تحدثنا فى مقالنا السابق عن رائد أول للشعر الوطنى , وهو رفاعة رافع الطهطاوى . وقد توفي سنة ١٨٧3 .وظل الشعر فى مصر خلوا من المعاني الوطنية , إلى أن تجددت فى شعر عبد الله نديم . وهو ما نتحدث عنه فى هذا المقال
هو خطيب الثورة العرابية , وهو أيضا شاعرها، انطبعت فى خطبة وقصائده روح الوطنية المتدفقة . وروح الثورة
ولد سنة ١8٤٥ بالاسكندرية , وبدت عليه منذ صباه مخايل الذكاء اللامع , وظهرت مواهبه فى الترسل فى الكتابة والشعر والزجل والقدرة الخطابية , مع خفة فى الروح , وميل إلى الفكاهة . وجرأة وإقدام , واستخفاف بأحداث الزمن
ولما ظهرت الثورة العرابية أوائل سنة ١٨8١ انضم إليها بطبعه ؛ إذ كانت نفسه تتأجج وطنية , وتتطلع إلى الحرية والمجد . ونجلت مواهبه الخطابية , فصار خطيب الثورة العرابية
ومما يذكر عنه فى صدد الحديث عن شعره الوطنى أنه لما سافر الآلاى السودانى الذى كان يقوده الأميرالاى عبد العال حلمي أحد زعماء الثورة من القاهرة إلى دمياط فى أوائل أكتوبر سنة ١٨٨١ ،كان سفره يوما مشهودا . فاحتشدت الجموع فى محطة العاصمة لتحية الألاى حين سفره , وكان من بين المودعين عرابي والبارودى : عبد الله نديم , فوقف النديم وسط هذا الجمع الحاشد وألقى خطبة
حماسية فياضة بدأها بقوله مخاطبا رجال الجيش : " حماة البلاد وفرسانها !
(من قرأ التواريخ وعلم ما توالي على مصر من الحوادث والنوازل عرف مقدار ما وصلتم إليه من الشرف وما كتب لكم فى صفحات التاريخ من الحسنات
إلى أن قال : وهذا وطنكم العزيز أصبح يناديكم ويناجيكم ويقول :
إليكم يرد الأمر وهو عظيم فاني بكم طول الزمان رحيم
إذا لم تكونوا للخطوب وللردى فمن اين يأتي للديار نعيم ؟
وإن الفتى إن لم ينازل زمانه تأخر عنه صاحب وحميم
فردوا عنان الخيل نحو مخيم تقلبه بين البيوت نسيم
وشددوا له الأطراف من كل وجهة
فمشدود أطراف الجهات قويم
إذا لم تكن سيفا فكن أرض وطأة
فليس لمغلول اليدين حريم
وختم خطبته بقوله : وأحسن ما يؤرخ به اسم الجهادية عند النوازل أن يقال ( مات شهيد الأوطان !) فنادى الجميع ( رضينا بالموت فى حفظ الأوطان !)
ولما شبت الحرب العرابية لازم النديم عرابى فى كفر الدوار ثم فى التل الكبير , وكانت مجلته ( الطائف) تصدر فى معسكر الجيش المصرى
وبعد أن وقعت الهزيمة ظل مخلصا للثورة فى محنتها. فبرهن على وفاء نادر ووطنية أصيلة عميقة . وكان ممن أمرت الحكومة باعتقالهم , وعجزت عن التعرف إلى مقره والقبض عليه , وظل مختفيا عن عيونها وجواسيسها نحر تسعة أعوام . وأعيا الحكومة أمره وجعلت ألف جنيه لمن يرشد عنه ولكنها لم تهتد إليه
وقد وصف ما لقيه من الشدائد أثناء اختفائه فى قصيدة تفيض وطنية وإيمانا وفخرا وشجاعة . وهى من غرر
قصائده قال :
إذا ما الدهر صافانا مرضنا فإن عدنا إلي خطب شفينا لنا جلد على جلد يقينا فإن زاد البلا زدنا يقينا ألفتا كل مكروه تفدى له فرسانه بالراجلينا فأعيا الحطب ما يلقاه منا ولكنا صحاح ماعيينا سلينا يا خطوب فقد عرفنا بانا الصلب صلبا أو صلينا وقررى فوق عاتقنا وقولي : نزلت اليوم أعلى طور سينا علينا للعلا دين وضعنا عليه الروح لا الدنيا رهينا فهل يمسى رهين فى سرور وهل تلقى بلا كدر مدينا إذا ما المجد نادانا أجبنا فيظهر حين ينظرنا حنينا يغنينا فيلهينا التغنى عن الباكى وينسينا الحزينا ولسنا الساخطين إذا رزقنا نعم يلقى القضا قلبا رزينا فإنا فى عداد الناس قوم بما يرضى الآله لنا رضينا إذا طاش الزمان بنا حلمنا ولكنا نهينا أن نهينا
أتحسبنا إذا علمنا علينا طينا أو يروم القلب لينا
نعم للمجد نقتحم الدواهى فيحسب خامل أنا دهينا
تناوشنا فتقهرنا خطوب ترى ليث العرين لها قرينا
سواء حربها والسلم إنا أناس قبل هدنتها هدينا
إلى أن قال :
إلى أن قال :
سلوا عنا ( منابرنا ) فإنا تركنا فى منصتها فطينا
لحكمتنا تقول إذا هذرتم ألا هبى بصفحك فاصبحينا
سرى فينا من الآباء سر يسوق البر نحو المعوزينا
فإن عشنا منحنا سائلينا وإن متنا نفحنا الزائرينا
وقال يصف إحاطة الجند بالنزل الذى كان فيه يريدون اعتقاله اعتقاله فنجاه الله من شرهم :
أأنسى يوم مصر والبلايا تطاردنى ولا ألقى معينا
فكنت (١) الغوث فى يوم كريه أخاف الشهم والحبر السمينا
مدحنا فيه فى إشراق شمس فلما جاء مغربه هجينا !
وهل أنسى هجوم الجند عمراً بلا علم وقد كنا فجينا أحاطوا بى وسدوا كل باب صرنا بين أيدي الباحثينا
وكان السطح مملوءا بجند وخلف البيت كم وضعوا كمينا
فأدركت الوحيد وكان سيدا قريبا من لفخاخ الطالبينا
وأرشدت النديم إلى مكان رآه بعد حيرته مكينا
وأعمى الله عنا كل عين وكنا للعساكر ناظرينا
وصرنا فوق سطح فيه علو يحطم هاويا منه متينا
فلم أرهب وثوبى من طمار ولم أنظر شمالا أو يمينا
ويوم الغيظ كنت لنا مجيرا بسطوته من البلوى حمينا
فقد كنا بلا ستر يرانا أمام العين كل القاصدينا
وكم سرنا بلا خوف جهارا ركبنا الخيل أو جئنا السفينا
وإنى الآن فى خطب عظيم أرى فى طيه داء دفينا
أتانا مخبر من قوم سوء أرادوا وصفنا للحاكمينا
وخاف الضر أحبانى جميعا وقالوا بالوشاية قد رمينا
فعجل بالرحيل بلا توان ولا تخبر صديقا أو خدينا
فأدرك يا أبى نجلا دهاه من الأهوال ما يوهى البدينا
فما خفت المنون ولا الأعادى نعم خفت انشراح الشامتينا
فسرت الليل يصحبنى ثبات لخل نحو منزله دعينا
ورافقنى خليل كان قبلا يوافى حين كنا ظاهرينا
وأدركنا القطار بغير خوف وكنا بالثياب منكرينا
وألقى الله ستر الحفظ فضلا فلم ترنا عيون المبلسينا
وكان الخل منتظرا قدومي بخيل أوصلتناسالمينا
ونجى الله بعد اليأس عبدا يرى الرحمن خير المنقذينا
وإنك لترى هذا الشعر أقوى فى الروح والأسلوب
من شعره فى إبان الثورة . وهكذا يبدو أن الهزيمة لم تنل منه , بل زادته قوة وحيوية وصلابة وبلاغة , وأن الشدائد قد صقلت مواهبه كما تصقل المعادن ويجلى جواهرها على لهب النار . فاحتفظ النديم فى سنى المحنة بما حباه الله من إيمان صادق . وعزم ثابت . وصمود على الايام . وكذلك الشدائد والمحن . يختلف اثرها فى نفوس الناس . فبينما تبعث اليأس والجزع فى النفوس الضعيفة . نراها على العكس
تزيد النفوس الكبيرة ثباتا وصبرا وشجاعة وإيمانا . ومن هنا جاء شعر النديم بعد هزيمة الثورة أقوى منه فى أوج انتصارها
وفى الحق أن النديم هو الزعيم الوحيد بين الزعماء العرابيين الذى استمر فى جهاده ضد الإنجليز وفى نضاله عن مصر فى عهد الاحتلال . و تلك لعمري ميزة كبرى جديرة بأن تحيط اسمه بهالة من المجد والخلود . وقد اهتدت الحكومة إلى مكانه سنة 1891 وقررت نفيه إلى خارج القطر . وفق أوائل عهد الخديو عباس الثاني عفى عنه ورخص له بالعودة إلى مصر , فعاد إليها وأنشأ مجلة ( الأستاذ ) سنة 1892 فتجلت فيها روحه الوطنية التي لم تضعفها الهزيمة ولم تنل منها الشدائد , مما أحفظ عليه الإنجليز وصنائعهم. فتدخل اللورد كرومر وامر بإبعاده عن مصر ثانية . فاضطر إلى تعطيل صحيفته سنة 1893 وودع قراءه وداعا مؤثرا فى آخر عدد صدر منها ( فى ١٣ بونية سنة ١٨٩٣) قال :
" ما خلقت الرجال إلا لمصابرة الأهوال ومصادمة النوائب . والعاقل يتلذذ بما يراه فى فصول تاريخه من العظمة والجلال , وإن كان المبدأ صعوبة و كدرا فى أعين الواقفين عند الظواهر . وعلى هذا فإنى أودع اخواني قائلا :
أودعكم والله يعلم أننى أحب لقا كم والخلود اليكم
وما عن قلى كان الرحيل وإنما دواع تبدت فالسلام عليكم !
وانتهى به المطاف فى منفاه إلى الآستانة حيث توفى سنة 1896 .وشيعت جنازته فى احتفال مهيب مشى فيه كثير من العلماء والكبراء يتقدمهم السيد جمال الدين الأفغانى . ودفن هناك
بالأمس كان غريبا فى ديارهم
واليوم صار غريب اللحد والكفن
