سألني السيد (محمد حصار) من فضلاء المغرب الأقصى في العدد (١٤٤) من (الرسالة) عن رأيي في قول الخنساء:
(من كان يوماً باكياً سيدا ... فليبكه بالعَبرات الحِرار) فقد وصفت الخنساء دموعها بالحرار مع أنه سبق مني القول في مقالتي (تعريب الأسالب) المنشورة في الجزء الأول من مجلة مجمعنا المصري أن العرب يصفون الدمع والعين بالسخونة، ولا يصفونهما بالحرارة كما يفعل الإفرنج
وأنا إنما أردت أن العرب ليس ذلك الوصف من شأنهم، أي غير شائع في أساليب بلاغتهم: أن يصفوا الدمع بالحرارة لا أنه لا يقع ذلك منهم أحياناً، والشاهد الصحيح على وقوعه في كلامهم قول الشاعر
بدمع ذي حرارات ... على الخدين ذي هيدب راجع ذلك في اللسان والتاج مادة (حرّ) وهيدب السحاب ما تراه كأنه خيوط عند انصباب مطره
أما ما ذكره المعترض الفاضل من شعر الخنساء فلا يصلح شاهد لسببين: (الأول) أن (حرارا) لا تكون جمعاً لحارة حتى يصخ أن تقول في (عبرة حارة) عبرات حرار، ولم ينقل هذا الجمع أحد من أرباب المعاجم، ولم يذكروه في جملة ما شذ من الجموع، وإنما صرحوا أن (حرار) تكون جمعاً للحّرّة: وهي الأرض ذات الحجارة السود وجمعاً للحران : وهو الشديد العطش وجمعاً للحر : وهو ضد العبد (وهذا الجمع حكاه ابن جني) يعني يكون شاذاً
(ثانياً) لا يجوز أن يقال: أن أرباب المعاجم قد يهملون ذكر كلمات لغوية فصيحة وردت في أشعار العرب: من ذلك
فعل (تبدى) في قول عمرو بن معدي كرب (وبدت لميس كأنها ... بدر السماء إذا تبدى) فليكن جمع (حارة) على (حرار) من هذا القبيل ويكون الشاهد عليه قول الخنساء المذكور وكفى به حجة لا يقال ذلك لأنه يجب قبل كل شيء الاستيثاق والتثبت من صحة ألفاظ الشاهد، وأول طرق هذا الاستيثاق عدم احتمال تحريف كلماته
فكلمة (الحرار) تحتمل احتمالاً قريباً جداً أن تكون محرفة عن (الجوار) بفتح الجيم وبعدها واو أي (العبرات الجواري) جمع (جارية) اسم فاعل مؤنث من فعل (جَرى) الدمع إذا سال على الخدين
ووصف الدموع بالجواري صحيح من حيث قواعد العربية، فصيح من حيث شيوع استعماله في كلام البلغاء أما كلمة (الحرار) فليست بهذه المثابة: لا من حيث القواعد ولا من حيث شيوع الاستعمال
ونسخة ديوان الخنساء التي بين أيدينا إنما هي من طبعة الأب لويس شيخو اليسوعي وهو - رحمه الله - لم يشتهر بالدقة في ضبط نصوص ما ينشره من الآثار الأدبية، ولا في تحقيق كلماتها اللغوية
فلعل الفاضل (محمد حصار) وقعت إليه مثل هذه المطبوعة أو مخطوطة قديمة أخرى يسرع إلى مثلها هذا التحريف
وفي مكتبتي نسخة شرح مخطوط على ديوان الخنساء كتبت سنة ١١٤٥هـ لمؤلف مجهول؛ وما لي لا أقول إن هذا الشرح لثعلب كما يمكن استنتاجه من خاتمة المخطوطة؟ وقد سقط منها بعض أوراق فلم أجد قصيدة (العبرات الحرار) فيها. فلعل القصيدة برمتها غير موجودة في رواية تلك النسخة أو هي في ضمن الأوراق الساقطة
وتوجد نسخة من هذا الشرح نفسه في دار الكتب المصرية كتبت سنة (٦٢٠هـ) كما يفهم من الفهرس العام (جزء ٣ نمرة ٢٠٣)
فلعل أحداً من قراء (الرسالة) ممن تهمهم أمثال هذه البحوث وهم كثيرون - يزور دار الكتب المصرية ويراجع لنا بيت الخنساء ويتثبت من قافيته: أهي (الحرار) أو (الجوار) أو يراجع ما هو أوثق من ذلك كله وهو نسخة ديوان الخنساء بخط اللغوي الكبير المحقق العلامة الشنقيطي التركزي رحمه الله، وإن له على نسخته تقييدات كالشرح لها. وهذه النسخة أيضاً من نفائس ما حوته دار الكتب المصرية. راجع فهرسها العام (جزء ٣ ص ١٢٨)
(دمشق)

