عاصر عبيد بن الأبرص الأسدي حجرا ، أمير كندة ، الذي حكم أبوه قبائل أسد وغطفان ، وكنانة ، في اواخر القرن الخامس أو الربع الأول من القرن السادس ، حين امتدت سلطته على القبائل العربية الشمالية . ويذكر المؤرخون البيزنطيون غارات شنها (فيما يبدو) حجر وأخوه معدي كرب (الذي تقول الروايات إنه ولي على قبائل قيس أو هوازن) على الحدود الرومانية عام ٤٩٧ و ٥٠١ م . وربما كان هذان التاريخان وقت انقسام القبائل بين أبناء الحارث على وجه التقريب . ويسمى المؤرخون البيزنطيون هذين الأميرين أوجاروس وباديكاريموس .
وكان من أبناء حجر امرؤ القيس الشاعر المشهور ، الذي يجمع النقاد على أنه أعظم شاعر في العصور القديمة وصلت إلينا قصائده . وقصائد امرئ القيس الباقية كثيرة بالنسبة لما بقي من غيره من شعراء عصره ؛ وتدل المواضع المذكورة في قصائده الطويلة التي لا يذكر فيها حروبه وطوافه ، على أنه ألفها في شبابه وهو مقيم مع أبيه في أرض أسد ، ولذلك ، نظن أن حكم حجر استمر عدة سنين وإن استحال علينا تقدير مدته .
وطرد الحارث الكندي ، الذي يظهر أنه مد سلطانه إلى الحيرة على الفرات ، عاصمة اللخميين ، على يد ختنه المنذرين ماء السماء المشهور ، الذي يعرفه المؤرخون الإغريق باسم "المندارس أو ساكيكاس" أو "زاكيكس" ، وكان يهدد الحدود الرومانية من عام ٥٠٦ إلى ٥٥٤ . ويدعي البيزنطيون أن المنذر قتل الحارث عام ٥٢٩ ، ولكن هذا الادعاء مشكوك فيه ، إذ تتفق الروايات العربية على أنه توفي ، في موضع يسمي مشحلان من أرض كلب ، وهو في الصيد في زمن ربما كان متأخرا قليلا على ٥٢٩ . ويبدو أن
الإمارات التي ولي عليها ابناؤه في شمال بلاد العرب أخذت تتحلل من سلطتهم ، بعد موته ، مهما كان تاريخه . وانتهى ملك حجر على بني اسد بمقتله الفجائي على أيديهم . ويروي "كتاب الأغاني" ما لا يقل عن أربع روايات مختلفة عن هذا الحادث .
١ - أولها رواها هشام بن الكابي (المتوفي ٢٠٤) عن أبيه محمد (المتوفي ١٤٦ ) الذي قال إنه سمعها من ابن الكاهن الأسدي : "أن حجرا كان في بني أسد ، وكانت له عليهم إناوة في كل سنة مؤقتة ؛ فقير ذلك دهما ، ثم ثم بعث إليهم جابيه الذي كان يجبهم ، فمنعوه ذلك - وحجر يومئذ بتهامة - وضربوا رسله وضرجوهم ضرجا شديدا قبيحا . فبلغ ذلك حجرا ؛ فسار إليهم مجند من ربيعة وجند من جند أخيه من قيس وكنانة ، فأناهم وأخذ سرانهم ، وجعل يقتلهم بالعصا - فستوا "عبيد العصا"- وأباح الأموال ، وسيرهم إلى تهامة ، وآلي بانه إلا يساكنوه في بلد ابدا ، وحبس منهم عمرو بن مسعود ابن كنده بن فزارة الأسدي وكان سيدا ، وعبيد بن الأبرص الشاعر، فسارت بنو أسد ثلاثا . ثم إن عبيد بن الأبرص قام فقال : أيها الملك اسمع مقالتي :
يا عَينِ فَاِبكي ما بَني أَسَدٍ فَهُم أَهلُ النَدامَه
... القصدة: فرق لهم حجر حين سمع قوله ، فبعث في أثرهم فأقبلوا ، حتى إذا كانوا على مسيرة يوم من تهامة تكهن كاهنهم ، وهو عوف بن ربيعة .. فقال لبني أسد : ياعبادي ! قالوا : لبيك ربنا . قال : من الملك الأصهب ، الغلاب غير المغلب ، في الإبل كأنها الرثرب ، لا يعلق رأسه الصخب ، هذا دمه ينتعب ، وهذا غدا أول من يسلب . قالوا : من هو بارينا ؟ قال : لولا أن تجيش نفس جاشية ، لأخبرتكم أنه حجر
ضاحية . فركبوا كل صعب وذلول ؛ فما أشرق لهم النهار حتى أنوا على عسكر حجر فهجموا على قبته . وكان حجابه من بني الحارث بن سعد يقال لهم بنو خدان بن خنثر ، منهم معاوية ابن الحارث وشبيب ورقية ومالك وحبيب ، وكان حجر قد أعتق أباهم من القتل . فما نظروا إلى القوم يريدون قتله خيموا عليه ليمتعوه ويجيروه . فأقيل عليهم علياء بن الحارث الكاهلي ، وكان حجر قد قتل أباء فطعنه من خللهم فأصاب نساء فقتله . فلما قتلوه قالت بنو أسد : يامعشر كنانة وقيس ، أنتم إخواننا وبنو عمنا ، والرجل بعيد النسب منا ومنكم ، وقد رأيتم ما كان يصنع بكم هو وقومه . فانتهبوهم فشدوا على عجائبه فمزقوها ولفوه في رابطة بيضاء وطرحوه على ظهر الطريق . فلما رأته قيس وكنانة انتهبوا أسلابه ، ووثب عمرو بن مسعود فضم عياله وقال : أنا لهم جار . قال ابن الكلبي : "وعدة قبائل من بني أسد يدعون قتل حجر ويقولون : إن علياء كان الساعي في قتله وصاحب المشورة ولم يقتله هو".
٢ - الثانية عن أبي عمرو الشيباني (المتوفي ٢٠٥ ) قال : "بل كان حجر لما خاف من بني أسد استجار عوير ابن شجنة أحد بني عطارد بن كعب بن سعد بن زيد فتاة بن تميم لبنته هند بنت حجر وعياله . وقال لبني أسد لما كثروه: أما إذا كان هذا شأنكم فإني مرتحل عنكم ومخليكم وشأنكم . فواعدوه على ذلك . ومال على خالد بن خدان أحد بني سعد بن ثعلبة ، فأدرك علياء بن الحارث أحد بني كأهل فقال : ياخالد اقتل صاحبك لا يفلت فعرك وإيانا بشر ، فامتنع خالد . ومر علياء بقصدة رمح مكسور فيها سنانها ، قطعن بها في خاصرة حجر وهو غافل فقتله . ففي ذلك يقول الأسدي :
وقصدة علياء بن قيس بن كاهل منية حجر في جوار ابن خدان "
٣ - الرواية الثالثة عن الهيثم بن عدي (المتوفي سنة ٢٠٦ ) ، قال : إن حجرا لما استجار عوير بن شجنة لبنيه وقطينه تحول عنهم فاقام في قومه مدة ، وجمع لبني
أسد جمعا عظيما من قومه ، وأقبل مدلا بمن معه من الجنود ؛ فتآمرت بنو أسد بينها ، وقالوا : والله لئن قهركم هذا ليحكمن عليكم حكم الصبي ! فما خير عيش يكون بعد قهر ، وانتم بحمد الله أشد العرب افموتوا كراما . فساروا إلى حجر ، وقد ارتحل نحوهم فلقوه فاقتتلوا قتالا شديدا ، وكان صاحب أمرهم علياء بن الحارث ؛ فحمل على حجر قطعته فقتله ، وانهزمت كندة وفيهم يومئذ امرؤ القيس؛ فهرب على فرس له شقراء وأعجزهم ، وأسروا من أهل بيته رجالا وقتلوا وملئوا أيديهم من الغنائم ، وأخذوا جواري حجر ونساءه وما كان معه من شئ فاقتسموه بينهم" .
٤- الرواية الرابعة عن يعقوب بن السكيت (المتوفي سنة ٢٤٤ ) عن خالد الكلابى ( كلب بطن من عامر بن صعصعة) قال : " كان سبب قتل حجر أنه كان وقد إلى أبيه الحارث بن عمرو في مرضه الذي مات فيه وأقام عنده حتى هلك ، ثم أقبل راجعا إلى بني أسد ، وقد كان أغار عليهم في النساء وأساء ولايتهم ، وكان يقدم بعض ثقلله أمامه وبهيأ نزله ، ثم يجيء وقد هيئ له من ذلك ما يعجبه فينزل ، ويقدم مثل ذلك إلى ما بين يديه من المنازل فيضرب له في المنزلة الأخرى ؛ فلما دنا من بلاد بني أسد وقد بلغهم موت أبيه طمعوا فيه ؛ فلما أظلهم وضربت قبابه اجتمعت بنو أسد إلى توفل بن ربيعة بن خدان ؛ فقال : يابني أسد من يتلقي هذا الرجل منكم فيقتطعه ؟ فإني قد أجمعت على الفتك به ؟ فقال له القوم : ما لذلك أحد غيرك ؛ فخرج نوفل في خيله حتى أغار على الثقل فقتل من وجد فيه ، وساق الثقل وأصاب جاريتين قينتين لحجر ، ثم أقبل حتى أني قومه ، فلما رأوا ما قد حدث وأتاهم به عرفوا أن حجرا يقاتلهم وأنه ل بد من القتال ؛ فحشد الناس لذلك وبلغ حجرا أمرهم ، فأقبل نحوهم ؛ فلما غشيهم ناهضوه القتال وهم بين ابرقين من الرمل في بلادهم يدعيان اليوم أبرقى حجر ؟ فلم يلبثوا حجرا أن هزموا أصحابه وأسروه فحبسوه ، وتشاور القوم في قتله ؛ فقال لهم كاهن من كهنتهم بعد أن حبسوه ليروا
فيه رأيهم : أي قوم ؛ لا تعجلوا بقتل الرجل حتى أزجر لكم ؟ فانصرف عن القوم لينظر لهم في قتله فلما رأي ذلك علياه خشى أن يتوا كلوا في قتله ؟ فدعا غلاما من بني كاهل وكان ابن أخته ، وكان حجر قتل أباء زوج أخت علياء فقال: يابنى أعندك خير فتثأر بأبيك وتنال شرف الدهر وان قومك لن يقتلوك ؟ فلم يزل بالغلام حتى حرية ، ودفع إليه حديدة وقد شحذها ، وقال : ادخل عليه مع قومك ثم اطعنه في مقتله . فصعد الغلام إلى الحديدة فخيأها ثم دخل على حجر في قبته التي حبس فيها ؟ فلما رأي الغلام غفلة وثب عليه فقتله ؛ فوثب القوم على الغلام ، فقالت بنو كاهل: ثارنا وفي أيدينا فقال الغلام : إنما ثارت يأبي . فخلوا عنه .
وتتفق الرواية الثالثة من هذه الروايات الأربع مع اقوال عبيد في ديوانه (المطبوع في ليدن). انظر القصيدة ٢ البيت ٢٧ والقصيدة ٤ الأبيات ٦-٢٠ والقصيدة ٧ (كلها) ، والقصيدة ١٧ الآبيات ١٢-١٨ ، والقصيدة ٢٦ الأبيات ١١-١٣ الشذرة ١ ، ولا تتفق هذه المقطوعات جميعها مع الروايتين الثانية والرابعة .
أما الرواية الأولى ، فتوافقها القصدة ٢٩ التى يشك في صحتها ؛ ولكن هذه القصيدة توحي للفرد بأنها نظمت في عصر متأخر عن عصر عبيد (انظر ذكر "القيامة" في البيت ١١). ولا يستطيع الإنسان أن يبعد عن خاطره الشك في أنها من نظم أحد أعداء بني أسد تعصبا لليمن (موطن كندة) ضد معد ( أصل اسد) وكثيرا ما تعزي هذه التحولات إلى ابن الكلبي ، خاصة في الأخبار المتعلقة بالقبائل اليمنية وعرب الشمال : مثل الأشعار المتحولة التي نسها إليه مؤلف "الأغاني" عن الخصومة بين عامر بن الطفيل ويزيد بن عبد المدان من نلحارث ، والأبيات التي يقال إنه نظمها ليحط من شان دريد بن الصمة أحد أبطال هوازن ، ويرفع بلحارث
بعد موت حجر ، وقع عبء الأخذ بثأره على ابنه الأصغر امرئ القيس ؛ ويذكر كتاب "الأغاني" وصفا
مطولا لما تكبده في هذا السبيل فقد طوف بين القبائل ، حتى استحق اللقب الذي عرف به في الأخبار العربية "الملك الضليل"، بحثا عمن يساعده على الأخذ بثأره ، الذي لم يخاصمه فيه القبائل العربية وحدها ، بل المنذر ملك الحيرة الذي كان يبسط سلطانه شيئا فشيئا على بلاد العرب الشمالية ، وأخيرا اضطر في ثورة بأسه إلي الالتجاء لقيصر ، فتبعه - كما تقول الأخبار - رسول من أسد ، يسعي الطماح، استطاع أن يفسد قيصر عليه ، حين أخبره بوجود مؤامرة بين امرئ القيس وابنته عليه . ويقال إن فيصر أرسل لامرئ القيس (الذي أعطاه قوة لمساعدته في قتال بني أسد وشرع في الرجوع إلى بلاد العرب) حلة مسموعة مثل حلة نشوس في الأساطير القديمة . وعندما ارتداها ، تساقط لحمه ، ومات جنوبي أنقرة ، ولذلك سمي "ذا الفروح"، وقد ذكر هذا الاسم الفرزدق الشاعر في القرن الأول من الإسلام . ولا تعرف بالتحديد تاريخ وفاة امرئ القيس، ولكن من المحتمل أن يكون توفي شابا ، فيما بين عامي ٥٣٠ و ٥٤٠ . كما يظن الأستاذ نولدكه ، وكان الإمبراطور في ذلك العهد جستنيان الأول . ونعرف من المؤرخين البيزنطيين تواريخ عدة حوادت وقعت في عهد الملكين العربيين للعاصرين ، الحارث الأعرج الغسائي (٥٢٩ - ٥٦٩ ) . والمنذر الحبري ( ٥٠٦ - ٥٥٤)، الذين تعاقبا على السيطرة على الحدود الشمالية تحت رعاية الرومان والفرس ؛ أما حوادث داخل شبه الجزيرة فليس لدينا مصدر لأخبارها غير الأخبار القبلية ، الغامضة المضطرية ، المرتبطة ارتباطا وثيقا بالقصائد التي ألفها الشعراء القيليون ، وجمعها الأدباء في أواخر العصر الأموي وأوائل العباسى ، بعد ظهور الإسلام بوقت غير قصير . ولما كان هؤلاء الباحثون لا يعرفون المدونات البيزنطية ، ولم يكن أمامهم غير هذه الأخبار المأثورة ، فإنهم استنبطوا منها تاريخا لا يتفق مع الحقائق المثبتة في المدونات المذكورة .
(للبحث بقية)
