ولا يحمل شرح القصائد أي اسم ، وليس له مقدمة تشرح مصدره ، ومن الواضح أنه " كوفي " الأصل ، وينتمي الراويان المذكوران فيه ( أبو عمرو وابن كناسة ) إلى تلك المدرسة . ويبدو أن تعليقاته ( أو بعضها ) كانت مكتوبة أصلا على هامش الأبيات ؛ فأضاع المجلد نهايات بعضها في تجليد النسخة التي كتبت عنها نسختنا ، فنقصت الشروح ( انظر مثلا القصيدة الثانية ، البيتين ٣،٢ ، والقصيدة الثالثة ، البيت الثامن ، وغيرها ) . ويرتكب الشارح أحيانا أخطاء جسيمة ، لا يمكن أن تصدر عن عالم بارز ، انظر مثلا شرح البيت ١٢ من القصيدة ؛ والقصيدة ٥ البيت ٢ نحويا ، والقصيدة الأولى ، البيت ٢٩ ، والقصيدة ٦ ، البيت الأول ، والقصيدة ١٢ البيت ١٢ في معنى الألفاظ ، والقصيدة ٢٠ البيت ٨ في الأخبار . وغالبا ما يكون الشرح غير كاف ، متجنبا الصعوبات الحقيقة ، محتويا على تكرار كثير لا طائل تحته . ولا يستشهد بأبيات الشعراء الآخرين في شرح الألفاظ إلا في خمس مرات أما القصائد الثلاث الأخيرة من المخطوط ، وفيها كثير من المشاكل التى تحتاج للحل ، فليس عليها أي شرح إطلاقا .
أما صحة الأبيات فينظر إليها الأشخاص المختلفون من زوايا مختلفة بالطبع . ومن المؤكد أن قصائد البدو الوثنيين
لم تنتقل إلينا مكتوبة ، وإنما بالرواية ، وكانت القصائد التى تسجل انتصارات القبيلة من أعز مآثرها ، فترويها جيلا عن جيل ، وبالإضافة إلى هذا النوع من المعرفة بين القبيلة ، كان الراوي ، ومهمته أن يحتفظ بالأشعار كما تعيها ذاكرته . وفي العصور التي لا تستخدم فيها الكتابة إلا في المدن ولأغراض خاصة ، يعتنى بالذاكرة عناية كبيرة ، وتكون أقدر كثيرا منها في العصور الحديثة ؛ وليس من المدهش أن تتداول القصائد بهذه الطريقة قرنين أو ثلاثة من الزمان .
ومن الطبيعي أن يظن المرء أن هذه القصائد اعتراها بعض التغيير في أثناء هذا الانتقال فيم تثبت الذاكرة يؤدي إلي إسقاط أبيات ، أو اضطراب ترتيبها ، أو إبدال عبارات مناسبة بعبارات من الراوي ؛ ومثل هذه الظواهر مألوفة في كل مكان . ولكننا حين نختبر القصائد ذاتها ، نجد قدرا من الشخصية الذاتية يكفينا للقول بأنها في معظمها من عمل المؤلفين المنسوبة إليهم . فالمعلقات السبع مثلا ، كلها قصائد ذوات ذاتية ومزايا عالية ، وتقدم لنا شخصات شديدة التميز . ونفس الأمر نجده مع القصائد الثلاث الباقية ( للأعشي والنابغة وعبيد ) التي عدها كثير من النقاد من المعلقات . فقد تركت شخصية امرئ القيس ، وزهير ، ولبيد ، والنابغة ، والأعشي طابعها على شعرها ، ومن
إفراط الخيال أن تظن أن معظم القصائد المنسوبة لهم منحولة في عصر متأخر ، من تأليف أدباء عاشوا تحت ظروف مغايرة تمام المغابرة ، وفي عالم شديد الاختلاف عن أيام الحياة البدوية في الصحراء العربية .
والسبب الثاني لاستمساكنا بأن الشعر القديم كما وصل إلينا صحيح في جملته ، وليس منحولا ، هو إيمان شعراء القرن الأول الهجري به ، فقد استمر شعراء القرن الاول المشهورون - الفرزدق ، وجرير ، والأخطل ، وذو الرمة على تقاليد الشعراء في العصر الجاهلى ؛ فبالإضافة إلى إشارتهم الشخصية إليهم استعملوا تراثهم الشعري مرارا وتكرارا ، متناولين نفس الموضوعات بنفس الطرق . محسنين . ومحورين ومستعيرين ، ولكن ما زالوا متقيدين بنفس التقاليد ، وليس هناك من شك في أنه قد وصلتنا قصائد هؤلاء ، الشعراء صحيحة ؛ فقد عاشوا في عصر عم استخدام الكتابة فيه لتدوين المؤلفات الشعرية ، وإن كانت الرواية لاتزال أداة نشرها بين الجمهور .
وسبب ثالث هو أن القصائد القديمة كانت ملأي بألفاظ غريبة على العلماء الذين كانوا أول من عرض هذه القصائد لمحك النقد ؛ فقد كانت تنتمى لمرحلة قديمة من اللغة كانت غير مستعملة في الزمن الذي كتبت فيه القصائد وجمعت في دواوين .
ويجب أن يتبه كل من ألف الشروح القديمة ( التي تكون المادة التي جمعت منها المعاجم فيما بعد ) أن الشراح - الذين يختلفون فيما بينهم اختلافا كبيرا - توصلوا إلى شرح الصعوبات بمقابلة عبارة بأخرى ، وبالجدل والنقاش لا بالإشارة إلى لغة الخطاب التي لم تكن تحتوي على الألفاظ التي يبحثون عن معناها ، وتعتمد المعاجم كل الاعتماد على الشعر القديم ولغة القرآن والحديث ، وتصرح بصحة الشعر تصريحها بصحة القرآن والحديث .
ودعنا نختبر القصائد والشذرات المنسوبة لعبيد ، وكل هذه الاعتبارات في ذاكرتنا ، فنجد قدرا كبيرا منها يتألف من " نسيب " أو " تشبيب " القصائد الكبيرة ، فتعرض عمل الشاعر المحترف بهذه الطريقة ، ولا بد أن هذه القطع حفظت لأنها كانت موضع الإعجاب ، ويصرع مطلع ثلاث وعشرين قصيدة من قصائد الديوان الثلاثين . ويرد بها ذكر مواضع قبيلة الشاعر وبطنه ، وتكرر هذه المواضع من قصيدة لأخرى ، وتدل على أن المؤلف رجل من سعد ابن ثعلبة من أسد التي توجد في أرضها المواضع المذكورة ،
وتحتوى القصائد على إشارات إلى أحداث عصر عبيد - مقتل حجر ، الأسلحة العظيمة التي تفخر بها القبيلة ، ومقاومة غسان وملكها الحارث الأعرج . وكل هذا يتفق مع كونها من تأليف عبيد ، وفي بعض الحالات ( مثل الإشارة إلى الصراع مع عامر في النسار ودارم في الجفار ، في القصيدة ٢ البيتين ١٩،١٨ ، إذا كان تأريخ الروايات لهذه الحوادث بعد شعب جبلة صحيحا ) يبدو أنه أدخلت في قصائد عبيد أبيات تشير إلى حوادث وقعت بعد زمن عبيد من تأليف شعراء آخرين من القبيلة .
وتكشف لغة القصائد عن شخصية ذاتية بارزة .
ويتجلي في موضوعات القصائد الكثيرة طريقة متسقة في الطواف حول موضوعات واحدة . فالقصيدة ١٣ تعالج نفس موضوع القصيدة ١١ ، ونجده ثانية في القصيدة ١٨ ، الآيات ١-٥ ، وفي المفضليات قصيدة ( رقم ٤ ) للجميح ( أو منقذ ) بن الطماح ، من قبيلة عبيد عاش في الجيل التالي له ، تتناول الموضوع نفسه ، بطريقة تذكرنا بعبيد ، وقد قتل الجميح ، الذي يصف نفسه بكبر السن " البيت الثالث في شعب جبلة ؛ وقد ذكر امرؤ القيس ( ١٣:٣٠ ) أباه الطماح في عداد أعدائه ، وانه الذي دس له عند قيصر . وتكرر موضوع القصيدة البيت ٦ في القصيدة ٧ . وتتشابه القطع المختلفة التى تصف العواصف تشابها بارزا في التناول ( انظر شرح كل منها ) .
وتحتوي القصائد على فقرات غامضة بسبب ضيع شرحها أو سقوط أبيات توضح معانيها ؛ كما في القصائد ١٩،٢ الآيات ١٦-١٧ . ويشك في معاني عدد كبير من الألفاظ ، أو يجهل معناها ؛ ولكن لا يمكن القطع بصحة الألفاظ في هذه الأحوال لرداءة المخطوط .
وصفوة القول أنه ليس هناك من سبب للشك في صحة نسبة أغلب القصائد المنسوية لعبيد - أما ما نشك فيه ( لأسباب بينتها في ترجمة كل قصيدة ) فالقصائد ٢٣،٢٠ ، ٢٩،٢٤ ، بالإضافة إلى أبيات من القصيدة ٢ . وأما الآيات الحكمية ذات الصيغة الإسلامية ، التي تظهر في القصيدة الأولى وبعض القطع الأخرى ، فربما كانت من زيادة بعض المتأخرين . ومن الواضح أن بعض الشذرات في الضميمة منحولة أو منسوبة خطأ لعبيد ، مثل رقم ٣ ، ١٦،١١،١٠،٥،٤ ؛ وربما كان الباقي صحيحا .
وأسلوب عبيد طبيعي وسهل ، ولا يتجلي فيه التكلف الذي أغرم به الأدباء فيما بعد .
