الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 736 الرجوع إلى "الرسالة"

عثمان بن عفان،

Share

هذا كتاب لم يزل موضعه خالياً في المكتبة العربية حتى  جاء الكاتب النابغة الشيخ صادق إبراهيم عرجون الأستاذ  بكلية اللغة العربية فملأ هذا الفراغ. ومنذ قرون طويلة  والراغبون في المعرفة يتلفتون ذات اليمين وذات الشمال ليجدوا  مخرجاً يطمئنون إليه فيما أحاط بالخليفة الراشد عثمان بن عفان من  فتن وأحداث، وقد كانوا يجدون الكلمة والكلمتين في الفينة  بعد الفينة ولكن ذلك لم يكن يروي غلة التعطش إلى وجه الحق  في هذه الأحداث فيبقى حائراً مبلبل الفكر، مضطرب الرأي،  يضرب على غير هدى، ويخبط في ظلمات مضلة، مما حدا بالعلماء  من قديم إلى أن يغلقوا باب الخوض فيما كان بين الصحابة من  خصومات ومقاتلات   (رحمة بالناس أن تزل بهم قدم الشبهات،  

أو ينفلت من يدهم معيار التقدير للحوادث وبواعثها، والأشخاص  ومفاسدها، فلقنوا تلاميذهم، وأخذوا عليهم أن يلقنوا تلاميذهم  جيلاً بعد جيل هذا المبدأ. وأول التشاجر الذي ورد تمكينا  لحسن الظن بأولئك الأسلاف الذين بنوا أضخم بناء فأحسنوا  تشييده، ووطدوا تأسيسه، فعجز الخلائف عن حراسة هذا البناء  العظيم بأعمالهم، ولم تبق لهم إلا ألسنة لو أطلقت من عقلها بغير  رقابة لقالت في السابقين الأولين)  بيد أن هذا الحجر على  العقول والأفكار لم يمنع أن يقول الناس وأن يتقولوا وأن يخوضوا  في هذه المعتركات بما شاء لهم العقل والهوى، والإيمان والكفر،  فكان من الحتم أن يتناول الباحثون هذه المسائل بشيء كثير  من البسط والإيضاح حتى تطمئن العقول إلى الرأي السديد،  وتبصر الحق واضحاً جلياً، وكان الأستاذ عرجون أبلغ من تصدى  لموضوع عثمان بن عفان فأخذ المسألة من جميع أطرافها، وتناولها  من ألفها إلى يائها كما يقولون، فدرس درساً مستفيضاً ووازن  بين الروايات وأحسن وزنها وأخرج للإسلام وللعربية هذا  الكتاب. وقد حاول المؤلف القضاء على كثير مما وقر في أذهان  الخاصة والعامة مما يقدح في سلامة تصرفات ذي النورين، وقد  وفق في كثير وأنه ليحسن الحجاج، ويوفق في الجدل، ويرمي  برأيه غير هياب ولا متردد، اقرأ إن شئت قوله ص ٨٦ (لقد  وقع في أوهام كثير من الناس، وتحدر إلى منازل التاريخ،  ولقن شباب المسلمين في المدارس، ومعاهد التعليم، أن عثمان بن عفان  رضي الله عنه كان ضعيفاً في موقفه إزاء هذه الأحداث العاصفة،  أو كان مستضعفاً يساق إلى ما يراد. وهذه غلطة تاريخية خطيرة  في حق ثالث عظماء الإسلام، يجب على كل مسلم سليم العقيدة  صحيح الفهم لتاريخ الإسلام أن على تصحيحها ما استطاع  إلى ذلك سبيلاً، فما كان أيسر على عثمان - لو أراد - أن  يصنع صنيع يزيد بن معاوية فيتخذ له ولاة من نظائر زياد   (كذا)   وابنه عبيد الله، أو مثل صنيع عبد الملك بن مروان وابنه الوليد  فيحكم في رقاب المسلمين أشباه إخيفش ثقيف ممن استباحوا  البلاد وأذلوا العباد حتى تدين له الدنيا ويصفو له الملك) ثم يردد  هذا المعنى في موضع آخر فيقول (وهل كان عثمان رضي الله عته  عاجزاً أن يتخذ لنفسه   (حجاباً)  يجعله جلدة ما بين عينيه  

ويسلطه على أبشار الأمة بسياط القهر والجبروت، ويطلق يده  في دمائها يعب منها ما يشاء حتى تخضع وتذل، وحوله من ذؤبان  العرب، وفتيان أمية، من يستطيع أن يصطنع منهم العدد الكثير  ممن غلظت أكبادهم، وقست قلوبهم؟). وهكذا يمضي المؤلف  قوياً متحمساً يدفع عن عثمان ما   (وقع في أذهان كثير من  الناس) .

ولا يمكن من يكتب عن هذا الكتاب أب يتجاهل أسلوب  المؤلف فيه، هذا الأسلوب الناصع الديباجة، القوي الأسر،  العربي الرصين، وإن ذلك تجده في كل صفحة من  صفحات الكتاب.

هذا وإننا لنقف قصيراً مع المؤلف في هذا النهج الذي انتهجه،  فقد جعل اللبنة التي أقام عليها بناء كتابه دراسته لأخلاق عثمان  الشخصية، وذلك حين يقول: (وقد تأكد عندي أن أعدل  ميزان لوزن الرجال وتقدير أعمالهم، ومعرفة الصحيح من الزائف  فيما ينسب إليهم، وكتابة سيرهم كتابة تقربها من الحق والإنصاف  إنما هو دراسة أخلاقهم الشخصية، وتعرف أحوالهم في حياتهم  حتى يمكن الباحث أن يصنع من هذه الدراسة   (صنجة)  يزن  بها كل ما يصادفه في طريق البحث من رأي أو مذهب أو  رواية ثم أن هذه   (الصنجة)  قد حررت الميزان في كثير  إلا أنها لم تنفع في بعض الأحايين؛ فإن المؤلف درس أخلاق عثمان  الشخصية، واتخذ منها أساساً يبني عليه حياته العامة، فكان  متجهه دائماً تبرير أعمال عثمان، والتماس الصواب ولو كان بعيداً.  وهذا وإن أرضانا كمسلمين فإنه لا يرضينا كباحثين متطلبين  لوجه الحق في أحداث التاريخ. وإنه ليسر كل مسلم أن لا يجد  مطعناً في أعمال صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن  كيف وليس أحد معصوماً إلا الأنبياء، على إن الباحث حين  يصل به البحث إلى أن يأخذ على عثمان شيئاً لا يكون بذلك  قد أغضب العقيدة الصحيحة، ولا يكون إسلامه مدخولاً) وإن  له في ابن عمر رضي الله عنه لأسرة حين سئل عن فرار عثمان يوم  أحد فأجاب   (أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له)   وهذا المذهب الذي ذهبه الأستاذ في التأليف جعله يبرر أعمالاً  لا يطمئن النصف إلى تبريرها، فأي وجه للصواب في موقف  

عثمان من جهجاه الغفاري الذي يقول الأستاذ في تبريره) ولين  عثمان وحلمه أطمعا جهجاها الغفاري في أن يأخذ من يد عثمان  وهو على المنبر عصا رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كان يخطب  بها فيكسرها)؟ وهل تساس الجماهير بمثل هذا الحلم؟ أن قائلاً  لو قال: كان هذا منتهى الضعف فن عثمان رضي الله عنه، وكان  بعيداً كل البعد عن سداد السياسة الرشيدة الحازمة، لو قال ذلك  لم يبعد عن وجه الحق. كما أن المؤلف أطال الدفاع عن عثمان في  إيثاره أقاربه، واختصاصهم بعطفه وبره دون أهل السابقة من  الإسلام، ولكنه مع ذلك لم يقرطس الهدف، ولم يبلغ الغاية.  ولا يزال هذا الأمر يحيك في النفس وقد أعجبني من المؤلف أنه  قدم بين يدي القول فيما كان بين علي وعثمان اعتذاراً عن معالجة  هذا الموضوع، والأخذ فيه   (هذا الفصل لم يكن القلم فيه بليل  الريق، طيع المقادة، ولكنه كان وقافاً، كثير التلفت، كثير  الحذر، وأنا أشهد الحق أني عذرت قلبي، وعذرت نفسي، فإن  عذرني الناس فنعما هي، وإن أبوا فما أحب أن أرضيهم بسخط  الله تعالى وسخط البحث، وإن من حق البحث على الباحث أن  يترفق به في المضايق، وأن ينشد معه في الخطو عند المزالق، وأن  يتثبت عند اشتجار الآراء، واختلاف المذاهب، وتضارب  الروايات)

ومهما يكن من شيء فلا يسعنا إلا أن نشهد للمؤلف الفاضل  بالبراعة، وقوة الحجة، وسداد المنطق، وهي فضائل شاعت في  أكثر فصول الكتاب، وحسب مؤلف في هذه الفتن العمياء  من تاريخ الإسلام أن يكون هذا نصيبه، وأنه لنصيب قل من  الرجال من يظفر به.

اشترك في نشرتنا البريدية