على غير تعارف بيني وبين الأستاذ الجليل عبد القادر باشا حمزة - رحمه الله - كنت أكن له فى نفسى من الإجلال والإكبار ما نما وترعرع على الزمن : لكريم سجاياه ، وكمال رجولته ، ولما كان يحمل من قلم بارع ، ولما اختطه لنفسه من أسلوب شائق فى الكتابة السياسية
ولقد كنت أحس من أسلوبه هذا أنه كان يرمى إلى إحياء عهد ( المؤيد ) و( الجريدة) فى إعلاء شأن ( المقالة الافتتاحية) ورفع مستواها
فقد كان ( المؤيد ) يمتاز من بين صحف ذلك الزمن بمقالاته الممتعة التى كان يطلع بها على الناس صاحبه القدير ، والتي كان لها من الشأن فى مصر والشرق ما لا يمكن أن يصفه إلا من حضر ذلك العهد وشاهد عظمة ( المؤيد) وقوة سلطانه
ولقد كنا معشر الشباب إذ ذاك ترقب ( المؤيد ) عصر كل يوم - ولا سيما في الأزمات والأحداث الجسام - فتتخاطفه فيما بيننا . فلا والله ما كانت تعنينا حوادثه ولا أخباره ولا برقياته فهذه كانت قدرا مشاعا بين الجرائد جيمعا ؛ وإنما كان همنا المقال الافتتاحى : في شائق أسلوبه ، وبارع نقاشه ، ولاذع سخره ؟ وفيما كان يعالج من مشكلة اليوم او مشكلاته ، وفيما كان يتناوله أحيانا من أدب أو أجتماع أو نقد أو وصف ، أو مقارعة قرن أو مناهضة ند
فلا غرو أن كان (المؤيد) فى الحقبة الطويلة التى عاشها أثر لا ينكر فى نهضة الكتابة المرسلة ، وترقية الفن الجدلى ؛ فقد كان الشيخ على يوسف مجادلا من الطبقة الأولى ؛ ولا غرو أيضا أن أحل الشيخ مؤرخو الأدب بالمكانة اللائقة به بين كبار المترسلين في عصره ، وهو عصر لم يكن قد خلص خلوصا تاما من ربقة السجع وغثائة الاساليب الكتابية فى مصر والشرق العربى
ومقالات الأستاذ الحكيم أحمد لطفي السيد باشا فى (الجريدة ) أشهر من أن تعرف ، فقد عني بها النقاد ، وأطراها المتأدبون ، ومحدثوا عن عمقها ، وبعد فورها ، ونصاعة أسلوبها ؛ غير انه لم يتح لي ان اطلع إلا على قليل منها ومنذ قريب رأيت للأستاذ الدكتور زكى مبارك نقدا فى ( الرسالة ) لمجموعة منها ، انتخبها الاستاذ إسماعيل مظهر من اعداد ( الجريدة ) وطبعها وقدم لها . واني لعلى أمل أن أدرس هذه المجموعة وأعلق عليها فى ( الرسالة ) استكمالا لهذا البحث
ودارت الأيام بعد ( الجريدة ) ، ومرت السنون ، وكنت فى غضونها اتفقد الصحافة السياسية ، فى مختلف نزعاتها وأهوائها لعلي أظفر بذلك الضرب من المقالة الاقتتاحية ، تلك المقالة التى تشف عن علم وإحاطة ، وتكشف عن الحقيقة فيما يعالج من امر وتشعرك بالثقة بأنك إنما تقرأ جدا لا لغو فيه ولا عبث - كل أولئك في سلامة تعبير ولطف تأت وبعد عن التعقيد والحشو- حتى جاء عبد القادر حمزة على ظمأ ، فحقق الرجاء
أدركت ( الأهالى ) أول ما صدرت بالأسكندرية ، ولم أكن قد قرأت بعد شيئا لعبد القادر حمزة ، ولم يكن الرجل حينئذ نابها بين الكتاب ، ولكن لسرعان ما التفتت إليه الأنظار ومحدث عنه الناس ؛ إذ لمحوا فى ( الاهالي ) صفات غير التى يعهدون في الصحف ، ورأوا فيها طرافة ، ورأوا فيها خروجا على المألوف المملول وهنا بدأ عبد القادر ينشئ مقالاته على طريقته الفذة ، وهنا ايضا بدأ القراء يتذوقون فنا جميلا من التعبير ، ولونا شهيا من ألوان التحرير
ولم تعمر ( الأهالي ) ؛ بل اختضرت وشيكا ، وجاء ( البلاغ ) ، فوصل فيه عبد القادر ما انقطع ؛ وطفق يعمل غير وان ولا فاتر . ونضجت ( المقالة ) على مر الأيام ، وصقلتها المرانة وعادت تحمل طابع كانبها ، وتمتاز بصفات لها وحدها
وإذا كان الناس قد شغفوا بمقالات عبد القادر ، فإنما ذلك لإجازتها وسلاستها واستيعابها وبعدها عن الإسفاف والتهاتر ؛ حتى لقد كان في مصارعة الخصم ، ومنازلة للمنافس ، لا يحمل غير المنطق سلاحا للصيال . والمنطق - كما قد تعلم - من خصائص أسلوب عبد القادر للتغلغلة فى صميمه
كان على يوسف يدعو لرأي سياسي؛ وكذلك كان عبد القادر حمزة، فعمدا كلاهما إلى أن يصلا إلى قلوب الجماهير في يُسر لا تكلف فيه، فتوخيا سهولة العبارة، وجانبا النابي من الألفاظ، والمستصعب من التراكيب، كما جانبا الزخرف والتعمل والتفصح، فجاء الأسلوبان من السهل الممتنع حقاً. على أن الرجلين نبتا في عصرين مختلفين كل الاختلاف: فلم تكن الكتابة - كما أشرنا آنفاً - قد نهضت بعد في عصر علي يوسف، بل كانت تحبو إلى النهوض. فليس غريباً إذاً ألا تخلو مقالاته - على ما فيها من حياة وقوة - من زلاًت لغوية وتركيبية، وأن يتداخلها أحياناً شيء من ضعف التأليف، نلحظه دائماً في كتابات ذلك العصر.
ولا كذلك عبد القادر حمزة: فقد نشأ في بيئة غير تلك، وعصر نُبهت فيه العربية، ونضجت الأقلام، حتى إن مصر لتُباهي فيه بكتاب هم بلا شك من مفاخر العربية.
هذه إلمامة عامة مجملة. وتفصيلها يقتضي بحثاً طويلاً، ودراسة مسهبة لهؤلاء الرجال وأزمانهم وثقافتهم، ثم كتاباتهم، وكيف كانت أولاً، وكيف تطورت، وعوامل كل أولئك ونتاجه. ولا شك أن تاريخ الأدب الحديث سيقول في ذلك كله قوله الفصل.

