الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 288 الرجوع إلى "الثقافة"

? - عبد الله نديم

Share

كانت الظروف التي تولي فيها الخديو عباس ظروفا دقيقة ، شاب ناشئ في الثامنة عشرة من عمره ، دعي من ) فينا ( حيث يتعلم لبتولي الحكم في مصر ؛ ومصر قد أنهت ثورتها العرابية واطمأن الإنجليز إلي احتلالها ، ووضعوا أسس نظامها ، وتمكنوا من وضع أيديهم على كل شأن من شؤونها ، وعباس الشاب قد بث في نفسه آراء الاستقلال والشعور بالوطنية ، والعزم على العمل لاسترداد مصر ما فقدت ؛ وهو يعيب على جده إسماعيل ) إسرافه ، ويعيب على أبيه توفيق استسلامه ، وعلى رجال المعية ضعفهم؛ وشباب الأمة يبلغه هذا الشعور فيجاوبه ، فيتوجه الخديو لصلاة الجمعة في المسجد الحسبي فيقابله الشعب في حماسة ، " ويتقدم الطلبة وغيرهم من المحتشدين بالسكة الجديدة نحو العربة الخديوية ، ويقصون جيادها ويجرونها بأنفسهم"، ويغير الخديو رجال المعية بغيرهم ممن هم أقرب إلي نفسه ومبادئه .

وفي ذلك الوقت كانت فرنسا تشعر بخطئها في سياستها الماضية التي آلت إلي ضعف نفوذها في مصر ، وأخذت تبحث عن طريقة لاسترداد بعض ما فقدت ، فأملت أن يكون من هذه السبل الالتفاف حول عباس "

وتركيا كذلك تأسف هذا الأسف ، وتتجه هذا الاتجاه - وكل هؤلاء وهؤلاء يعتمدون علي وعد إئجلتر بالجلاء عند صلاح الأمور

والحكومة الإنجليزية تلوح في البرلمان الإنجليزي من طرف خفي بالنصح لعباس أن يتبع سياسة والده في مسألة الإنجليز والتحالف معهم .

وأخذ الخديو عباس يتصل بالشعب ويوسع نفوذه من طريق الرحلات في المديريات ومقابلة الأعيان والعلماء ،

وزيارة المعاهد والمدارس ، كما أخذ يميل إلي مباشرة الأعمال بنفسه بالاتصال بالمديرين ، وتكليفه الإخصائيين بكتابة التقارير عن نظم التعليم والجيش ونحو ذلك ؛ فبدأ بعد ذلك ومن أجل ذلك شيء من الجفاء بينه وبين اللورد كرومر ، وتسرب ذلك إلي الشعب .

عند ذلك بدأت تظهر في البلد تيارات مختلفة ، وبدأت توضع بذور الأحزاب المختلفة ، وبدأت تتجلي بوضوح اتجاهات الصحف المختلفة .

هذه تؤيد الحركة الوطنية وتناصر الميول الخديوية ، إما عن إخلاص ، وإما رغبة في الاستفادة ، وإما خدمة للسياسة الفرنسية ؛ وهذه تؤيد السياسة الإنجليزية ، إما رغبة في الاستفادة ، وإما عن عقيدة أيضا

وظهر أثر ذلك في الجدل في المجالس والمناظرة في الصحف . في هذا الأفق المملوء بالسحب ، ظهر عبد الله نديم ( ثانية ، وقد سمح له الخديو عباس بدخول مصر ، فمكث قليلا يتعرف الأحوال ، ويدرس ما فاته من شؤون مصر مدة غيابه ، ثم صح عزمه علي تحديد الغرض وإنشاء جريدة الأستاذ"، قال عنها : " ) إنها جريدة علمية تهذيبية فكاهية ، تصدر يوم الثلاثاء من كل أسبوع ، وظهر العدد الأول منها في أول صفر سنة 1310 هـ - 23 أغسطس سنة 1892 ، يتولي هو تحريرها ، ويتولي أخوه إدارتها؛ وقد كتب في أول عدد منها إنها لا تتعرض للسياسة العملية الإدارية ، أما السياسة من حيث هي فن فإنها تدخل في موضوعها العلمي

كانت في أول أمرها تعد امتدادا لجريدته " التبكيت والتنكيت " من حيث موضوعها وأسلوبها ، فهي تعني أكثر ما تعني بنقد العيوب الاجتماعية في المجتمع المصري وفيها مقال أو نحو ذلك في شؤون الإصلاح السياسي من وجهة عامة ؛ ثم هي تحرر باللغة العربية الفصحي في المقالات السياسية الإصلاحية ، وباللغة العامية في الموضوعات الاجتماعية

والمطلع على ما كتب في هذا العهد يري أنه بعد رجوعه من مخبئه قد فوجئ بموجة من الانحلال الخلقي في البلاد : فإفراط لم يكن معهودا من قبل في شرب الخمور ، وعدم اكتراث الشاربين بنقد الناقدين وعيب العيابين ، وانتشار للخمارات في المدن والبلاد والقري ، وابتزاز الأروام للأموال عن طريقها - وشعور النساء بالحرية ، فهن يكثرن من الخروج في الشوارع متبرجات بزينتهن ؛ ثم الحشيش والمعاجين والإفراط فيها والاحتفاء بمجالسها ؛ ثم استعمال كلمة الحرية وسيلة للأنهماك في اللذات والشهوات ؛ وأعجب من ذلك السقوط في تقليد المصري للأوربي تقليدا أعمي في لوي لسانه بالقول ، والتشدق باستخدامه كلمات أجنبية أثناء حديثه بالعربية ، ولبس الضيق المحبوك من الثياب الإفرنجية ؛ فنقد كل ذلك في أسلوب قوي جريء ، واتهم الأوروبيين بتشجيعهم هذه الأمور حتى يسقط الشرق وتنحل أخلاقه ؛ ونقد كذلك مناهج التعليم في البلاد ، وخلوها من بث الروح القومية والعصبية المصرية ، وحث أبناء البلاد علي إنشاء الجمعيات الخيرية التي تسد هذا النقص ، ونحو ذلك

وعجب مما رأي من أن كثيرا من أولى الرأي في الأمة أصابتهم الدهشة والرعب من الاحتلال ، فانطووا على أنفسهم ، ولزموا دورهم ، فإن تكلموا في الشؤون العامة فمن وراء حجاب ، وتركوا الناس مبلبلة أفكارهم ، مضطربة نفوسهم ، لا يعرفون أين بتجهون ؛ فدعا إلى خروج ذوي الرأي من عزلتهم ، واختلاطهم بالرأي العام في المجامع العامة يخطبون فيهم ، ويشرحون ما حدث وما يحدث ، حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم .

في كل ذلك كتب " عبد الله نديم " في الأعداد الأولى من " الأستاذ " - ووجد النفوس مستعدة لهذه  الدعوات كأنها حائرة تنتظر الدليل ، ضالة تلتمس الهادي ؛ فانتشر " الأستاذ " انتشارا فاق ما كان يتوقع ، فقد كان يطبع منه حول ثلاثة آلاف ، كأكبر جريدة يومية إذ ذاك ، وأعيد طبع الأعداد الأولى منه

وقد حاول مرة أن يحرر الجريدة كلها باللغة العربية الفصحى ، فأتته رسائل الاحتجاج الكثيرة تذكر له خطأه لأن المرأة تسمع مقالاته في بيتها ، والعامي يسمعها وهو في مصنعه ومتجره ، والفلاح في حقله ، وكلهم يستفيد من نقده وكثير يتعظ بنصحه ؛ فنزل علي رأيهم ، وأعادها كما كانت عربية فصيحة في بعضها ، عامية في بعضها

ثم نراه تعلو نغمته شيئا فشيئا في الميدان السياسي ، ومناصرة الحركة الوطنية ، ومؤازرة الخديو عباس ، ومناهضة الاحتلال حتى نراه في العدد الصادر في 17 يناير سنة 1893  يظهر قويا واضحا في هذا الاتجاه الوطني ، ويفتتح العدد بمقال جريء عنوانه "لو كنتم مثلنا لفعلتم فعلنا " وهي كلمة كانت تتردد في بعض الصحف الأوربية يخاطبون بها الشرقيين ؛ ويقع المقال في ست وعشرين صفحة من أقوى ما يكتب ، يصف فيها حالة الغرب وحالة الشرق ، ووسائل الاستعمار وما إلي ذلك ، ويندد بالغربيين في أساليبهم ، وبالشرقيين في غفلتهم ، ويشرح ما تفعل الأمم الغربية لرقيها ، وما تنشره في أمم الشرق لانحلالها ، وما يفعله المصريون في تخاذلهم وتواكلهم ، ويدعو إلي الالتفاف حول الخديو ومطالبته بالمحافظة على حقوقه الشرعية ؛ ويختم المقال بقوله : " وبالجملة فقد بلغ السيل الربي - فان رفأنا هذا الخرق ، وشددنا أزر بعضنا ، وجمعنا الكلمة الشرقية ، مصرية وشامية وعربية وتركية أمكننا أن نقول لأوروبا : نحن نحن ، وأنتم أنتم ؛ وإن بقينا على هذا التضاد والتخاذل واللياذ بالأجنبي فريقا بعد فريق ، حق لأوروبا أن تطردنا من بلادنا ، وتصدق في قولها : " لو كنتم مثلنا لفعلتم فعلنا "

واستمر على هذه النغمة كذلك في الأعداد التالية . والمطلع على الحوادث التي كانت تجري في تلك الأيام ، يري أن علو هذه النغمة كانت صدى لما يحدث من أزمات ، ففي هذه الأيام بعينها اشتد الجفاء بين الخديو عباس واللورد  كرومر؛ ففي 15 يناير سنة 1893 أقال الخدبو مصطفي بإشا فهمي . منتهزا فرصة مرضه ، وعهد إلي حسين فخري باشا بتشكيل

الوزارة ، فعارض اللورد كروم في أن تعيين الوزارة من غير أخذ رأيه ؛ واشتد الأخذ والرد ، وأنذرت إنجلترا الخديوي إنذارا شديدا ، وانتهت المسألة باستقالة حسين فخري وتعيين رياض باشا حسبما أشار اللورد كرومر . وانتشر الخبر في الشعب ، فأقبلت الوفود على الخديو في 18  يناير تلقى الخطب في تأييده في موقفه ، وظهر أثر ذلك واضحا في الجرائد التي تناصر الحركة الوطنية ، فكان هذا هو السبب فيما نري من حرارة مقالات النديم في تلك الأيام وما بعدها ، ومناصرته للخديو ، ومنازلته للجرائد المخالفة في قوة ووضوح

وهو - مع هذا - يتوسع في اقتراحات الإصلاحات الاجتماعية : فينقد علماء الأزهر في انزوائهم وعدم معرفتهم بالدنيا وما يجري فيها ، ويضع برنامجا واسعا لإصلاح الأزهر ؛ والزراعة في مصر وتأخرها ، ووجوب إصلاحها على أساس علمي صحيح ، وفوضي اللغة العربية ، ووجوب إنشاء مجمع يحفظ كيانها ويكمل نقصها ، والخرافات والأوهام ، والطرق الصوفية وما يجري فيها من مخاز وعيوب . . الخ .

ثم علت نغمته طبقة أخري ، فأخذ ينقد الإنجليز صراحة في سياستهم في الهند ومصر ، ويسب من يلوذ بهم ، ويهيج الناس على المبشرين وطرق التبشير ، ويقول : إن السياسة تؤيدهم وتلعب ألاعيبها من ورائهم ، فتألبت عليه الجرائد المخالفة له في مذهبه من إنجليزية وعربية وحذرت منه ، وقالت إنه يعد البلاد لفتنة بين المسلمين وغيرهم ، وبين المصريين بعضهم وبعض ، ويحرك الضغابن بين المصريين والأجانب ، وبهيئ لثورة كالثورة العرابية ، ونصحت أولى الأمر من الإنجليز أن يأخذوا حذرهم منه ، وإلا ساءت العاقبة . وشهرت به بعض الحرائد الإنجليزية كالتيمس ، والديلي نيوز ، وقالت : إنه متعصب للدين ، مقبح لجميع أعمال الأوروبيين ، وإنه ثوري مهيج وأيدتها المقطم ،

ودافع عنه المؤيد والأهرام والوطن ، وبعض الجرائد الفرنسية ؛ ولم يأل هو جهدا في منازلة خصومه والتشهير بهم ، وإعلان عدم المبالاة بما يجري له ، فقد لاقي العذاب ألوانا في أيام اختفائه ، فكل ما سيناله هين بالقياس إلي ما لقي ؛ وأعاد نشر قصيدة له في ذلك كان قد أنشأها في مخبئه منها :

إذا ما الدهر صافانا مرضنا  فان عدنا إلي خطب شفينا

لنا جلد علي جلد يقينا      فإن زاد البلا زدنا بقينا

إذا ما المجد نادانا أجبنا  فيظهر حين ينظرنا حنينا

يغنينا فيلهينا التغني      عن الباكي وينسينا الحزينا

ولسنا الساخطين إذا رزئنا نعم يلقي القضا قلبا رزينا

إذا طاش الزمان بنا حلمنا   ولكنا نهينا أن نهينا

وأخيرا طلب اللورد كروم من الخديوي عباس نفيه فأطاع ، ولم يستطع أن يحمي من كان يحميه ، وودع " الأستاذ " قراءه في آخر عدد منه صدر في 13 يونيه سنة 1893 فكان عمره أقل من عام ؛ ولم يذكر في وداعه السبب الحقيقي الذي من أجله أغلق " الأستاذ " ونفي صاحبه ، بل قال إن سبب ذلك المرض وحاجته إلى الاستشفاء؛ وقال في آخر وداعه وما خلقت الرجال إلا لمصابرة الأهوال ، والعاقل يتلذذ بما يراه في فصول تاريخه من العظم والجلالة ، وإن كان المبدأ صعوبة وكدرا في أعين الواقفين عند الظواهر ، وعلى هذا فإني أودع إخواني قائلا :

أودعكم والله يعلم أنني أحب     لقاكم والخلود إليكم

وما عن قلي كان الرحيل وإنما   دواع تعدت فالسلام عليكم

وكان ينشر ملحقا " للأستاذ " صفحات من كتاب ألفه وهو في المخبأ اسمه " كان ويكون "، جمع فيما بعد ، ولم يتم - مع الأسف - نشره . كان يريد من تدوينه عرض خلاصة أفكاره الدينية واللغوية والسياسية والأدبية والتاريخية والإنسانية ، ملتزما فيه حرية الفكر ، وعدم التعصب لدين أو جنس ، ذاكرا فيه ما شاهده في مصر

البقية في أسفل الصفحة التالية (

من أحداث ، مبينا ما وراءها من علل

ووضعه على نمط قصصي ، إذ كان له صديق فرنسي أتي من باريس قبيل الثورة العرابية ، وتعلم العربية والتركية ، وأقام في مصر متتبعا حوادثها ، وعرف عبد الله نديم في الإسكندرية سنة 1292 هجرية وتوثقت بينهما الصلة ؛ وكانت له عزية قريبة من البلدة التي اختبأ فيها " النديم " فاتصل به في مخبئه . وكان الفرنسي يزوره ويخدمه في قضاء أغراضه ، و كثيرا ما يدور الحديث بينهما في الدين والسياسة ، فبني كتابه " كان ويكون " على هذا ، ودون فيه ما كان

يدور بينهما من حديث وجدل ، وأكثر ما نشر كان في أصول الأديان ، وتاريخ اليهودية والمسيحية والإسلام ، يتخلل ذلك بعض أخبار عن أحواله في مخبئه ، وبعض نظرات سياسية ومما يؤسف له أن إقفال جريدة " الأستاذ حال بينه وبين نشر القسم السياسي والتاريخ المصري من الكتاب ؛ وما نشر منه يدل على نظر عميق وإطلاع واسع ، وسماحة دينية لطيفة ، وعاطفة جياشة يحب الخير لمصر والشرقبين .

(يتبع)

اشترك في نشرتنا البريدية