارة الشئون بوضع قصص في لغة سهلة عن التاريخ الإسلامي والتاريخ الهجري وروايات العشاق في أساليب القصاصين ورواياتهم وإحلالها محل القصص الخرافية لتجعلها بمثابة تمهيد لفهم التاريخ بحقيقته وتقريب مسافة الخلف بين هذا النوع والعالم الذي يعيش فيه ، فتكون قد أسدت يدا بيضاء من أياديها لفئة في وجودها محرومة من الوجود وفي حياتها منفصلة عن الحياة .

