كتاب اخلاق الاشراف الباب الثالث في العفة
رأينا في سير أكابر السلف أن العفة كانت تعد في العصور الماضية إحدي الفضائل الأربع. وقيل في حدها : إنها طهارة الذيل (١)، ووصفوا بالعفة من يكف عينه عن رؤية المحرم ، واذنه عن سماع الغيبة ، ولسانه عن القول الفاحش ، ويده عن الامتداد إلي مال غيره ، ونفسه عما لا يليق . وكان الناس يكرمون من فعل هذا ويمدحونه ، ولذلك قال الشاعر :
يرفع الرأس في الأنام فحورا
مشبه السرو عفة واستقامه
وقد روي أن حكيما سمع ابنه يذم إنسانا ، فقال : يا بني ، مالك وغيرك ؟ . وشكا رجل إلي الحسين بن علي رضي الله عنهما رجلا آخر وعابه ، فسمع امير المؤمنين على فقال لابنه : يا بني ، نزه سمعك عنه ، فإنه نظر إلي اخبث ما في وعائه فأفرغه في وعائك
وقد قيل إن منصور الحلاج ، قدس الله سوء العزيز قال وهو مصلوب : كنت في صباي اسير في طريق . فسمعت صوت امراة من السطح ، فرفعت بصري لاراها ، فأنا احسب تنكيس طرفي الآن من الصليب إلي الأرض كفارة عن رفع بصري ذلك اليوم .
المذهب المختار :
يقول اصحابنا : إن القدماء غلطوا في هذا الأمر اشنع
غلط ، وأضاعوا أعمارهم العزيزة في الضلالة والجهالة . وكل من سار هذه السيرة لم يكن له من العيش نصيب ، وقد جاء في التنزيل : " إنما الحياة الدنيا لعب وهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد وهم يفسرون هذا بأن مقصود الحياة الدنيا اللعب واللهو والزينة والتفاخر وجمع المال وكثرة النسل ، ويقولون إن اللعب واللهو بغير الفسق وارتكاب المنهيات ام ممتنع ، وجمع المال بغير ايذاء الناس ، والظلم والبهتان وتسليط اللسان على اعراض الخلق محال . فلا جرم كل من عف حرم هذه المقاصد ، ولم يمكن حسباته في الأحياء وحياته عبث . ويفسرون الآية " افحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون " بأن المرء إذا امكنته فرصة الاستمتاع فحرم نفسه وقال إني طاهر الديل ، بقي طول عمره نادما علي الفرصة التي أضاعها ، يقول إضاعة الفرصة غصة .
فمن كان يدعي قبل عفيفا طاهر الذيل ضابط النفس ، يسمي اليوم ابله محروما ثقيلا ، ويقولون : إن العين والأذن واللسان وسائر الأعضاء ليست عبثا ، فعلى الإنسان ان يري ما تستحسنه عينه ، ويسمع ما تلذه اذنه ، وان يقول ما ترتبط به منفعته من الإيذاء والبهتان والسب والفحش وشهادة الزور ؛ وإن اصاب الاخرين من هذا ضرر ، أو خربت ديارهم لم يبال ، ولم يشغل نفسه به فما يعجبك من قول او فعل ، فقل وافعل ، وكل ما يلذك فاستمتع به ولا يذهب عمرك هباء (١)
وكل من ضيع الفرصة بشؤم بحثه ، فقد أضاع مفتاح السعادة ، وبقي أيد الدهر ذليلا شقيا .
وأما سعيد الجد المستعد لقبول النصيحة في هذا الباب فحسبه هذا القدر والله يوفق الأصحاب لخير الكرامات ،
