الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 304الرجوع إلى "الثقافة"

عاونوا أبناءكم على النجاح

Share

يشكو مجتمعنا الحديث من عيوب عديدة في أفراده ، صغيرهم وكبيرهم . فيهتم الباحثون الاجتماعيون بدراسة الأسباب التي تؤدي إلي فشل كثير من شبابنا عندما يواجهون حياة العمل والمنزل . ويهتم المشرفون على الأعمال الحكومية بدراسة الأسباب التي تؤدي إلي عدم إتقان رجالها لأعمالهم وما يترتب على ذلك من تعطيل الأعمال وسوء النظام . ويهتم المشرفون على التعليم بظاهرة الفشل في معاهد التعليم المختلفة التي تبدو واضحة عندما تظهر نتائج الامتحانات العامة في كل عام . ويهتم رجال الدين بانحطاط الناحية الخلقية والدينية في كثير من أفراد الأمة .

ومعنى ذلك أن المصريين عموما يفشلون ، ويكونون موضع بحث عندما يواجهون مشاكل الحياة المختلفة ، سواء كانت في صورة امتحانات مدرسية ، أو واجبات يتطلبها العمل والمنزل ، او واجبات وقيود يفرضها الدين والعرف والتقاليد . ولو جمعت أسباب الفشل التي وصل إليها الباحثون المختلفون لوجد انها هي هي بعينها ، وإن كانت تظهر في صور متباينة في المراحل المختلفة من حياة الأفراد .

وقد تكلمت عن بعض هذه الأسباب مفصلة في مقال سابق باعتبارها تؤدي إلي سوء نتائج الامتحانات ، وهي جميعها تعود إلى حالة التلاميد النفسية وما يلازمهم - عندما يواجهون اولى مشاكل حياتهم - من الخوف والتردد وعدم الثقة بالنفس ، وضعف روح العمل ، وعدم تقدير المسئولية ، وضعف الناحية الخلقية والدينية ؛ ورأيت أن أتم حديثى بذكر نواحي الاصلاح التى يمكننا بها أن نأخذ بأيدي ابنائنا إلى طريق النجاح . وإذا كان من حق الأمة ان تطالب ابناءها بأداء واجباتهم نحو انفسهم ونحو مجتمعهم ،

فعلي الأمة وعلي الآباء والأمهات أن يؤدوا واجبهم أولا نحو ابنائهم قبل ان يحاسبوهم على ما يقعوا فيه من اخطاء

والإصلاح منصب في ناحيتين ؛ الأولى : ناحية وقاية الأبناء من عوامل الفشل في الحياة بتقويم التربية المنزلية ،

بعد أن يدرك الآباء والأمهات معنى هذه التربية اولا وقيمتها ثانيا والمعروف أن كل عمل يقدم عليه الشخص يجب ان يعمل على إعداد نفسه للقيام به خير قيام ، فهو يلم بنواحيه المختلفة قبل أن يبدأ فيه . ولكن هناك عمل يؤثر في الفرد ويؤثر في الأسرة ويؤثر في الأمة ، هو اهم وأجل وآخطر الأعمال ؛ ولنقل الفنون لأنه في الواقع فن لا عمل ، وهو فن الابوة والأمومة ، أو فن معاملة الأطفال ، او فن التربية .

ولا نجد مصريا أو مصرية يحاول أن يعرف شيئا عن هذا الفن قبل أن يصبح أبا أو تصبح أما ، أي مربيا أو مربية والمعروف أن تربية الطفل تبدأ قبل ولادته بتربية أمه .

وإذا كانت الأمهات المصريات قد خانهن الحظ فلم يعطين مبادئ هذه التربية ليستزيدوا منها بعد ذلك ، فإن ذكاء الام وحسن إدراكها وإحساسها بالواجب نحو طفلها ، كل ذلك كان جديرا أن يدفع بها إلى أن تعوض ما فاتها بنفسها .

ولكن أين الفتاة التي تقرأ كتابا عن سيكولوجية الطفل ، أو كتابا عن كيفية معاملة الطفل ، او كتابا عن مشاكل الطفل وعلاجها . إنها لو قرأت كتابا عن العناية بالطفل من الوجهة الصحية - وهو بلاشك شئ ضروري - امتلأت نفسها بالغرور واعتقدت انها ادت أكثر من واجبها ولكن امهاتنا لا يدركن ان هناك ناحية تزيد أهمية من الناحية الصحية ، هي الناحية النفسية التي تؤثر بدورها في الوجهة الصحية ، وذلك لان الأخيرة يمكن علاجها بسهولة أكثر من معالجة الاختلال الذي يحدث في شخصية الفرد فأين الأم التي تعرف أن معاملة الطفل في خمس السنوات الاولي من حياته هي التي تترتب عليها شخصيته وهو يافع وهو شاب واخيرا وهو رجل ؟ ! وإن شخصية الفرد ليدخل في تكوينها تفكيره ومعالجته للمشاكل ، وحكمه على الأشياء ، وتقريره للأمور ، وتصرفاته كرجل يعمل

وتصرفاته كرجل يعيش في مجتمع ، وتصرفاته كرجل يحب ويتزوج ، وتصرفاته كأب يعامل ويربي .

أين المصرية التي درست ميول طفلها ، والتي تتصرف لترضي هذه الميول في فلذة كبدها ، لا أن تطلب منه بعقله الصغير وإدراكه الضعيف ان يرضي هو ميولها ؟ ! اين المصرية التى تصاحب طفلها من الصغر إلى المتنزهات لتشرح صدره ،

وإلي أماكن الفنون لتغذي روحه ، وإلى المعارض لترضي استطلاعه ، وإلى المتاحف لتنير ذهنه ، وإلى المكاتب لتوسع افق تفكيره وإلى الأفلام والروايات المناسبة لتزيد ثقافته .

اين المصرية التي تعطى طفلها حقه من وقتها لتشترك معه في ألعابه ، وتستمع إليه وهو يشرح اعماله فتقدرها وتشجعه على اتقان العمل وإتمامه ، وتبث فيه روح الثقة بالنفس والاعتماد على النفس ، والاستقلال ، وحب الغير ، وعمل الخير وتقدير الواجب ؟ ! اين المصرية التي تدرك أن من أخطر الأمور على الطفل في مستقبله كرجل كثرة العناق والتقبيل في طفولته المبكرة ؟ ! اين المصرية التي تعرف ان الطفل في حاجة إلي أن يغذي بالحب قبل أن يغذي بالطعام ، وان الحب عند الطفل هو ان تعضده وتكون بجانبه لا أن تداعبه و تدلله ! واخيرا اين المصرية التي نجدها صديقة لابنها يرتاح إلي الإفضاء إليها بمشاكله ومتاعبه ، فتستمع له وترشده وتنير له الطريق بتجاربها بدلا من ان تنهره وتؤنبه . الأمهات المصريات مقصرات كل التقصير في واجبهن نحو أبنائهن ؛ والأمة تشترك معهن في هذا التقصير نحو أبنائها . الأمة التي تحارب الأمية في القراءة والكتابة عليها ان تحارب الأمية في تربية الأطفال لمن تعلمهن القراءة والكتابة ؛ عليها أن تنشئ الفصول النهارية والليلية ،

وتدفع بالأمهات والفتيات ليتلقين الكثير مما فاتهن معرفته أجيالا طويلة عن أسمى واجباتهن . إنني مدفوعة بالرغبة في وقاية أطفالنا وشبابنا ورجالنا مما هم فيه من خلل في شخصياتهم ، اكاد اقول : امتحنوا كل فتاة في فن التربية قبل أن تسمحوا بالزواج.

أما الآباء فهم يمضون نصف نهارهم ونصف ليلهم بلا عمل خارج المنزل ، وكان الأجدر بهم ان يمضوا هذا الوقت في عمل ثقافي أو مادي مفيد ، ليمكنهم بعد ذلك ان يبثوا روح العمل والاستقلال عند الأبناء من الصغر ، ولكى يعودوا اطفالهم على تذوق العلوم المختلفة ؛ وهو ليس بالأمر الشاق ، فذلك يرضي في الأطفال كثيرا من الميول الطبيعية ،

كحب الاستطلاع والسيطرة والظهور والميل إلى الحفظ والتكرار . وكل عمل يمكن ان ننظر إليه بمنظارين

المنظار الأسود الذي لا يرينا إلا متاعب العمل والضيق من تحمل مسئوليته ؛ والمنظار الأبيض الذي يرينا جانب التسلية التي تأتي من العمل ، والراحة التي نشعر بها بعد حل إحدي مشاكله ، والإحساس بالسرور الذي يأتي من تذوق العمل أثناء قيامنا به وبعد المجهود الذي نبذله ،

خصوصا إذا كان في اتجاه معين يختاره الفرد بحسب رغباته الخاصة . والنظر إلى النواحي المفيدة المادية والثقافية التي تعود علينا من العمل النافع ، وتقدير قيمة العمل الذي تقوم به في حد ذاته ، وشعور الثقة بالنفس الذي يأتي عند إتقانه .

بهذا المنظار الثاني يمكن للآباء ان يجعلوا الأطفال ينظرون إلي العمل ، وعليهم لكي يحببوا أبناءهم في عملهم المدرسي ان يتعاونوا معهم لوضع نظام خاص يقضون فيه وقتا في الاستذكار ، ووقتا للعب والتريض

الآباء يجب أن يقدروا أن الإرهاق في العمل يعطل ملكات الأطفال ويضعف قواهم العقلية والجسمية ، ويقتل فيهم الرغبة في العمل ، ويقتل فيهم روح الاستقلال ، ويميت فيهم شعور الثقة بالنفس ، ويوجد عندهم الخوف والقلق ، وان يتعانوا مع أبنائهم على إصلاح الأمور بالرفق والحزم .

والمدرسة عليها ان تقدر هذه الناحية ، فليس من المعقول - كما يحدث - أن يعطي كل مدرس ماشاء له من الواجبات بدون تقدير لما يأخذون من واجبات اخرى . فعلى المدرسين ان يعقدوا الاجتماعات ليتفقوا على الاعمال

التي تعطى للتلاميذ في فترات معينة ، ولتكن فترات أسبوعية مثلا

والناحية الآخر من نواحي الإصلاح هي ناحية العلاج . وعلاج اختلال الشخصية وعدم توازنها الذي يترتب على المعاملة الخاطئة للطفل في الصغر ، قد يتم بمعرفة الدوافع السيكولوجية التى تدفع الفرد للقيام بمختلف الأعمال

وقد يكون العلاج على أيدي إخصائيين في الدراسات السيكولوجية ، وعلى الأمة ان تزيد في عدد الذين يقومون بهذه الدراسات - بدلا من أن تحاربهم - وعلي الآباء والأمهات أن يدركوا فائدة هذا العلاج ، ولا يخلطونه بالخرافات والتدجيل التي تعودنا عليها قبل ذلك .

وإننا في مدارسنا محتاجون للعيادات السيكولوجية قبل العيادات الطبية . إن المدرسين يتناولون الطفل المشاكس في المدرسة بالتأنيب والضرب احيانا ، والعقاب بطرده من الفصل او من المدرسة ؛ بينما في البلاد الاجنبية

يرسل مثل هذا الطفل إلى العيادة السيكولوجية ، ويتعاون المدرسون والآباء مع الإخصائيين على معاملة الشخص معاملة مناسبة بعد دراسة حالته

إننا في منازلنا ومدارسنا لا ننظر إلي الدوافع التي تدفع أبناءنا للقيام بأعمال قد نعتبرها مخلة بالنظام ، وقد نعتبرها مخلة بالآداب ، وقد نعتبرها مظاهر إهمال وعدم اعتناء ؛ وإنما نحن ننظر إلي أعمال التلاميذ نفسها فقط فنعاقبهم عليها ولا نبحث عن الدوافع لنعالجها . فالمشكلة في هذه الحالة يجب ألا تكون معرفة الأخطاء التي يرتكبونها فقط ، بل معرفة الأخطاء الاساسية التي ارتكبت في حياة الطفل المبكرة ، والتي ادت إلي جعله طفلا مشكلا أو فاشلا .

إن تربية الأبناء تربية خاطئة وتركهم بغير علاج ، ومحاسبتهم على اخطائهم بعد ذلك ، ليزيدهم خوفا على خوف ، وترددا على تردد ، وقلقا على قلق ، وإهمالا على إهمال ، وفشلا

على فشل .

اشترك في نشرتنا البريدية