الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 277 الرجوع إلى "الثقافة"

عباد الله الصالحون

Share

واستطرد صاحبي يقول وهو يحاورني : . . فليس العدل يا سيدي في سن القانون، وليس هو في تأسيس المحاكم، وليس هو في انتشار مكاتب المحامين حول هذه المحاكم، ولا في بروز تلك اللوحات على واجهات المنازل تعلن عن تلك المطايا التي يركبها الراكب للوصول عليها إلي ساحة القضاء . وإنما العدل في القدرة علي هذا الوصول ، في القدرة على دفع الأجر لهذه المطايا، وهو ليس بالأجر القليل . هذا إذا فرضنا في القاضي حلم القضاة المأثور ، وليس كل مأثور بمخبور . فأنت ترى أن العدل - هذا الذي يفرض فيه أن يكون بالمجان، كالماء والهواء- شيء لابد أن يشتري . ولا يشتريه إلا قادر . وعلي حسب القدرة يتفاوت الثمن . وبمقدار الثمن تتفاوت مطايا المرء إلي العدالة . ويتفاوت استقبال المرء في ساحة العدالة . .

قلت: إنك تبهم يا سيدي ، فما عرفنا أن العدل يتفاوت هكذا فيه غني وفقير

قال صاحبي : ويتفاوت فيه جاهل وعالم . ويتفاوت فيه جاهل فقير وعالم غني تفاوتا كبيرا . إنك بالمال والمعرفة تستطيع أن تعجز خصمك الذي عنده الجهل والفقر حتى عن بلوغ باب المحكمة

قلت : وأنت تريد من بعد هذا أن تقول بالطبع إن هذا موقفنا نحن الشرقيين من العالم .

قال : بالضبط . ولكن مع فارق . قلت : فما هذا قال : إن محكمة العالم غير محكمة الأمة ، غير محكمة المدينة. فمحكمة المدينة بها قضاة أجراء ، لا يهمهم في الأكثر من كسب ومن خسر . ولها قانون ، فهو

لازم النفاذ . أما محكمة العالم - المحكمة الدولية - فقضاتها الساسة . والقاضي غير السياسي . القاضي يقضي بالحكم وليس عليه التنفيذ ، أما السياسي فيقضي بالحكم وعليه التنفيذ . فهو لا يقضي إلا بالممكنات ، لهذا لم يكن للساسة قانون واجب النفاذ . وإن صاغوا له قانونا ، فأسموه النظام الجديد " أو " الميثاق الإطلنطي " صاغوه في أوسع الألفاظ معنى ، وأرحب الجمل ساحة . أعني في تلك الجمل التي هي كبعض سراويل أهل البلفان ، تتسع للرجل النحيف وتتسع للرجل الضخم ، وقد تسع الرجلين والثلاثة من الرجال

قلت : إنك تسب الساسة . قال : لا يا سيدي ! فما في الذي أقول من سباب والسب غاية العاجز. إن في الساسة قوما يكون القتل أدنى جرائمهم ، وما هو بالجزاء الذي يزيد في خير العالم شيئا ولكن فيهم قوما جل همهم أن يصنعوا خيرا ، ويؤدوا خدمة ، لا لأممهم فحسب ، بل للعالم كذلك وصدقني ، إن عملهم أشق الأعمال ، وواجبهم أثقل الواجبات ، ومسئوليتهم أكبر مسئولية ، وضمائرهم ، إذ يقضون ، أكثر الضمائر ألما

قلت : وكذلك مسئولية القضاة ، وكذلك ضمائرهم . قال : شتان ما بين مسئولية ومسئولية . وبين ضمير وضمير. إن القاضي ليجري في طريق معبد ، وسنن مرسوم ، هو القانون . وهو لا بأس عليه مما في هذا السنن من التواء . وعلي القاضي أن يجري في هذا السنن وله أن يتخبط إعلانا على التوائه . والقاضي الذكي قليل الضلال قليل العثار ، ولو أني لا أجحد القضاء حظه من الغباوة الإنسانية. والقاضي لا يجمع بين القضاء والخصومة . والقاضي لا معقب لكلماته والقانون يحمي القاضي فلا ينال منه أحد بيد أو لسان أما السياسي فلحمه مأكول وهو اللحم البشري الذي

تواضع الناس على أكله . والسياسي له قانون من صنع نفسه وحزبه ، وهو بحكم عضويته من بعض صناعه ، فعليه وزر ما في القانون من سوء الصنعة ، وعليه وزر التطبيق . والسياسي دائما يجمع بين القضاء والخصومة . فهو في الساحة الداخلية ، بين الأحزاب من أمته ، إنما يقضي في الأمور بعين حزبه وهو في الساحة الخارجية ، بين الأحزاب من الأمم ، إنما يقضي في الأمور بعين أمته وللحزب صوالح . وللأمة صوالح . وللسياسي أيضا صالح البقاء علي رأس أمته . فسفينة الساسة دائما سفينة مثقلة ، تتعاورها الرياح من كل جانب، فمرة تهب جنوبا ومرة شمالا ، ومرة قبولا ومرة دبورا . والربان لا يمضي قدما إذا تعاورته الرياح ، فهو يلجأ دائما إلي الصفح والإصلاح . وإذا ثقلت سفينته رمي ببعض بضائعها .

قلت : فأين نقع نحن معشر الشرقيين من بضائع تلك السفينة ؟

قال : إن الربان يرمي في البحر من بضائعه أثقلها . قلت : إن الذهب أثقل الأشياء . قال : ولكن له قوة شراء عظيمة ، وبه يشتري عند الساحل كل خفيف وكل ثقيل . ألم تهب عليك ريح الأطلسي بخبر ذلك الزعيم الناشئ الذي أعطي قريبا صوته للبيضان ، فلما عتب عليه السودان ، قال هاتوا لى هنا سودانا يصوتون لي ، أعطهم صوتي

قلت : فما العمل ؟ قال : تبنون لكم سفينة تمخر البحار ، فترمون الأثقال فلا ترمون أثقالا

قلت : زدني إيضاحا . قال : تغضب قلت : إن تقل حقا فما عليك من غضبي ! قال : إن التجاء الشرق إلي الغرب باسم الحق يسأله النصفة في كل شئ ، كالتجاء العحائز إلي الله يدعونه

تفريج الكرب . والله يقول : " ولقد كتبنا في الربور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون " ، وقال : " إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين " وليس عند الله كراهة في عباده غير الصالحين . فهو مستعد أن يسبغ عليهم الحياة ولكن غير وارثين - ولكن أجراء غير مالكين ، لهم أجر الخادم من المخدوم . وبهذا أجاز الله أن يصبح قوم في أرضهم غرباء ، ولو عاشوا فيها القرون والعباد الصالحون يهبطون أي أرض ، وينزلون تحت أية راية ، ويرثون الأرض تحت أنوف أصحابها ، راغمة أو غير راغمة . ثم هم يقولون من بعد ذلك : الملك ملككم ، والراية رايتكم ، ولكن الأرض أرضنا وليس عليهم من بعد ذلك جناح في شرعة الله ، في شرعة القرآن، أبدا. فهل ما أقول حقا ؟

قلت : هو الحق المر يا سيدي فما الخلاص ؟ قال : في ترك سياسة النعام . قلت : وما سياسة النعام ؟ قال : تغرز النعامة رأسها في الرمل فلا تري الصائد ، فتحسب أن الصائد بالمثل لا يراها ، فتحس في هذا الأمن  والسلامة . والأمن كل الأمن في أن ترفع رأسها فتملأ عينها من كل ما حولها . وفي اليقظة فرص النجاة ، فإن كان موت ، فموتة اليقظان تأتيه بين عينيه ، أكرم له من موتة تصميه في الدبر ووجه في الرمل مغروز مستور إن حفر الرمل لا تستر النعام ، ولا أخاديد الرمل تحمي الرجال ، ولو حفروها الأميال الطوال بين محيط ومحيط وهذا السائل الذي سيجري في هذه الأخاديد ، وهذه الأنابيب ، لن يمنعه من التدفق في بطن الرمل حالة تنعقد عليها الأجواء فوق الرمال . وهذه السياسة الصحراوية فيها طبع الصحراء ، فيها السراب الخادع . فالتعلق بها تعلق بالأوهام . وهي دليل العجز المتفشى ، وهي من نوعه ولكن فيها على كل حال مشغلة للساسة إلي حين .

قلت : إن الأبواب لابد أن يحميها الساسة قال : نعم ، إذا غاب الجند ، ولكن المنزل الواحد له بواب واحد، فما الحال إذا خرجت كل الأسرة تحمى باب الدار ليل نهار . إذن من ذا الذي يطبخ ، ومن ذا الذي يغسل ومن ينظف ، ومن ينظم ، ومن يكسب العيش . إن البوابين كثروا في الشرق كثرة كبرى حتي ازدحمت بهم الأبواب ، وتركت قيمان الدور تنعي من بناها

قلت : فماذا نصنع ؟ قال : في أي المرافق قلت : في الدين مثلا قال : يرتفع كتاب الله فيكم إلي حيث أراده الله أن يرتفع . و ترتفع أفهامكم إلي حيث أرارها الله أن تكون فلا يرتفع فوق كتاب الله كتاب ، ولا يكون بينكم وبين الله حجاب

قلت : ففي اللغة قال : إن هذه اللغة العربية إما أن تكون لغتكم أو لا تكون . فإن لم تكن لغتكم فاطرحوها ، واتخذوا لغة غيرها من لغات العصر ، أحي وأقمن بالزمان . ولا بضير الله أن تبدلوا لسانا بلسان ، فالألسنة كلها من بدائع الرحمن ، والناس كلهم من خلقه . والتركي والفارسي والهندي والصيني والروسي لا يمنعهم لسانهم من إسلام

وإما أن تكون العربية لغتكم ، فتصرفوا فيها كما يتصرف المالك في ملكه ، فأحيوها ، وجددوها ، وقلموها كما يقلم الشجر مما يخشب من فروعه ، وطعموها كما يطعم الشجر ، وإلا فكيف تستحلون لأمعدتكم ما لا تستحلونه لألسنتكم . إن عز الناس إذا تعارض وعز اللغة ، أو مازعموه عزها ، فتشبثوا به وبها ، ذهب العزان جميعا .

قلت : ففي الأدب . قال : ألا تكون حياتكم كلها أدبا . وأن تقللوا من

الأدب الراقص ، فالرفص ينعش ، ولكنه يمل إذا طال . وليعلم الأدباء أن الدولة الحديثة لا يزال بها مكان لهذا الأدب وهؤلاء الأدباء ، ولكنه يقع منها موقع دور السينما ودور التمثيل ، وهي لا تؤتى إلا عند استرخاء . وليعلم الأدباء أن للحياة مرافق كثيرة أخري ، ليس الأدب على صورته الحاضرة بأرفعها وأنفعها ، وليعلم الأدباء أن الفكر ليس قاصرا على فئة دون فئة ، وأن أرقي الفكر ليس الذي في المرأة ، وأن الفلسفة ليست نعيا علي الدهر ونواحا على الأيام . وإن أدباء الشرق هم في الجملة أبعد الناس عن الحياة كما تعرفها المدنية الحاضرة في تمددها وتعقدها ، لهذا لا يتعدى أكثر ما يكتبون خطرة الشارع ، أو حنجلة المرقص والمسرح ، أو تعري الأجسام على مفارق الأرض والماء . ولهذا يهربون من الحياة الحاضرة إلي حياة أسهل اقتناء في الكتب ، أكل الدهر عليها وشرب الألف والآلاف من السنين . إن الأدب في معناه الواسع أصبح تخصصا ، والكتابة أفانين ، ولا يملك ناصية كل ذلك رجل ولكن رجال عديدون

قلت : ففي الزراعة ؟ قال : أن ينصرف الناس إلي التمسك بأرضهم واستغلالها ، لا كاستغلال الآباء ، ولكن كاستغلال الخصماء ، أو من يحسبونهم خصماء . إن هذه الأرض اليوم يستغلها الخصماء استغلالين ، أحدهما داخلي ، وفيه العيش الرخي ، والآخر خارحي يستجلبون به عطف الامم .والشرقي العربي لا يكاد يدرك كم كان ويكون لهذا الاستغلال الخارجي من أثر هائل في توجيه سياسة الأمم نحو الشرقي وخصمائه ، لأن هؤلاء الساسة يؤمنون بالوراثة الصالحة كان من كان وارثها

قلت : فما قولك في تلك الصناعات الناشئة ؟ قال - فمن منشئها ؟ إن هذا حال لا يغتبط به إلا بلهاء . إنه احتلال يجيزه قانون الساسة وقانون القضاء

على السواء . ولا تحسبن أن منه مخلصا إذا هو استقر إذن لخلصت منه لندن ونيويورك . وما على أهله من ملامة ، فهذه سنة الكون ، سنة الله في أرضه يرثها عباده الصالحون .

قلت : ففي التجارة والاقتصاد ؟ قال : شأنهما شأن الصناعة . وسيظل الحال هذا الحال ، حتى تحتل أخبار الصناعة والتجارة من رؤوس الناس محلا أرحب مما يحتل خبر بافتتاح برلمان أو سقوط وزارة ، وحتى يهتم الناس بخبر مصنع أو متجر أكثر من اهتمامهم بمرسوم يصدر بتعيين وزير أو ترقية وكيل .

قلت : ففي التعليم ؟ قال : هذا مفتاح الباب . هذا هو المخلص الذي ليس كمثله مخلص ، على أن يكون التعليم تدريبا في الحياة . ولا  أكاد أدرك عقلية قوم يرفعون إصبعا في تعويق تعميم التعليم وإرخاصه

قلت : ففي السياسة ؟ قال : حسبك حسبك ! لقد سقتني إلي حيث لم أرد أن أسير . وقولتني ما لم أكن أود أن أقول فكل الذي أردت قوله أن الشرق يجب أن يحل مشاكله بنفسه ، ويحلها في الداخل لا من الخارج . وألا يتمسح السياسة الخارجية في طلب حق لا تؤمن به محكمة الواقع . فمحكمة الواقع غير محكمة القضاء . وساسة الدول تؤمن بالعدل الواقعي لا العدل القانوني وعندهم تجوز شهادة الرحل الغني . المثقف القادر الفاهم ، على الرجل القذر ذي الأسمال ولو حمل في يمناه قانون موسي ، وفي يسراه قانون عيسي ، والقرآن أيضا . فلنرفع عنا الجهل ، ولنرفع عنا الفقر ، ولنرفع منا الجمود ، تكن حجتنا أضخم الحجج في ساحة السياسة العالمية ، وإن تكن أو هي الحجج في ساحة العدالة المدنية

اشترك في نشرتنا البريدية