من يطالع هذا الكتاب للأستاذ العقاد يظن أن مؤلفه إكليريكي لاهوتى فيلسوف فى اللاهوت المسيحي النظرى بحث فى أساس اللاهوت المسيحى بحثا شاملا جامعا لتاريخ النصرانية وما أكتنفها من النبوءات وما سبقها من الحوادث كما وردت أخبارها فى الكتاب المقدس ( التوراة والإنجيل ) فى بعض الكتب التاريخية وما توالى على اليهودية من عقائد وطوائف وديانات وما صاحبها من معتقدات أمم أخرى و اصطدمت بها أو لامستها
وأنا ( انا خصوصا ) لا أدري لماذا يجب أن يسبق المسيح أو محمدا نبوءات تنبه الناس إلى مجيئهما وتؤيد رسالة كل منهما - ألايكفى أن يظهر عيسى ومحمدا فى الوجود الإنسانى وأن يسلكا السلوك الذى علمناه ، وأن تعلن تعليمهما وتؤيد بأعمالهما حتى نقول هذا مسيح الله وهذا نبي الله ؟ أما تكفى
حياتهما وتعاليمهما شهادة لهما ؟
ولكن هكذا ألف الناس منذ القديم أن تكون حوادث العالم الدينية متعاقبة يرشح بعضها بعضا حتى لا يكون فيها لبس ولا غش ولا تعمل ولا دعاو باطلة
في كتاب عبقرية المسيح فصول عن الحالة الدينية فى العالم والحالة فى عصر الميلاد المسيحي . وفي تاريخ الميلاد من الحقائق التاريخية مالا نراه فى الكتاب المقدس لا التوراة ولا الإنجيل . وهناك كثير من الأخبار مالم يذكر الأستاذ مصادرها او أسنادها وكنا نود أن لا يغفل هذا الواجب لكى يتأكد القاريء أن المؤلف حقق ودقق بعد أن درس وتعمق . فيكون ذلك أ كفل لتقدير قيمة عمله وتنويرا للقارئ المحقق للمراجعة واستزادة من التحقيق والتوسع فى المعرفة
ثم استرسل الأستاذ فى تفكيره اللاهوتى فى فصول : " الصور الوصفية " و " الدعوة " و " اختيار القبلة "و "تجازب الدعوة " و " الشريعة " ، بحيث تعطى الكتاب القيمة التي تستحق أن تنسب للعقاد وتكون فى طبيعة دراساته
ثم توغل فى شريعة الحب حتى أراك أن الناموس أو شريعة الناموس تعتبر ناقصة إذا لم تكن شريعة الحب التى هى محور سلوك المسيح وتعاليمه ؛ و هي بيت القصيد فى حيانه كلام بهذه الشريعة شريعة الحب ( والمحبة ) نقض المسيح كل حرف من حروف شريعة الأشكال والظواهر
وفى الفصول الأخرى ترى أن العقاد لم يعبأ بالعجائب ولابأخبار المسيح فى مدة وجوده بين العالم ثلاث سنين , بل اقتصر على زبدة تعاليم المسيح التى صار بها يسوع بن مريم مسيحا
وقد أحسن الأستاذ صنعا فى إغفال تلك العجائب التى يظن بعض الناس أنها كان الوسيلة الوحيدة لانتشار الدين المسيحى . وهذا الظن هو الضلالة التي يكرها المسيح . طلبوا منه آية من السماء قال : إذا كان إبراهيم ويعقوب
وغيرهما من الآباء لم يقنعوكم فلا تقنعكم الآيات والحقيقة أن المسيح لم يأت إلى الارض لكى يقيم عازر من القبر , ولا لكى يحول الماء إلى خمر , ولا لكى يمشي على الماء , ولالكى يفتتح عيون العميان , ولا لكى يقيم المفسدين , ولا ولا ؛ وإنما جاء لكى يقول ثلاث كلمات : احبوا أعداءكم . باركوا لاعنيكم . أحسنوا إلى من أساء إليكم . من لطمك على خدك الأيمن فحول له الأيسر إلى آخره . وبهذه الكلمات يسير الآن وراءه الف مليون نسمة على الأرض وإن كان معظم هؤلاء أو جلهم لا يفعلون ما قاله المسيح ولايفهمون ما يعنيه ؛ فهم ضعيفو الإيمان ومنهم من لا إيمان لهم وإنما هم يفخرون بانتمائهم إلى صاحب هذه الشريعة - شريعة الحب والتسامح واكثرهم لايؤمنون بغير الدولار والدينار
وأما قول بعض الناس إن المسيح طلب من الطبيعة البشرية ما لا تستطيعه ؛لأنك لا تجد واحدا فى الألف يحول لك الخد الايسر إذا لطمته على الخد الأيمن , ولا من يجب عدوه , ولا من يبارك لاعنه , فإن من الحق أن هذا القول صعب على الطبيعة البشرية ولكنه ليس مستحيلا عليها , والمسيح نفسه عمل بهذه النظرية التي ظنوا أنها مستحيلة
فقد كان يقول :هم يبصقون عليه ويطعنونه بحربة : " يا رب اغفر لهم لأنهم لايعلمون ماذا يفعلون " ولم يثقل هذا على طبعه . وإذا كان كل أحد يفكر أن المسامحة تكسر الشر فيصد حين لا مرد نرى احدا يضرب على خد ، ولا احدا يعادى أحد . وفى القرآن الكريم مثل هذا القول : "لاتستوى الحسنة ولا السيئة أدفع بالتى هى أحسن ,فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم "
فرصية المسيح بالتساهل والتسامح ليست فوق الطبع البشرى بل هي تحت الطبع البشرى وفى وسع كل إنسان
أن يطبقها إذا أراد ، وإذا كان الناس يتربون على هذه الوصية ويتعودونها يستسهلونها
أعود فأقول إن المسيح لم يأت إلى الأرض لكى يعمل العجائب والخوارق وإنما جاء لكى يعلم الناس التساهل والتسامح والمغفرة , على نية أن العالم إذا سار كله على هذه السنة صار كله أمة واحدة وشعبا واحدا أو أسرة واحدة تتعاطف ويحب بعضها بعضا وتنتفى الشرور من يين أفرادها
المسيح لم يأت لليهود وحدهم بل أتى لكل العالم بهذا المبدأ . وأظنه أول فليسوف ظهر على الارض بهذا التعليم . وكان قصده أن العالم كله يعتنقه بدليل أنه جمع تلاميذه وقال لهم : أذهبوا إلى جميع الأمم وتلمذوهم وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به . وها أنا معكم كل الأيام إلى أن ينتهى الدهر . وهو يعنى أن رسالته هذه يجب أن تعم كل الكون لعلها أن تكون الوسيلة الناجحة لانتشار السلام على الأرض
فالمسيح لم يأت لأجل سلام اليهود وسلامتهم فقط بل أتى لأجل سلام كل العالم . وكان قصده أن يكون كل العالم إخوة . هذا ماعناه المسيح حين قال : أحبوا أعداءكم , بدليل أنه لما اجتمع بتلاميذه قال لهم إذهبوا إلى جميع الأمم ( لا إلى اليهود فقط) وتلمذوهم الخ .. على أمل أن تتطبع الأمم كلها بطبيعة السلام والمحبة والمسامحة فيسود السلام جميع الأمم
هذه كانت رسالة المسيح على الأرض . ولكن اليهود وفى كل تاريخهم كانوا يقاسون من غزوات البابليين والأشوريين والفرس والرومان . غيرهم ، فكانوا يتوقعون أن يظهر من بينهم ملك يقودهم للدفاع عن بلادهم ومخلصهم من هؤلاء الاعداء فكانوا يحتاجون إلى منقذ مثل موسى أو يسوع , ،فلما وجدوا أن يسوع هذا الذى شرع يعلمهم التعاليم المفيدة لهم اجتماعيا قالوا : لا ، لا . ليس
هذا هو الملك الذى ننتظره . ليس هذا هو القائد المنقذ هذا رجل افاك . وصار الكهنة وجميع رجال الدين يرون أن تعاليمه هذه تحط من نفوذهم وتكسر شوكة غطرستهم وتزعزع سلطتهم فجعلوا يطلبون رأسه , وما أسيل أن يوغروا صدر بيلاطوس الوال الرومانى عليه بحجة أنه يدعى أنه ملك اليهود وهم يعترفون بملك أجنبى غير قيصر
ولما مثل المسيح لدى بيلاطوس سأله هذا :- هل أنت ملك اليهود ؟ فاجابه : " أنت قلت ؛ ولكن مملكتي ليست من هذا العالم " وهو يعني أنها ليست أجسادا بل هى أرواح تفهم وتعمل في أجساد الحق والعدل والصدق والتقوى
ولطالما كان اليهود يحاولون أن يأخذوا عليه مأخذا ضد الشريعة لكى يشكوه للوالى فجاءوا إليه بزانية وقالوا " هذه ارتكبت جريمة الزنى , وفق شريعة موسى ترجم بالحجارة فماذا تقول أنت ؟ "
فما لبث أن قال بكل جرأة " من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر "
وماذا كانت النتيجة : كانت أنهم جعلوا يخرجون من المجتمع واحدا بعد الآخر ولم يوجد بينهم من يجب أن يعترض على حكم المسيح لا لأنه اثر عليهم بتصرفه تأثيرا عجيبا ، بل لأنهم وجدوا أنهم ضعفاء جدا لدى بينته وحجته فخافوا أن يبطشوا به بل جعلت ضمائرهم تبكتهم بفعل كلمته فصاروا يخرجون واحدا واحدا
ثم التفت إلى الزانية وسألها : أين الذين شكوك ؟ أما دابك أحد ؟ قلت : لا . قال ولا أنا أدينك . اذهبى ولا تخطئى بعد . من ذلك الحين تابت مريم المجدلية الزانية وصارت قديسة
كان لمنظره فى مثل هذه المواقف سطوة أو صولة أو هيبة ليست لزعيم ولا لقائد ولا لحاكم . ففى ذات يوم جاء إلى الهيكل ورأى أدناس الناس فيه : صيارفة وتجار حمام
وتجاز حيوانات إلى آخره , فجعل يقلب موائد الصيارفة وأقفاص الحمام وهو يقول : تباً لكم أيها الأشرار أجعلتم بيت الله مغارة لصوص . فلم يجسر أحد أن يصده أوأن يقاومه او ان يشاجره بل جعلوا يخرجون من الهيكل قانعين بالسلامة
لم يشر الأستاذ العقاد إلى كيفية انتهاء حياة المسيح ، ولكنه اقتنع ممثلى أن سلوك المسيح الذى أشرنا إليه هو بيت القصيد فى حياته . وقد جاء وعلم وعمل ومضى ولا يزال إلى اليوم مثلا للأمم وسيبقى هكذا عدة قرون
وفى ظني أن الإسلام إنما هو استمرار للمسيحية ؛ ولذلك كانت حياة محمد وتعاليمه موافقة كل الموافقة لحياة المسيح وتعاليمه - المحبة والتواضع والمسامحة والدعوة إلى السلام . حبذا أن يفهم الناس أن سلامتهم ونجاحهم وسلامهم يتوقف على قدر ما يطيعون من تعاليم هذين المصلحين

