الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 29 الرجوع إلى "الثقافة"

عبيد الزاكانى

Share

كتاب اخلاق الاشراف الباب الثالث في العفة

رأينا في سير أكابر السلف أن العفة كانت تعد في العصور الماضية إحدي الفضائل الأربع. وقيل في حدها : إنها طهارة الذيل (١)، ووصفوا بالعفة من يكف عينه عن رؤية المحرم ، واذنه عن سماع الغيبة ، ولسانه عن القول الفاحش ، ويده عن الامتداد إلي مال غيره ، ونفسه عما لا يليق . وكان الناس يكرمون من فعل هذا ويمدحونه ، ولذلك قال الشاعر :

يرفع الرأس في الأنام فحورا

مشبه السرو عفة واستقامه

وقد روي أن حكيما سمع ابنه يذم إنسانا ، فقال : يا بني ، مالك وغيرك ؟ . وشكا رجل إلي الحسين بن علي رضي الله عنهما رجلا آخر وعابه ، فسمع امير المؤمنين على فقال لابنه : يا بني ، نزه سمعك عنه ، فإنه نظر إلي اخبث ما في وعائه فأفرغه في وعائك

وقد قيل إن منصور الحلاج ، قدس الله سوء العزيز قال وهو مصلوب : كنت في صباي اسير في طريق . فسمعت صوت امراة من السطح ، فرفعت بصري لاراها ، فأنا احسب تنكيس طرفي الآن من الصليب إلي الأرض كفارة عن رفع بصري ذلك اليوم .

المذهب المختار :

يقول اصحابنا : إن القدماء غلطوا في هذا الأمر اشنع

غلط ، وأضاعوا أعمارهم العزيزة في الضلالة والجهالة . وكل من سار هذه السيرة لم يكن له من العيش نصيب ، وقد جاء في التنزيل : " إنما الحياة الدنيا لعب وهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد وهم يفسرون هذا بأن مقصود الحياة الدنيا اللعب واللهو والزينة والتفاخر وجمع المال وكثرة النسل ، ويقولون إن اللعب واللهو بغير الفسق وارتكاب المنهيات ام ممتنع ، وجمع المال بغير ايذاء الناس ، والظلم والبهتان وتسليط اللسان على اعراض الخلق محال . فلا جرم كل من عف حرم هذه المقاصد ، ولم يمكن حسباته في الأحياء وحياته عبث . ويفسرون الآية " افحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون " بأن المرء إذا امكنته فرصة الاستمتاع فحرم نفسه وقال إني طاهر الديل ، بقي طول عمره نادما علي الفرصة التي أضاعها ، يقول إضاعة الفرصة غصة .

فمن كان يدعي قبل عفيفا طاهر الذيل ضابط النفس ، يسمي اليوم ابله محروما ثقيلا ، ويقولون : إن العين والأذن واللسان وسائر الأعضاء ليست عبثا ، فعلى الإنسان ان يري ما تستحسنه عينه ، ويسمع ما تلذه اذنه ، وان يقول ما ترتبط به منفعته من الإيذاء والبهتان والسب والفحش وشهادة الزور ؛ وإن اصاب الاخرين من هذا ضرر ، أو خربت ديارهم لم يبال ، ولم يشغل نفسه به فما يعجبك من قول او فعل ، فقل وافعل ، وكل ما يلذك فاستمتع به ولا يذهب عمرك هباء (١)

وكل من ضيع الفرصة بشؤم بحثه ، فقد أضاع مفتاح السعادة ، وبقي أيد الدهر ذليلا شقيا .

وأما سعيد الجد المستعد لقبول النصيحة في هذا الباب فحسبه هذا القدر والله يوفق الأصحاب لخير الكرامات ،

اشترك في نشرتنا البريدية