الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 644 الرجوع إلى "الثقافة"

عبيد بن الأبرص، لسير تشارلس ليال

Share

وكانت حدود أرض أسد تمتد جنوبى تيماء المشهورة ، وشرقى طريق التجارة العظيم الممتد من الشمال إلى الجنوب ، وهو الآن طريق الحج من معان إلى المدينة ، وغربى وجنوبى الحد الغربى من أجأ وسلمى ، جبلى طبئ . وكانت أسد أقصى قبائل معد شمالاً ، على الطريق من الجنوب إلى فلسطين وسورية ؛ وراءها قبائل عذرة ، وجذام ، وبيلى اليمنية ، على الطريق التجارى ، وإلى شرقها وشمالها الشرقى قبيلة كتاب ، اليمنية الأصل أيضاً ، فى المنخفضات المسماة الآن بوادي سرحان والجوف ، يفصلها عن أسد شريط واسع من السلاسل الرملية ( النفود الآن ) . وقد زار عدة رحالة أوربين أرض أسد . وقد عبرها دفنى ، فى ربيع ١٨٧٧ ، فى طريقه من مدائن صالح إلي تيماء ومن تيماء إلى حائل . واخترقها ايوتنج Euting : وهوبر Huber عام ١٨٨٤ . ووصف حديثاً مستردجلاس كرزرث Douglas Caruthers الذى زار تيماء من الشمال فى شتاء عام ٨-١٩٠٩ ، تجاربه فى " مجلة الجمعية الجغرافية الملكية " عدد مارس ١٩١٠ ، ومناظر هذه المواطن متنوعة . ففى الشرق والشمال سلاسل جبال أجأ وسلمى ، تمتد شمالاً بشرق وجنوبًا بغرب ، وهي كتل هائلة من الجرانيت ؛ وفى الغرب المرتفع الرملى ومناطق الحصى المتاحمة لطريق الحج ، وتصبح فى الربيع مراعى خصبة ، كثيرة المياه . وفى الوسط منطقة السلاسل والضفائر من المرتفعات الصخرية المختلفة ، وفى الجنوب الحرات الكبيرة ، أو سهول اللافا البركانية ، لا تخلو من المراعى والمياه ، وأكبرها حرة خبير ، وكان اسمها حرة ضرغد .

وكان عبيد من سعد بن ثعلبة ( بن دودان بن أسد )

ويبدو أن نسبه الكامل هو : عبيد بن الأبرص ( بن عوف ) بن جنسم بن عامر بن مالك بن زهبر ( أو هر ) بن مالك بن الحارث بن سعد بن ثعلبة . ويصف البكرى أرض بنى سعد بأنها على مبعدة ١٦ ميلاً من فيئد فى اتجاه الكوفة ، على سفوح جبل عنيزة . وتذكر في القصائد عدة أماكن من هذه المنطقة . ويدل وصفها على أنها ليست بعيدة عن مدينة " حائل " الحديثة ، وأن دور بنى أسد كانت مختلطة بدور بطون طئ . ويبدو من القصيدة ١٨ أنها تعرضت لخسائر جسيمة من جراء هجمات بنى غسان بقيادة الحارث الأعرج ، الملك النشط ، الذى تعرفه القسطنطينية جيداً ، ويذكر مطلع القصيدة الأولى إقفار أرضهم ، والقصيدة ١٨ البيت الثانى ، تفرقة الباقين بين البطون الأخرى من القبيلة . ويذكر فى قصائد أخرى معاهدات مع الحارث ؛ وكان الوضع الجغرافى يجعل أسداً أول قبيلة مستقلة من أصل غير يمنى يحاربها الملك الغسانى فى حملاته التى يبعثها لمعاقبة مهاجمى الحدود الرومانية . وربما شارك هذا البطن من أسد فى هجمات حجر ومعد يكرب المذكورة آخا عامى ٤٩٧ و ٥٠١ .

ولكن الحوادث التاريخية الرئيسية المذكورة فى القصائد تتصل بذبح حجر ومحاولة امرئ القيس الثأر له . وخاطب عبيد فى إحدى قصائد الديوان ( رقم ٢٩ ) البالغة ثلاثين قصيدة ، وحير نفسه ؛ وخاطب فى القصائد فى ٣٠٠١٧٠١٢٠٤ امرأ القيس أو يشير إليه ؛ ويذكر فى قصيدتين أخريين . بالإضافة إلى ما ذكر فوق أى رقم ٢ ( البيت ٢٧ ) ورقم ٢٦ ( البيت ١١ ) مقتل حجر . ويشير ثلاث ( رقم ١٠٠٨٠١ ) من الشذرات فى آخر الديوان إلي الحادث نفسه .

ولا يرتبط عبيد بأمرئ القيس بواسطة هذه الأحداث التاريخية وحدها : إذ توجد إشارات واضحة فى أشعارهما كليهما تدل على أنهما عالجا موضوعات واحدة ، وربما اشتركا في منافرات ودية ( قبل ظهور العداء بينهما ). فتوافق أشهر قصائد عبيد ، الأولى ، قصيدة امرئ القيس ١٥ فى طبعة آلثورد فى العبارات والوزن ، كما بين الدكتور همل Dr. Hommel عام ١٨٩٢ . وهذه ظاهرة جديرة بالملاحظة ، لأن بحرهما نوع من البسيط ، غاية فى الندرة ، بل لا أعرف مثالا آخر منه فى الشعر العربى القديم . وهناك حالات أخرى يظهر فيها الشاعران يستعدان من ذخيرة شعرية واحدة فى العبارات والموضوعات ، أو يعالجان موضوعاتهما معالجة واحدة ؛ وأوجه الأنظار إلى التعليقات فى القصائد المختلفة . ولست بمحتاج إلى القول بأن هذه الاشارات التاريخية والاتفاقات فى معالجة الموضوعات تعطينا أدلة قوية على صحة القصائد ، قصائد الشاعر الأسدى وأمير كندة ، التى ترد فيها . وقد نشك فى التفاصيل الخرافية عن ذبح حجر وطواف امرئ القيس طلبا لثأره كما جاءت فى الروايات ؛ ولكن يبدو لى أنه لا مبرر للشك فى الحوادث الرئيسة ، بل رحلة امرئ القيس إلى امبراطور القسطنطينية لطلب نصرته ، التى تبدو غير محتملة للوهلة الأولى ، يوجد ما يؤيدها فى قصيدة عبيد ١٥ البيت ١٩ . ويوجد شاهد آخر يؤيد صحة الخبر الذى تذكره الروايات عن وضع الأمير ، حين شرع فى رحلته إلى الشمال ، ذخيرة قيمة من الأسلحة والدروع لدى الزعيم اليهودى السمول بن عادياء فوضعها فى قصره الأيلق بجوار تيماء . وحين توفى امرؤ القيس فى اثناء رجوعه ، ظهر الحارث ملك غسان وحامى الحدود الرومانية ، أمام الأيلق ، وطالب بأسلحة امرئ القيس . فرفض الزعيم اليهودى أن يسلم وديعته حتى عندما هدده الحارث بقتل ابنه ، الذى اسره وهو خارج القصر يصطاد ، أمام نظر أبيه ، وقد قتله فعلاً . ومهما يكن من شئ ، فإن الثلث القصائى عجز عن اقتحام القصر وانسحب دون أن يقضى وطره . ومن الواضح أن الحارث اعتمد فى طلبه وديعة امرئ القيس على أن امرأ القيس

صار من الرعية الرومانية باستعماره قيصر ، وانه المسئول عن إرثه ، لكونه ممثل الرومان ؛ وقد وردت مكرمة السموءل هذه فى قصيدة مشهورة لأعشى قيس يمدح بها شريحا ، من ولد السموءل ، فى أوائل القرن السابع الميلادى ، ولا يمكن أن يتطرق الشك إليها .

ولا تشير أية قصيدة فى الديوان إلى موت امرئ القيس ، ومن المحتمل أن عبيدا لم يعش بعده .

وليس لدينا أخبار عن تفاصيل حياة عبيد ، غير ما جاء فى قصائده . ومن الواضح أن الأخبار التى تروى عنه خرافية ، ولا تحمل طابع الصدق . قيل إن سبب قوله الشعر أنه أتاه آت فى منامه تحت شجرات بالعراء بكبشة من شعر فألقاها فى فيه ، وقال : قل ما بدا لك ، فأنت اشعر العرب ، وأمجد العرب ، وقيل إنه عمر طويلا جدا ، حتى لقد قيل ٣٠٠ عام ، كما قيل إنه زار حاتم طيء المشهور فى صحبة بشر بن أبى خازم والنابغة الذيبانى ، فى أثناء وفودهم على بلاط النعمان أبى قابوس ، آخر خلفاء الحيرة اللخميين . ولا يتفق هذا مع الرواية الأخرى الصحيحة ، القائلة بأن عبدا قتله المنذر بن ماء السماء جد النعمان . ونعرف من المؤرخين البيزنطيين والسريانيين أن المنذر قتل فى حربه مع الحارث القسانى عام ٥٥٤ م ؛ إذاً فهو آخر عام يمكن أن تؤرخ به وفاة عبيد ، وإن كنا لا نستطيع أن نعرف المدة التى انقضت على وفاته قبل ذلك العام . ولم يتول النعمان العرش إلا حوالي عام ٥٨٠ م . والخبر العجيب عن قتلى المنذر لعبيد في الصفحة ٢ - ٤ من الديوان ؛ وربما كانت أحسن رواية له الموجودة في " أمالى " القالى . وكان الغريان أو الطمربالان للبنيان على قبرى نديمى الملك الأسديين ، واللذان كان المنذر يسفح عليهما دم أول من براء في يوم شؤمه ، لا يزالان فى زمن ابن قتيبة فى الكوفة ( المتاخمة للحيرة القديمة ) ويقال فى معجم ياقوت إن معن ابن زائدة ، فى زمن ثعلب النحوى ، وجد أحدهما دائراً ، والآخر مائلا .

ويظهر فى معظم قصائد عبيد أنها من تأليف رجل متقدم السن ، ينظر إلى شباب يعده من أجمل المراحل التى قام فيها بجلائل الأعمال . ولا يتفق هذا مع الخير القائل بأنه كان فقيراً مقلا يرعى غنيمة له ، حينما هبط عليه الإلهام المرة الأولى ؛ ويبدو أن نسختا زادت عبارة ، ليست فى رواية الخبر المطبوع فى " القصائد العشر " ص ١٥٩ ، لتبين أن فقره يرجع إلى بسط يده . وصلة رحمه

ويوضع عبيد فى مرتبة عالية بين الشعراء القدامى . فقد وضعه محمد بن سلام فى الطبقة الرابعة من الفحول ، مع طرفة ، وعلقمة بن عبدة ، وعدى بن زيد ، وتخبرنا الفقرة نفسها أن ذلك المؤلف لا يعرف من قصائده سوى " أصر من أهله ملحوب " إذ أن شعره مضطرب ذاهب ، لقدمه ، على الرغم من شهرته الواسعة . ويقول ابن قتيبة إن القصيدة الأولى تعد " من السبعة " أى من المعلقات ؛ وربما قدرها النقاد لصبغتها التعليمية والأخلاقية التى ليست ميزتها الكبرى فى نظرنا . ولا شك أن هذا سببه اقتران عبيد بعدى بن زيد الحضرى ، الذى يختلف عن عبيد من جميع الوجوه الأخرى اختلافا كبيراً . واشتهر عبيد بوصف العواصف والأمطار . وروى يوتس عن ذى الرمة ( وكان بارعاً فى هذا الشأن ) انه فضل امرأ القيس عليه ؛ ولكنه يعد مع أوس بن حجر سادة هذا الوصف ، ويتناول كثير من قصائده الباقية العواصف . ويذكره الفرزدق " من النوابغ الماضين الذين وهبوه الشعر " فى عبارة مشهورة يعدد فيها من سبقه من الشعراء العظماء .

ولم تصل إلينا أخبار عن أول من جمع قصائد عبيد الباقية من العلماء ، ويبدو من عبارة ابن سلام ( المتوفى سنة ٢٣١ ) المشار إليها آغا أنها لم تكن جمعت حين ألف " طبقات الشعراء الجاهليين " ومع ذلك يشار فى شرحنا ( للديوان ) إلى أبى عمرو الشيبانى ، ذلك الراوى الجامع الذى لا يميل للشعر القديم ، والمتوفى قبل ذلك بعشرين عاماً أو خمسة وعشرين ( يقال إنه توفى عام ٢٠٥ أو ٢٠٦ أو

٢١٣ ) يشار إليه حوالى عشر مرات على أنه عرف عدة قصائد ؛ كما انه راوى خبر إلهام عبيد بالشعر الذى يفتتح به الديوان . ويذكر الأصمعى ( المتوفى سنة ٢١٣ ) وأبو عبيدة ( المتوفى بين عامى ٢٠٨ و ٢١١ ) فى الشرح ثلاث مرات ، وخالد بن كلوم مرتين ، وأبو الحسن الأثرم مرة ، ولكن الرواة الدين يتردد ذكرهم كثيراً فى الشرح هم ابن كناسة وأبو الوليد ؛ ويبدو أن الأول المذكور باسمه فى شرح البيت الثانى من القصيدة الثالثة هو محمد بن كناسة الذى يترجم له صاحب الأغانى ١١١:١٢-١١٥ ، وهو أسدى من بنى الحارث بن ثعلية ( أخى جد عبيد : سعد ابن ثعلبة ) عاش فى الكوفة حيث يظهر أن جماعة كبيرة من أسد أقامت بها فى العصر الأموى وأوائل العباسى ؛ وكان ابن أخت إبراهيم بن أدهم الصوفى القديم المشهور ورثاء . وذكر جامى فى " نفحات الأنس " أن ابراهيم بن أدهم توفى عام ١٦١ أو ١٦٦ ، ويقال إن ابن كناسة سمع عن الأعمش الذى يذكره " لسان العرب " أحيانا ، وهو مولى بني كاهل بن أسد فى الكوفة ، وتوفى فيها عام ١٤٧ ( أو ١٤٨ أو ١٤٩ ) .

أما أبو الوليد الذى يذكر ايضاً فى شرح هبة الله فى " المختارات " فلم تستطع أن تعرفه . فربما كان أبا الوليد عيسى بن يزيد بن بكر بن دأب من بنى الشداح بن كنانة ، المذكور فى " الفهرست " ( ص ٩٠ ) فى النسابين والمحدثين ؛ ويقال فيه إن أباه كان عالماً بالحديث وأشعار العرب ، وتدل المقتبسات الكثيرة من قصائد عبيد فى كتب الجاحظ ( المتوفى سنة ٢٥٥ ) دلالة واضحة على وجود الديوان ( أو القصائد المؤلفة له ) فى أوائل القرن الثالث ، على حين يؤكد ابن قتيبة ( المتوفى سنة ٢٧٦ ) صحتها فى أواخر القرن نفسه ، وتوجد اثنتا عشرة قصيدة لعبيد فى المجموعة المسماة " مختارات شعراء العرب " التى جمعها هبة الله بن الشجرى ( المتوفى سنة ٥٤٢ ) ، وتوجد نسخة منها يخط المؤلف فى دار الكتب المصرية بالقاهرة . وطبعت بالحجر عام ١٣٠٦ ه .

( البحث بقية )

اشترك في نشرتنا البريدية