حادٍ من البيدِ هزَّتني قوافله ... والنيلُ يصغي إليه أو يساجله
يلقى الغناء حجازياً فتحسبهُ ... تهجُّد الفجر أوَّابٌ يواصلهُ
أصْغت له مصر، فاهتاجت سرائرُها ... وللديارِ هوى تهفُو شواغله!
معلَّم كيف يُشجى الريح! كيف لها ... تعيدُ تسبيح (داودٍ) فواصِلهُ!
وكيف تخطفُ سحر الشمس نغمته ... فينتهي كل ما قصته (بابلهُ)
وكيف بالجبل الراسي مزامرهُ ... تشجيه حتى يريد الخطو كاهله
خرت لموكبه الوديان ساجدة ... إن الصحاري أذان، وهو قائله!
وللجزيرة وحيٌ في قياثِرهِ ... كادت تضيءُ به الدنيا أنامله
مهد النبوات أرض النور موطنه ... وفي مزار الهدى قامت منازله
سارٍ يهاب الضحى أنوار خطوته ... ويعلمُ الفجر أن الركبَ حاملهُ
وتسمع الطير عنه، وهي شاردة ... فإن دنا سرْبها قرَّت بلابله
حَبُّ، وماءٌ، وأعشاش، وأمنُ حِمى ... فيه الغريب أخٌ، والضيف أهلهُ
سألته: لمن الركبان سائرة؟ ... وللكريم اهتزاز إذ تسائله!
فقال إني من الشرق الذي سطعت ... ونورت منه للدنيا رسائله
من بقعة عَمدُ الإسلام في يدها ... سواعد الدهر يعييها تطاوله!
مشى الرسول عليها فاغتدت حرما ... يجرد النفس للتسبيح داخله
وشع منها كتاب الله، فهي حمى ... لابد يسجد قبل الخطو نازله
بني عليها، وشاد الملك معتلياً ... على المهابة، سيف عز حامله
عرش (الجزيرة) مركوز بقبضته ... وفوق خدَّيه أجرى البأس عاهله!
تلألأت منه فوق النيل زاخرة ... رُؤى جبينٍ أضاءته فضائلهُ
نورُ الشهادة تُبديهِ أسرَّتهُ ... وهالةُ المجد تُضفيها حمائله
وحوله من سماءِ البيد شارقةٌ ... من البداوة تذكها شمائله
عطر النبوات نضَّاح على يده ... كأنَّ خلداً زكَتْ فيه خمائله
وفوق عينيه للتوحيد بارقة ... شعَّتْ ضياءً بما تطوي دخائله:
شهادتانِ هما للرُّوح مرفأه ... فيها منارُ الهدى، فيها مشاعله!
البيرقُ الأخضر الرفراف ضمهما ... هدْياً، نوراً، لمن زاغت دلائله!
(الله أكبر) في الشَّطين هاتفة ... كطير مكة إذ هاجتْ زِوِاجلهُ
رأيته وضفاف النيل تحمله ... والنيل يهتز للأبطال ساحله
في موكب تُفرح الإسلام عزَّته ... وتلفتُ الشرق للماضي مخايله!
وتدهش الدهر إرهاباً بضجَّتها ... ما خلَّفته على الوادي جلاجلهُ
ملكان في مفرق الدنيا ضياؤهما ... عالي الركاب، رحيب الخطو، جائله
قاما على عزةٍ للشرقِ شامخةٍ ... وموردٍ للعُلا فاضت مناهله
كان شعاعين للأيام في زمن ... كانت تَغطُّ على ليلٍ مجاهله
هذا على جبهة الصحراء صولجه ... يفني الجبال إذا هبَّت تصاوله
عالٍ مع الشمس، طواف بسيرتها ... على الوجود نَداه أو جحافله!
وذاك تسحرُ كبرُ الخلد هيبته ... بما بني لِبَنى الدنيا أوائله
على مَحارب من نهر ومن شجرٍ ... أسحاره قانتاتٌ أو أصائله
كم كَبرت لأذان الفجر نخلته! ... وسبَّحت بهوى الباري سنابله!
يا سائران على نور، وخلفهما ... قلب من الشرق تضنيه مشاغله
مُراً عليه بسحر في أكُفِّكُما ... داني التَّداوي، قريب البُرء، عاجلهُ
براحةٍ في حواشيها وصفحتها ... طبُّ الشعوب حَفي النور مائله
مازال (رضْوَى) يناجيها ويذكرُها ... عهداً إلى أبد الدنيا يزا
روته للشرق كثبان مهللة ... وسطرته مواثيقاً جنادله
عهداً من الحب هز الطود فارتجزت ... به الخيام، وغنته قبائله!
ليث البوادي وحاميها وسيدها ... تاريخ سيفك إنشاد تواصله
ضممتها وعصبت البأس في يدها ... وكنت غيثاً تغاديها سوابله
تعلقت بك حين الركب قال: هلا ... وأوشكت بخطى النجوى تناقله
وحين يممت كاد البحر لجته ... تغدو بساط فلاً، غنت قوافله!
ركبت بيضاء بالأرواح دارعة ... جنان مصر لها تهفو بلابله
أحبابك ارتقبوها منذ ما سبحت ... (فاروق) والنيل والوادي وآهله
جرى النسيم سعودياً بجنته ... وللرياض هفت شوقاً هوادله
(عبد العزيز) إليك الحب، يدفعه ... واد ترفف بالبشرى خمائله
حيتك منه سماء شاركته هوى ... بالغيث يفتر في الشطآن وابله
تحية البيد ساق الله فرحتها ... على يديك بشيراً أنت حامله
حار العباد أنجديُّ هواؤهم ... والقطر والريح أنسام تزايله
أم أنها فرحة الإسلام سار بها ... ركب المليكين في شوق يعالجه؟!
عبير يثرب تذكيه مطارفه ... وخيلة العُرب تحكيها صواهله
هذا أذان العلا يا شرق! فاتحة ... يراع منها غوى القلب غافلة!
ضيف الجزيرة، لا وصفاً ولا حلما ... جِنان مصر جنان أنت نازله!
أخوك (فاروق) راعيها وعاهلها ... وأنت فيها أخ طابت منازله!!

