الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 175الرجوع إلى "الثقافة"

عبقرية محمد، كتاب للأستاذ عباس محمود العقاد

Share

نشر عن النبي محمد فيما نشر ثلاثة كتب لثلاثة من الأدباء المعاصرين في مصر : " حياة محمد " لحسين هيكل و " على هامش السيرة " لطه حسين و " محمد " لكاتب هذه السطور . وقد ظهر اليوم كتاب رابع هو " عبقرية محمد " لعباس محمود العقاد ، فكان من الطبيعي أن يخف لاستقباله كل أو بعض من ذكرت . . ولقد سمحت لنفسي بالسبق إلي أداء هذه التحية . . لأني فطنت إلي أني المتخلف دون غيري عن أداء الواجبات . وليس لي من عذر إلا انصرافى عن باب النقد منذ أول الأمر

واتجاهي إلي ما كرست نفسي له من ألوان الإنتاج ، فأنا أعرف قيمة النقد وأنزهه عن أن يكون عملا هينا ينظر إليه بغير عناية واحتفال ، وهو الخليق بالتخصص والانقطاع . و لطالما  تمنيت أن أكون ناقدا ، ولكن الناقد يجب أن يقرأ ، والقراءة عندي عمل شاق . فأنا أقرأ وكأني أؤلف مع المؤلف وأنحت معه من تلك الصخور التي نحت منها . لهذا أخرج كتبا كثيرة عن نطاق مطالعاتي . . ولا أستبقى غير الصفوة التي تستحق أن أنفق فيها مثل هذا الجهد من أعمال المؤلفين الذين لديهم مادة فكرية أو عندهم على الأقل ما يقولون . لعل هذا من أبرز الأسباب التي دفعتني إلي مطالعة كتاب " عبقرية محمد "  فمن الفصل الأول أدركت أن الأستاذ العقاد لديه ما يقول ... وأن الكلام الذي عنده يرغمنا على أن نصغي إليه . . وأن كل ما عرف من قبل عن النبي محمد لن يغنينا عما عند العقاد . . لأن العقاد قد درس وفكر

واستنتج لنفسه ، ثم صنع للنبي صورة لا يمكن أن نري نظيرها على هذا التمام في صفحات مثل صفحات كتابه المتوسط الحجم ؛ إنه لم يكتب سيرة كما فعل الذين سبقوه ، ولم يرو لنا قصة ، ولم يسرد تاريخا . ولو أنه فعل ما كان قد أتى  بجديد . ولكنه رسم ملامح وخط قسمات أبرزت ذلك الوجه الشريف الجليل ، وعكست ما في أعماق تلك النفس الرحبة العظيمة . . لقد تقصي أثر محمد في مختلف نواحيه : فالناحية الانسانية تععقبها وأظهرها في فصوله عن : " محمد الرجل " و " الزوج " و " الأب " و " العابد " والناحية الخلقية والاجتماعية في فصوله عن محمد " الرئيس " و " الصديق " و " السيد "

والناحية الذهنية في فصوله من : عبقرية محمد في " البلاغة " و" الدعوة " و " السياسة " و " الادارة " و " قيادة الجيوش " . على أن الحري أن نلتفت إليه هي الطريقة التى جرى عليها العقاد في تحقيق غرضه . فهو لم يكتف باستخراج الوقائع من بطون كتب السيرة ، لأنه يعلم أن هذه الوقائع قد أصبحت معروفة لأ كثر الناس بما ظهر من كتب حديثة العرض مصرية الأسلوب ، فنراه قد استخدم هذه الوقائع استخداما آخر جديدا واستنطقها معاني أخرى طريفة . ولم يرض أن يسير خلفها لتقوده كما فعل أكثر الرواة ؛ بل تناول هو زمامها وقادها بيدين من المنطق السليم والتفكير المستقيم في طريق كلها ضوء

ونور ، في الحق أن أظهر ظاهرة في الكتاب هي قوة الاستنتاج العقلي التي تستولد من الحوادث الصماء خصائص ومقومات لتلك الشخصية الانسانية الكاملة التى دق فهمها على كثير من أهل الشرق ، وأساء فهمها كثير من علماء الغرب . وجاوز الأستاذ العقاد التمحيص والاستقراء إلى البحث المقارن في أغلب الأمور ، عارضا حال الأمم الأخرى في مختلف العصور ، لبين على وجه التحقيق مركز الفكرة التى يجليها من التاريخ الانساني

العام . ولأورد على سبيل المثال ضربا من ضروب هذه الطريقة البارعة فيما جاء عن مقام المرأة في الاسلام ، فقد قال :

" وإنما تعرف مكانة المرأة التي وصلت إليها بفضل محمد ودينه ، متى عرفت مكانة المرأة التي استقرت عليها في عصره - وبعد عصره - بين أمم أخري غير الأمة العربية .

وقياسان اثنان كافيان لبيان الفارق البعيد بين ما كانت عليه المراة في الجاهلية وما صارت إليه بعد رسالة محمد :

كانت متاعا يورث ويقسم تقسيم السوائم بين الوارثين ، فأصبحت بفضل الاسلام ونبيه صاحبة حق مشروع ترث وتورث ، ولا يمنعها الزوج أن تتصرف بمالها وهي في عصمته كما تشاء .

وكانت وصمة تدفن في مهدها فرارا من عار وجودها . أو عبثا تدفن في مهدها فرارا من نفقة طعامها ، فأصبحت إنسانا مرعي الحياة ينال العقاب من ينالها بمكروه .

ولم تكن في البلاد الأخرى أسعد حظا منها في البلاد العربية ، فلا نذكر شرائع الرومان واستعبادها النساء ولا تذكر المتنطين في صدر المسيحية وتسجيلهم عليها النجاسة ، وتجريدهم إياها من الروح .

وكفي أن نذكر عصر الفروسية الذي قيل فيه إنه عصر المرأة الذهبي بين الأمم الأوربية ، وأن الفرسان كانوا يفدون فيه النساء بالدم والمال .

فهذا العصر كان كما قال الدارسون له عصر الحصان قبل أن يكون عصر المرأة أو عصر " السيدة المفداة " .

والحق أن عصر الفروسية يرينا بعض الشواهد الواضحة على هذا الازدراء . وإليك مثلا حادثة يروي فيها ان الملكة بلانشفلور ذهبت إلي قريبها الملك بيبن Pepin تسأله معونة أهل اللورين فأصغى إليها الملك ثم استشاط غضبا ولطمها على أنفها بجمع يده ، فسقطت منه أربع

قطرات من الدم ، وصاحت تقول : " شكرا لك . إن أرضاك هذا فأعطني من يدك لطمة أخرى حين تشاء " . ولم تكن هذه حادثة مفردة ، لان الكلمات على هذا النحو كثيرا ما تكرر كأنها صيغة محفوظة . وكأنما كانت اللطمة بقبضة اليد جزاء كل امرأة جسرت في عهد الفروسية على أن تواجه زوجها بمشورة .

ولقد تقدم الزمن في الغرب من العصور المظلمة إلي عصور الفروسية إلى ما بعدها من طلائع العصر الحديث ، ولما تبرح المرأة في منزلة مسفة لا تفضل ما كانت عليه في الجاهلية العربية ، وقد تفضلها منزلة المرأة في تلك الجاهلية .

في سنة ١٧٩٠ بيعت امرأة في أسواق انجلترا بشلنين لأنها ثقلت بتكاليف معيشتها على الكنيسة التي كانت تأويها .

وبقيت المرأة إلى سنة ١٨٨٢ محرومة حقها الكامل في ملك العقار وحرية المقاضاة .

وكان تعلم المرأة سبة تشمئز منها النساء قبل الرجال ، فلما كانت اليصابات بلاكويل تتعلم في جامعة جنيف سنة ١٨٤٩ - وهي أول طبيبة في العالم - كان النسوة المقيمات معها يقاطعنها ويأبين أن يكلمنها ، ويزوين ذيولهن من طريقها احتقارا لها ، كأنهن متحرزات من نجاسة يتقين مساسها.

ولما اجتهد بعضهم في إقامة معهد يعلم النساء الطب بمدينة فلادلفيا الأمريكية أعلنت الجماعة الطبية بالمدينة أنها تصادر كل طبيب يقبل التعليم بذلك المعهد وتصادر كل من يستشير أولئك الأطباء .

وهكذا تقدم الغرب إلي أوائل عصرنا الحديث ولم تتقدم المرأة فيه تقدما يرفعها من مراغة الاستعباد التي استقرت فيها من قبل الجاهلية العربية .

فماذا صنع محمد ؟ وماذا صنعت رسالة محمد ؟ حكم واحد من أحكام القرآن الكريم أعطي المرأة

من الحقوق كفاء ما فرض عليها : " ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف " .

وحكم آخر من أحكامه العالية أمر المسلم باحسان معاشرتها ولو مكروهة غير ذات حظوة عند زوجها : " وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا " .

وأباح لها الدين أن تكسب كما يكسب الرجال " للرجال نصيب مما اكتسبوا والنساء نصيب مما اكتسبن " .

ولم يفضل الرجل عليها إلا بما كلفه من واجب كفالتها وإقامة أودها والسهر عليها .

أما محمد فقد جعل خيار المسلمين خيارهم لنسائهم : " أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخياركم خياركم لنسائهم " .

ويمضي الأستاذ العقاد على هذا النحو في فصوله عن " عبقرية محمد السياسية والإدارية والعسكرية " وفى كل نواحيه وأعماله التي أحاط بها ليظهر قيمتها وعظمتها لا في محيط البيئة العربية وحدها ... بل في المحيط الانساني كله على مر الدهور كلها . . وليس يتسع المقام هنا لأسرد أمثلة أخرى ، وأقتطف سطورا من الكتاب تدل على أن كثيرا من أساليب محمد العسكرية تتبع في الحرب الحاضرة على أنها من أحدث مبتدعات هذه الأيام . وأن كثيرا من تصرفات محمد السياسية تنطبق على القانون الدولي الحديث . ولقد حرص الأستاذ العقاد بسعة اطلاعه الفائقة على أن يورد نصوصا ومقارنات حتى لعلامة القانون الدولي المشهور " أوبنهايم " ...

لا إخال الأستاذ العقاد قصد بكتابه هذا أن يكون دفاعا مجيدا ومرافعة قوية وردا حاسما على المستشرقين الأوربيين الذين جحدوا فضل النبي العربي . فالاطار الأدبى والفكري لهذا الكتاب أروع وأبهي من أن

يحصر في هذا الهدف المحدود . ومع ذلك فان هذا الكتاب خليق أن يترجمه الأزهر إلى اللغات الأوربية ، لينشر كالنهار المبين عن وجه النبي الكريم !

وبعد ، فلا أحسبني قد كونت للقراء صورة واضحة للكتاب . فهذا ما لا أريد وما لا أستطيع ... ولكني أردت أن أغري القارئ وأنصح له بمطالعته . لأن محمدا النبي والبشر نور ينبغي لكل مقلة إنسانية أن تمتلئ به .

ولأن هذا الكتاب خير مرآة مصقولة تبصر فيها طيف هذا النور . فقد استطاعت كتب السيرة السابقة قديمها وحديثها ، ما صب منها في قالب التاريخ وما وضع في القصص والأساطير ، أن تفعم القلوب بحب محمد . ولكن ما من كتاب ، في نظري ، استطاع حتى الآن ان يملأ العقول بفهم محمد مثل كتاب الأستاذ العقاد ... ولعل الفهم أرفع أنواع الحب .

اشترك في نشرتنا البريدية