الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 214الرجوع إلى "الثقافة"

عبرة من شعاع الشمس

Share

عدت من أسبوع من قرية من قري دمشق ، ألفتها من عشرين سنة ، كنت أفزع إليها من شدة الحر الصيف كله ، وهأنذا أذوق فيها قليلا من شدة البرد في بعض الشتاء ، ولئن كان المتنبي يري أن سرج سابح أعز مكان في الدني  ، وأن الكتاب خير جليس في الزمان ، فكنت أري في هذه القرية أن أعز مكان إنما هو صخرة صغيرة كنت أجلس عليها في طائفة من النهار ، فأتملى محاسن الطبيعة من حولي ، وأن خير جليس إنما هو الطبيعة نفسها لقد حاولت أن أعيش قليلا في الطبيعة راغبا عن العيشة في الكتب ، ولكني عاجز عن وصف العبر التي أملتها علي هذه الطبيعة ، وأجل هذه العبر في رأيى البساطة ، فكنت أشاهد البساطة في كل طرفة عين كنت أشاهدها في هذا الشعاع الممتد إلي وأنا جالس علي صخرتين ، وفي هذا العشب المنبسط تحت قدمي ، وفي هذا الماء الجاري علي مقربة مني . كانت عيني تقع على هذه المشاهد كلها ، فتنعم ببساطتها ، ولكن أصحيحة هذه البساطة أفلا نري إذا حللنا أجزاء هذه المشاهد ، ورددناها إلي أصولها ، أن بساطتها إنما هي أمر طاهر ؛ فهذا الشعاع الممتد إلينا لا نري إلا ضياءه وإلا صفاءه فيبهرنا هذا الضياء الصافي البسيط في ظاهره ، ولكنا إذا حللنا  الشعاع وفككنا أجزاءه ، ورأينا ألوانه السبعة التي اتحدت  أتم اتحاد وتضامت أكمل تضام ، حتي الف منها الشعاع وركب تركيبا محكما بحيث لا يري منه إلا ضياؤه علمنا أن الشعاع غير بسيط ، وأن حسنه جاءه  من كمال تناسق  أجزائه ، ومن كمال اتحاد ألوانه ، فلا جزء في غير محله ، ولا قسم زائد فيه أو ناقص وهكذا الأمر في الطبيعة : في ملئها وهوائها وعشبها ونظائر هذه الأشياء كلها ، فكل جزء من هذه المشاهد مركب من أجزاء ،

ولكن هذه الأجزاء  تضامت ، فنشأت محاسنها عن تضامها ، فخيل إلينا أنها بسيطة

إلا أني لم اكتب هذا المقال لا قرب فصلا من فصول الطبيعيات ، فلست من علمائها ، وإنما كتبته لأبين العبرة التي نستنبطها معاشر الأدباء من بساطة الطبيعة الظاهرة ، وسواء أكنا نمارس صناعة الشعر ام كنا نمارس صناعة النثر أنا لا نمهر في الصناعتين إلا إذا جعلنا الطبيعة مثالا لا نحيد عنه

لنرجع الآن إلي الكتب ، ولنعش في هذه الكتب  قليلا بعد ان عشنا في الطبيعة قليلا إنى أبدأ بكتاب الله عز وجل ، ماذا أري في آياته البينات ؟ استغفر الله  انى. لأعجز عن تفصيل  سحر هذه الآيات في مقال مثل هذا المقال . ولكن ماذا أري من بساطة البيان في كتاب الله لقد تعودنا ان ننظر إلى ما اشتمل عليه من دقائق  أمور اللغة أو النحو أو البديع أو غير ذلك ، وأظن أنا قليلا ما تذوق ما اشتمل عليه من بساطة التعبير ، في مفرداته وفي جملة ؛ علي ان الإعجاز كل الإعجاز في هذه البساطة فقد تمر  مثلا في سورة يوسف عليه السلام بقوله تعالى : " واخاف  ان يأكله الذئب فهل تستوقفنا لفظة يأكله ؟ هل ننظر في بساطة هذه اللفظة فلو رجعنا إلي اللغة وفتشنا عن مرادف ليأكله لوجدنا في اللغة الفاظا كثيرة على هذا المعنى ، ولكن كتاب الله  عز وجل لم ينتخب إلا أبسط هذه  الألفاظ

ومثل هذه اللفظة قوله تعالى في السورة نفسها ارسله معنا غدا يرتع ويلعب افنجد في مفردات اللغة بحذافيرها لفظة أبسط من يرتع ويلعب "  

وكما تبهر بساطة المفردات ، فقد تبهر بساطة الجمل ماذا نجد في سورة طه ؟ إنا نجد قوله تعالى : " رب اشرح لي صدري ، ويسرلي امري ، واحلل عقدة من لساني افتحتوى العربية علي تراكيب أبسط من هذه التراكيب ومن هذا النمط قوله تعالى في سورة آل عمران

" يوم تبيض وجوه وتسود وجوه

ليس غرضي في هذه الاستشهادات التقصي في ذكر بساطة البيان في القرآن ، وإنما غرضي الذي أتوخاه أن نعلم أن الطبيعة كما تشتمل على مشاهد بسيطة في ظاهرها . جاءها الحسن من بساطتها ، كذلك كتاب الله عز وجل يشتمل على مفردات وجمل بسيطة جاءها الإعجاز من بساطتها ، ومثل هذه المفردات وهذه الجمل كمثل شعاع الشمس ، فكما أنا لا نري من هذا الشعاع إلا ضياءه الصافي ، فكذلك لا نري من مفردات كتاب الله ومن جمله إلا رونقها الصافي ، ولكنا إذا حللنا أجزاء هذه المفردات وهذه الجمل ، وردناها إلي أصولها ، عرفنا حسن التنسيق فيها وحسن الاقتصاد في أجزائها ، كما نعرف حسن تنسيق الألوان في شعاع الشمس ؛ فقد يبهر هذا البيان ببساطته ، ولكنا لا ندرك تعذر الوصول إلي مثل هذه البساطة إلا إذا فصلنا أجزاء هذا البيان ، فحينئذ نشعر بأنه ليس من الهين أن يقول كل واحد منا : وأخاف أن يأكله الذئب ، أو أن يقول : أرسله معنا غدا يرتع ويلعب ، أو أن يقول : رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري ، واحلل  عقدة من لساني ؛ إلي غير ذلك من الآيات البينات . فهذا البيان على نحو ما قلت إنما هو بيان بسيط في ظاهره ، ولكنه مركب في باطنه ؛ غير أن هذا التركيب لا يظهر أثره للعين ، وهنا براعته ، فلا نجد فيه لفظة زائدة أو لفظة ناقصة ، ولا نجد فيه جملة في غير موضعها ، كما لا نجد في شعاع الشمس لونا في غير مكانه !

ولو دققنا في كلام بلغاء الشعراء والكتاب امثال البحتري والحاحظ وابن المقفع ومن هم في طبقتهم ، لوجدنا أن البساطة إنما هي سر خلود هؤلاء ، الشعراء والكتاب . إنا نعرف كثيرا من كتاب العرب وشعرائهم في القديم لجأوا إلي طرافة التعبير وإلي جدة الاسلوب ، ولكن الكلام الذي لا قيمة له إلا حذاقة صاحبه في بيانه سرعان ما يهرم فيشيخ فيموت ؛ فالبيان البسيط  إنما هو الذي خلق للخلود .

من هذا البيان قول البحتري في قصيدة من قصائده :

صاحب الحملة التي تنقض الزح  ف يحمل الصفوف فوق الصفوف  

يتخطى الردي فيملأ صدر الس   يف من جانب الخميس الكئيف

 حيث لا يهتدي الحبان إلي الف) م ( ر ، وحيث النفوس نصب الحتوف

  في لفيف من المنايا يمرق  ن غداة الهيجاء كل لفيف

  ومقام بين الأسنة ضنك   بهشيم من الظبي مرصوف

  مد  ليلا علي الكماة فما  شون فيه إلا بضوء السيوف

لا ينبغي لنا أن نجفل من هذه القطعة ، فما في ألفاظها لفظ راعب ، فجملة هذه الألفاظ بسيطة في ظاهرها ، فإن كلمات : الحملة ، والزحف ، والصفوف ، والسيف ، والحبان والفر ، والنفوس ، وأخواتها التي اختارها البحتري ، إنما هي كلمات أنيسة ولكن من أين جاء خلود البحتري في هذا الشعر ؟ لقد جاءه من تنسيق هذه الألفاظ ومن الاقتصاد فيها ، بحيث لا نري لفظا في غير موضعه ، حتى نشأ عن هذا التنسيق شعر كأنه جسم حي ، له حركاته وله إشاراته ، قد تناسبت أعضاؤه وتناسبت اجزاؤه حتي إذا وقعت العين عليه قال صاحبها ما اسهل خلق هذا الجسم ولكنه إذا حاول أن يخلق جسما مثله ، فقد يلهث كثيرا ثم يعرق كثيرا ، ثم ينبهر فيستلقي علي ظهره من قبل أن يعرف كيف يبدأ وكيف ينتهي

هكذا يكون البيان البسيط ولكن السر كل السر في معرفة حقائق البساطة ، على ان الطبيعة علمتنا حقائقها فلا نحتاج إلي زيادة في التوضيح . لنرجع مرة ثانية إلي شعاع الشمس ، ولنتلبث في النظر إلي اتحاد الوانه ، فكما جاء حسن الشعاع من هذا الاتحاد ، فكذلك يجيء حسن البيان من التنسيق  والترتيب ، وهذه هي البساطة !

) دمشق (

اشترك في نشرتنا البريدية