لئن كان يستحق الإعجاب من نبغ - والظروف له مواتية - من اسرة عريقة في المجد او الغني او الجاه أو نحو ذلك مما ييسر للابناء ان يتعلموا ، ثم يشقوا لهم طريق الحياة وطريق المجد ، فأولي بالإعجاب من ينبغ والظروف له معاكسة ، لا حسب ولا نسب ، ولا غني ولا جاه بل و لا القوت الضروري الذي يمكن الغني من أن يجد له وقت فراغ يثقف فيه نفسه
قد يدعو إلي شئ من الإعجاب منظر شجرة يانعة ضخمة مثمرة ، تعهدها بستانيها بكل ما يصلحها ، من وضع في المكان المناسب ، والغذاء الكافي ، والري المتوافر في أوقاته ؛ ولكن ادعي إلي الإعجاب بذرة طرحت حيثما اتفق فمدت جذورها بنفسها تجد في حصولها على غذائها ، فقد تجده وقد لا تجده ؛ وتعا كسها الطبيعة فتكافحها وتتغلب عليها ، ثم هي آخر الأمر تكون أينع ما كانت شجرة وأضخمها وأوفرها إثمارا . كذلك كان من النوع الثاني " عبد الله نديم " كل الدلائل تدل على انه سيكون نجارا أو خبازا ، ولو تنبأ له متنبيء متفائل لقال إنه سيكون نجارا ماهرا أو خبازا ناجحا ؛ فأما أديب يملأ الدنيا ويقود الرأي العام ويحسب حسابه في كل ما يخطه قلمه أو تنطق به شفتاه ؛ فلا يدور بخلد أحد حتى فاتح الرمل والضارب بالحصي .
هذا أبوه أصله من الشرقية ورحل منها إلى الإسكندرية وعمل فيها نجارا للسفن بدار الصناعة (الترسانة ) ثم لم يعجبه هذا العمل فاتخذ مخبزا صغيرا يصنع فيه الخبز ويبيعه ، ويحصل من ذلك على الكفاف من العيش
فما بالك بأسرة من هذا القبيل ، مسكن متواضع ، وخبز إن توافر فإدام غير متوافر ، وملبس لا يراعي فيه إلا أن يستر الحسم ولا يلفت النظر ، وصحة ترك البت فيها للقضاء والقدر
ولكن عم مصباح والد عبد الله رجل جاد في عمله ، قنوع بكسبه ، مستقيم - بالضرورة - في حياته ، من بيته إلي مخبزه إلي مسجده ارسل ابنه إلي الكتاب على باب حارته كما يفعل الناس من مثل طبقته ، يرسلون اولادهم إلي الكتاب زمنا ما ، فإذا اشتد متنهم وقوي جسمهم أخذوهم إلي دكا كينهم في مثل صناعتهم التي تتوارث كما يتوارث المال .
ولكن عبد الله تفوق في الكتاب ، وظهرت عليه ملامح الذكاء فأراد ان يستمر في تعلمه ولم يمانعه أبوه . وكانت الطريقة المعبدة لذلك ان يرسل الوالد ابنه إلى الأزهر ، ولكن أين مال الأسرة الذي يحتمل ذلك ؟ !
على انه في الإسكندرية - قريبا من بيتهم - مسجد هو صورة مصغرة من الأزهر ، يدرس فيه المشايخ ما يدرس في الأزهر وعلى نمطه ، وذلك هو مسجد الشيخ إبراهيم باشا .
فدرس فيه عبد الله نديم ما شاء الله ان يدرس ، ولكنه كان تلميذا خائبا في هذه الدراسة ، لا يصبر على جفافها ، ولا يقدر على حل الغازها ، ولا يتحمل العناء في تفهم كتب نحوها وفقهها ، فكان لا يواظب على درسه ولا يبدي به اهتماما
ولكن حبيب إليه نوع من الدراسة غير منظم ، يوافق مزاجه ، ويناسب استعداده ، وهو ان يصاحب الناشئين في الأدب ويغشي مجالسهم ومجالس اساتذتهم . وما كان للأدب درس منظم ولا هو بعد علما ولا فنا ، وإنما هو هواية كذي الصوت الجميل يهوي الغناء ويقلد فيه من سبقه ، ولا درس ، ولا فن ، ومثل هذا ينظر إليه من اهل العلم بالنحو والفقه نظرة استخفاف وازدراء ، وقد عهدنا
هذا في أيام دراستنا بالأزهر ، أيام كان الشيخ سيد المرصفى يحلق حلقة لدراسة الأدب ، فكان هذا عجبا من العجب ، ينظر طلاب الفقه والنحو ومشايخهم إلي حلقته شزرا
كان عبد الله نديم يغشي هذه المجالس الأدبية التي ليس لها منهج ، فيسمع شعر الشاعرين ، وزجل الزجالين ، ونوادر المتماجنين ، وقصائد الراوين ، فيصغي إلي كل ذلك في فهم كأنه كله آذان ؟ ويدرك من غير وعي أن هذا بابه وهذا فنه ، وانه إنما خلق لا للنحو ولا للصرف . فاشتاقت نفسه أن يسلك هذا المسلك ويسير في هذا الطريق ، وقد منح حافظة لاقطة ، وقدرة علي التقليد فائقة ، فأخذ يحاكى بعد ما اختزن ، ويغنى بعد ما سمع ، فطورا يوفق فيستدعي ذلك إعجاب امثاله ، وطورا يخذل فيستخرج ضحك اقرانه . ومن كل ذلك كان يتعلم .
وإلي جانب ذلك تعلم درسا في منتهي القيمة ، درسا تعلمه حافظ ولم يتعلمه شوقي ، وتعلمه بيرم التونسي ولم يتعلمه توفيق الحكيم ؛ درسا قل ان يفقهه الأدباء مع عظيم خطره وكبير اثره ذلك هو ان نشأته في صميم الاحياء الشعبية مع رهافة حسه ويقظة نفسه وفقره وبؤسه ، علمته أن يحيط إحاطة واسعة بلغة الشعب وادبه ، من امثال وحكايات ووجوه معاملات وصنوف تصرفات ، فرسم ذلك كله في نفسه لوحات كان لها أكبر الأثر في حياته الأدبية المستقلة ؛ والنفس الحساسة الفنانة تختزن حتي حفيف اوراق الأشجار ، وهفهفة الأغصان ، ودبيب النعال ، وحلاوة البسمات ، وادق مجالي الجمال والقبح ، ثم تعرف كيف تستخدم ذلك في فنها متي آن أوانه
ولكن مرحي بذلك كله ، وتبا للحياة المادية ، هل يكسب من ذلك " عبد الله نديم " قرشا ، وهل يستطيع " عم مصباح " ان يحتمل هذا الهذر طويلا ؟ لقد احتمل الإنفاق عليه في الكتاب ، لانه طفل والكتاب خير من البيت ، واحتمله يدرس في " جامع الشيخ ، لانه كان يرجو
في ابنه أن يكون شيخا معمما ، وعالما مطمطما ، يتقرب إلي الله بتقبيل يده ، والتمسح بثوبه ، فأما هذا اللغو الفارغ الذي يسمى شعرا ونثرا فهو عبادة الشيطان لا عبادة الله . ولست اتقرب إلي الله بالإنفاق علي عبدة الشياطين
لقد نفض ابوه يده منه ، فأخذ عبد الله نديم يبحث عن وجه للكسب ، فاتجه اتجاها غريبا ، وهو أن يتعلم فن الإشارات التلغرافية ثم يتكسب منه ، وكذلك كان فتعلمه واستخدم بمكتب التلغراف ببنها
ثم نقل إلي مكتب القصر العالي حيث تسكن والدة الخديوي إسماعيل ، وقد كان قصرا من أفخم القصور ، يقع على النيل فيما يسمي الآن جاردن سيتى " خدم وحشم وموسيقي وطرب ، وما شئت من الوان النعيم والترف ؛ وقد تعلم منه عبد الله نديم كيف يعيش الأمراء والسادة ، كما تعلم في بيته وحارته في الإسكندرية كيف يعيش الفقراء والعبيد .
وعاد إليه في القاهرة شوقه إلي الأدب ومجالس الأدباء ، وكان حظ القاهرة في ذلك أوفي ، ففيها - مثلا - مجلس محمود سامي البارودي ، وكان مجلسا عامرا يسمر فيه السمر اللذيذ : فأدب قديم يعرض ، وادب حديث ينشد ، وعرض للمعنى الواحد صيغ صياغة مختلفة ، ونقد قيم لهذا ولذاك ، يتخلله نوادر فكهة ، واحاديث في الأدب حلوة اتصل عبد الله نديم بهذا المجلس وأمثاله ، وتوثقت الصلة بينه وبين كثير من ادباء مصر إذ ذاك ، وأخصهم سبعة أولع بهم واستفاد من معارفهم وادبهم شاعر مصر محمود سامي البارودي وشيخ الادباء عبد الله باشا فكري ؛ والسيد علي أبو النصر البليغ الشهير ؟ ومحمود صفوت الساعاتي ، الواسع الإطلاع ، الكثير المحفوظ ، المتفنن في الطرائف الأدبية ؛ والشيخ أحمد الزرقاني الكاتب الأديب ؛ ومحمد بك سعيد بن جعفر باشا مظهر الشاعر السائر ؛ وعبد العزيز بك حافظ عاشق الأدب والأدباء الكريم الوفي .
وكان الذي أرشده إلي هؤلاء الأدباء وعرفه بهم ، وأحكم الصلة بينه وبينهم ، الشيخ احمد وهبي احد المولعين بالشعر ، الناظمين له ، والمحرر بالوقائع المصرية في بعض ايامه .
فأتم على هؤلاء وأمثاله دراسته وشرب من منهلهم وارتوي من ينابيعهم ، فهو في النهار تلغرافي ، يتقبل الإشارات ويرسلها ، وبالليل اديب يتقبل نماذج الأدب ويحاكيها
ولكنه لم يمهله الحظ ، فقد غلط في عمله في القصر العالي غلطة سببت غضب خليل أغا عليه ؛ ومن خليل أغا ؟ هو كبير أغوات الوالدة ( ام إسماعيل )، وكان القصر مملوءا بالأغوات ، يقومون بشؤون القصر ، ويستقبلون المدعوات ويصحبونهن إلي باب الحريم ونال كبيرهم خليل أغا من النفوذ ما لم ينله ناظر النظار ولا الأمراء والوجهاء ، لحظوته عند الخديوي إسماعيل ووالدته ، إشارته حكم ، وطاعته حتم ، يخضع له أكبر كبير ، ويسعى لخدمته أعظم عظيم ، رأيه نافذ في الدواوين والمصالح ، يتحكم في مصر والسودان ، ويأتمر بأمره كبار الموظفين والأعيان ، حاز الثروة الضخمة والجاه العريض ، كأنه كافور الإخشيدي في أيامه ، حتى أنه لما عقد عقد زواج الأنجال في القصر العالي حضره النظار والعلماء وكبار الأعيان ، فكان يرأس الجميع خليل أغا يذبح ويسبح ويغضب ويبني مدرسة
فما عبد الله نديم إذا غضب عليه خليل أغا العظيم ؟ ! إذا غضب عليه غير خليل اغا فصل من وظيفته ، ولكنه إذا غضب عليه خليل اغا ضرب وطرد ، وضاقت عليه الأرض بما رحبت
سدت في وجهه ابواب الرزق في القاهرة كما سدت في الإسكندرية ، وانتهي به الأمر إلي ان ينزل علي عمدة من عمد الدقهلية يقيم عنده ويعلم أولاده ؟ ثم ما لبث ان تخاصم مع العمدة ، فأما العمدة فيري أنه آكله وأسكنه
مقابل تعليم أولاده ، وأما عبد الله نديم فيري ان هذا حق الضيف ويبقي له اجر التعليم ، وقد قدره بثلاثين جنيها . واختلفت وجهة النظر ، وتشادا ثم تسابا ، وغلي مرجل عبد الله نديم ، فكان ذلك نعمة على ادبه إذ انفجر المرجل ، وتدفق عبد الله نديم يصوغ في هجاء العمدة ادبا لاذعا ، تدفعه عاطفة حادة ، فعرف نفسه اديبا ، وعرفه من حوله لسينا يملك ناصية القول .
واتصل أمره بعين من اعيان المنصورة ذي مروءة ، فاستدعاه وأ كرمه ، وفتح له دكانا يبيع فيه المناديل وما إليها ، فاتخذ دكانه متجرا للمناديل ومتجرا للادب ، يجتمع فيه بعض اصحابه يتذاكرون الأدب ، ويتناشدون الاشعار ، ويتبادلون النوادر ، وبين هذا وذاك تأتي شارية لمنديل ، أو شار " لعصبة "
وكانت هذه العادة فاشية في المدن ، فقد يكون التاجر ذا ثقافة فقهية أو أدبية ، فيتخذ أصحابه من دكانه مكانا للبحث في الفقه أو الحديث في الأدب ، إذ لم تكن قد غزتنا المدنية الأوربية فعلمتنا التخصص ، وان مكان التجارة للتجارة فقط ، وأما الحديث في العلم والأدب فله مكان آخر . وقد أدركنا في أول زماننا شيئا من هذا ، فكانت بعض الدكاكين مدارس ، وخاصة في الأدب ، لأن الأدب لم يكن يدر رزقا ، وإنما هو فن للمتعة . وكثير من أدباء عصر عبد الله نديم كان من هذا الطراز ، فحسن أفندي عبد الباسط الأديب الشاعر الهجاء ، كان في بعض أيامه يفتح دكان عطارة في الزقازيق ، ويجتمع به في دكانه أدباء الزقازيق وظرفاؤها ؛ والشيخ أحمد وهبي الشاعر الأديب كان له دكان طرابيش بالغورية ، وكانت مجتمع الأدباء والشعراء . ولكن أكثر هؤلاء لم ينجحوا في تجارتهم ، فالأديب فنان ، والفنان - في الغالب - سمح ، يقدر الذوق الفني أكثر مما يقدر الدرهم والدينار ، والتجارة تحتاج إلي الضبط والدقة ، والعناية بالإيراد
والصرف ؛ والفنان - عادة - محلول لا تطيق نفسه القيود والحدود . علي كل حال وجد عبد الله نديم بعد برهة دكانه وليس فيها مناديل ولا جوارب ، ولكن جماعة يتناشدون الأشعار ، ويستهلكون ولا يغلون ، فأغلق دكانه وطوف بالبلاد ينزل ضيفا على هواة الأدب ؛ إلي ان نزل بطنطا ، وصادف مولد السيد فكانت له حادثة ظريفة لفتت إليه الأنظار وشهرته بين الناس
وكانت البيوت أعظم شأنا من الدكا كين في انها مجتمع الاصدقاء ، من ذوي العلم والفن ، يسمرون فيها السمر اللذيذ ، ويتحادثون الحديث الظريف هذا بيته منتدي الأدباء ، وهذا بيته مجمع الفقهاء وهكذا ، فيكاد كل رجل يعرف مكانه من هذه البيوت حسب ذوقه وميله ، ويكثر ذلك في طبقة الاوساط والاغنياء من ذوي الميل العلمي والفني . وادركت في حارتنا المتواضعة ثلاثة بيوت من هذا القبيل ، كان صاحب احدها قاضيا شرعيا كبيرا
فكان بيته منتدي الفقهاء والعلماء يتسامرون عنده في الدين والفقه ؛ والثاني موظفا ظريفا يسمر عنده أصحابه في الأخبار والفكاهات ، ليلة يدعون مقرئا جميل الصوت ، واحيانا فكها حسن الحديث ؛ والثالث دفافا يضرب علي الدف في الأفراح ، فكان عنده كثير من هواة الآلات الموسيقية ، يحيون عنده الليالي الملاح حتى الصباح . فما بالك بالموسرين إذا شغفوا بأدب أو علم أو فن ، وكانوا كراما يفتحون بيوتهم لهواة من أمثالهم ، يجدون فيها الطعام الشهي والفن الشهي
كان بيت شاهين باشا كنج بطنطا - وهو مفتش الوجه البحري إذ ذاك من هذا القبيل ، كرم حاتمي ، وذوق ادبي ، وظرف نواسى ، فتعرف به عبد الله نديم ، فوجد فيه شاهين باشا قبح منظر ، ولكن طلاقة لسان ، وخفة روح ، وسرعة بديهة ، فغطى ذلك على قبح منظره ، واتخذه له نديما ( يتبع)
