الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 112الرجوع إلى "الثقافة"

عبد المنعم !

Share

أستاذى أحمد أمين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أريد أن أكتب في « الثقافة » ، فأرجو أن تسمح لى بذلك ، وإنى أظن أنك ستسمح لي بذلك تعزية لى وتعويضاً عما أسأت فهمي في الماضي

صحيح أن التلميذ إذا سجل على أستاذه أنه أساء فهمه كان تلميذاً ولها ؛ ولكنه صحيح أيضاً أن هذه الوقاحة مما يجب أن يحبه الأستاذ ، وأن يتلقاه بصدر رحب ، بل إنها شيء يجب أن يبحث عنه الأستاذ بين تلاميذه ليبرزه إذا وجده ، وليبذره إذا لم يجده

فهذه الوقاحة وحدها الدليل على نشاط العقل عند التلميذ ، وعلى تهيئة للأستاذة في المستقبل . والأستاذ

العاقل لا يغضب من وقاحة تلميذه، وإنما هو يضحك منها ويسخر ، كما يضحك الأب من ابنه الطفل إذا صارعه وغالبه وأراد أن يوقعه على الأرض. والأستاذ الأكبر عقلا قد يتهازل ويتخاذل أمام تلميذه ، قصداً وعمداً ، ليشجعه على مهاجمة العقول والأفكار : وما دام التلميذ لا يحيد بوقاحته عن الحق ، فالذى له على أستاذه هو أن يهذب له الأستاذ هذه الوقاحة ، وأن يقريه بتتليم حدتها ، لا بقتلها ولا يمحوها ، كما أنه يجب على الأب الذى يناوشه ابنه الطفل ويصارعه ويلاطمه ، أن يقول له : إبعد بيدك عن عيني وأنفى ومعدتي ، فهذه مواطن حساسة من البدن قد يؤذيها الضرب أذى بالغاً لا مبرر له ، واضرب بعد ذلك أينما شئت من بدنى ، فبعد هذا يكبر الطفل وقد عرف كيف يدافع عن نفسه من غير أن يؤذى غيره أذى بالغاً لا مبرر له .

وانت لم تفعل معى شيئا من هذا ، بل إنك رأيتني انفتح واتطلع إليك وإلى غيرك من الأساتذة الكبار ،

وأهم بك وبغيرك مناوشا بالحق ، وبالحق وحده ، لأشعركم بوجودي الاشعار الطبيعي الذي ننتزع إليه المخلوقات جميعا ، فإذا بك وبغيرك من اساتذتي تمقتونني ، وتقفون في طريقي مشمئزين مني مسرين سخطكم على ، معلنين لي توجسا لم أدرك سببه إلا أخيرا .

أنا مغفل ، وأحب منك ومن الناس جميعاً أن يعرفوا عنى هذا ، حتى لا يظلمونى ولا يتهموني بالذكاء والفطنة وحتى لا يعاملونى على أساس هذا الظلم الذى أخسر من ورائه الشيء الكثير

أما من أراد أن يستغل غفلتي ، فاني أركن إلي الله يحمينى منه ، ارشده الله ورشده

ولكي أثبت لك أنى مغفل ، وأن الغفلة متأصلة في ، وأنى راض بها وراض عنها ، أروى لك هذه الحادثة التي حدثت لى وأنا في العاشرة من عمرى ، أو أكبر من ذلك بقليل..

كنت أهوى السينما ، وأتردد على دورها المتواضعة ألتهم ما تعرضه التهاماً ، والأطفال الذين في هذه السن يهوون السينما حقاً ، ولكنهم لا يلتهمون ما تعرضه ، وإنما يلتهمهم هم أنفسهم مستعرضون يترددون على دور السينما لمآدب مختلفة .

ولهذه المآرب محطات في دور السينما وحولها ، مأرب منها محملته عند الباب فى الخارج، ومأرب منها محطته عند شباك التذاكر ، ومأرب آخر محطته داخل الدار عند ما تنطفئ الأنوار

هذا شيء عرفته لما كبرت ، وكنت أجهله وأنا صغير - ولله الحمد

وجهلى إياه دليل شريف على غفلتي الطاهرة كان الزحام شديداً على شباك التذاكر ، فوقفت على بعد منه وفى يدى القرشان ثمن التذكرة أنتظر حتى ينفض الزحام ، لأنى أكره الاندساس بين الناس ، لعجزى عن مقاومة العنف المادى الذى أعتقد أنه آخر ما يصح أن

يتخذه الانسان من نواحي حيويته ليهاجم به أو يدافع به او يتعامل به وقفت انتظر فإذا غلام يتقرب مني متلطفا ويسألني :

- انت داخل الليلة ؟ نعم وقطعت التذكرة ؟ كلا. وأنا منتظر حتى ينفض الزحام. وإلى متى الانتظار ؟ لقد بدأت السينما تشتغل خذ، امسك بهذه السيجارة وهات القرشين وأنا أقطع لك. فرضیت ، بل رحبت وأعطيته القرشين ، وأمسكت بالسيجارة.

إنها لم تكن سيجارة كاملة ، وإنما كانت ( عقباً  ) حقه الرمى ، ولكني لم أنتبه إلى شيء من هذا ... وظلت غير منتبه إلى شيء مطلقاً ، حتى انقض الزحام من أمام الشباك ، ولم يعد أمامه أحد على الاطلاق .

"العقب" انطفأ في يدى ، لأني كنت ممسكاً به فقط لا أساعده على الاحتراق بالتدخين والقرشان طارا ، لان الملاك الطاهر الذى أرسله لى السماء ينقذني من ورطة الزحام لم يكن إلا لما سقط على وأخذ نصيبه وراح

اغتظت وتألمت ، وسخطت ، ورحت أدور حول "سينما ليون" التي كانت تواجه محطة مصر القديمة في الاسكندرية ، وأسأل الماشين والواقفين : ألم تروا غلاماً صفته كيت وكيت حافيا بجلابية وطاقية ؟

فلم أجد جواباً عند أحد ... ولم أرض أن أتزحزح من دار السينما لا يمان مجيب استقر فى نفسى ، وهو الذي فعله هذا الغلام شيء لا يصح ولا يجوز ، وأنه لا بد قد حدث له حادث غيبه عنى ، وأنه لا بد سيعود ، ولو ليطلب ( العقب )

ولكنه لم يعد ، وإنما رآني على هذه الحال غلام آخر له شكل آخر وعطف آخر..

تقدم منى هو الآخر وسألني : - مالك حيران متألماً ؟

يا أخى ! لقد حدث كيت وكيت . وشكل هذا الولد كيت وكيت، وهو حاف وبجلابية وطاقية

عرفته ... أليس هو الأسمر الحافي أبو جلابية وطاقية ؟ نعم

- هو ... عبد النعم ... الحرامى ليست هذه هي المرة الأولى التي يصنع فيها هذا الصنيع ، لقد سرق ابن حداية باشا في الأسبوع الماضي بالطريقة نفسها وهرب . ولكنه في هذه المرة لن يهرب . فهو يلعب الكرة الآن وراء سور المحطة عند سيدى الميرغنى..

- هل هو هناك الآن ؟ إني أريد أن أقبض عليه . أبن العسكري ؟

- إنه هناك . ولكن لا تناد العسكرى الآن فهو إذا رآه مقبلا من بعيد هرب كما هرب من ابن حداية باشا ... وإنما تعال معي . وأنا أشير لك عليه من بعيد ، فتتسلل بين الميال وتمسكه ، وتصيح : الحرامى الحرامى فأخف إليك وأساعدك عليه ... إنما ... لي من القرشين تعريفه ) .

بل « صاغ » ... تعال .. ومشينا ... وفي الطريق قال لى صاحبي الجديد : إنك حينها وصفت لي عبد المنعم قلت لى إنه حاف بجلابية وطاقية . فذكرت لى ملابسه التي ميزته أنت بها والتي عرفته أنا بها .. وهكذا هو أيضا يعرفك ملابسك ..

- صحیح ونحن نريد أن نطبق عليه مفاجأة بحيث لا يشعر بك وأنت في الطريق إليه ، وإنما تنقض عليه وهو غافل

صحيح ... وكيف يتم ذلك ؟ - دعنى أفكر قليلا فتركته يفكر قليلا ، بل بدأت أفكر معه في حل

لهذه المشكلة. حقا أن عبد المنعم إذا كان بين العيال يلعب الكرة ورآني من بعيد فانه سيعرفني وسيهرب ، فكيف أتخلص من ملابسي التي هي علامتى عنده ...

سألنی صاحبی - إذا كان بيتكم قريبا فأنت تستطيع أن تسرع فتستبدل ملابسك ، وتعود ، وأنا منتظرك

- لا . بيتنا بعيد . - إذا فدعني أفكر فتركته يفكر ... وظل هو يفكر ، وأنا أفكر حتى اقتربنا من العيال الذين كانوا يلعبون الكرة ، فاذا بصاحبي ينقض على عقلى يطلق فيه هذه الأوامر مفاجئة متلاحقة مشددة

- انظر ... هو الهاقباك اليمين فى الفريق البعيد . هل رأيته ؟ ... اخلع الجاكتة لكيلا يعرفك ... هات الجاكتة واجر إليه واقبض عليه وأنا في ظلك ...

ولست أدرى كيف توقف عقلى ، ولا كيف رأيت عبد المنعم ، ولا كيف خلعت الجاكتة ، ولا كيف جريت ولا كيف أمسكته ، ولا كيف صرخت أطلب النجدة من صاحبي

لست أدرى كيف ثم هذا كله ، وإنما الذي تنبهت إليه هو أن هذا الذى أمسكت به صرخ في وقال : عبد المنعم من يا هذا ؟ فقلت له وأنا ألهث: حرامى القرشين ...

ثم حملقت في وجهه فتبينت أنه ليس هو الذي سرق منى القرشين ... فنظرت حولى لأحاسب صاحبى على هذه الورطة الجديدة ، فلم أجده

لقد طار هو أيضاً بالجاكته تقلت على الحسرة. اختنقت . بكيت ... ولكن ماذا يدفع البكاء ... جريت هنا ، وجريت هناك ، فلم أجد أثراً للناصح

الأمين الذي أرسلته إلى السماء يسترجع لي القرشين .

تخاذلت ، وقفلت راجعاً إلى البيت ، وقد أمسكت طربوشي بيدى خشية أن يسألنى سائل عن جاكتتي طمعاً طربوشی ...

منذ ذلك اليوم عرفت أني مغفل تفضيلاً مركباً فروضت نفسي على أن أرضى بأن أكون مغفلاً تغفيلاً بسيطاً ، إن فقدت شيئاً طلبت الموض من الله ولم أفكر مطلقا في البحث عن عبد المنعم ) ... والحمد لله على ذلك فانى أراني في نعمة .. والسلام عليكم ورحمة الله

اشترك في نشرتنا البريدية