الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

عجالة فى, الشعر العربي المعاصر

Share

-٢ -

ان امكن الشعر العربى المعاصر ان يتبوأ منزلته ويؤثر تأثيره ويحقق واقعه فلانه احسن النفاذ الى القلوب والاتحاد والآمال بفضل ما فرضه على نفسه من رجوع الى جوهره الاصلي الذي ما كان منه ان يحيد عنه اعنى روعة الفن

فالشاعر العربي المعاصر اصبح فنانا " وليس الفنان من حيث هو فنان عالما ولا فيلسوفا ولا اخلاقيا ان الفنان فنان لا اكثر اي انسان يحب ويعبر " (من مقدمة " طفولة نهد " لنزار قبانى) لذلك فهو حر مطلق الحرية في حبه واسلوب تعبيره :

هل جئت ابحث ها هنا عن شكل تعبير جديد

الشكل . . ان الشكل تعبير تسيل الروح منه

انا لا ارى التعبير شيئا غير ما عبرت عنه

                        (عبد الرحمان الشرقاوي)

فتحرر الشكل تحررا من العبودية التقليدية الطاغية كما تحرر الانسان فكرا وعملا من عبودية الاستعمار والطغيان ولكن التحرر لم يقع عرضا او تكاسلا او تعصبا فالاهتمام ان كان عظيما فى الشعر العربى المعاصر برنة الكلمة ووقعها والموسيقى التي تؤلفها مجموعة الكلمات لما تحمله تلك الكلمات او تلك المجموعات من طاقة تعبيرية ما كانت حملتها قط فى عصر ما من عصور الشعر العربى فذلك الاهتمام اعظم بتلاؤ الشكل والطاقة الشعورية المراد التعبير عنها بحيث اصبح الشكل اسلوب تعبير فني لا غير يتبني جميع الصور التى تحقق له ما يصبو اليه من نفاذ الى القلوب للسمو بها الى اعلى الغايات واسمى القيم .

ففتق الشعر العربي المعاصر وحدة البيت التقليدية وعوضها بوحدة القصيد حينا

وبوحدة الديوان حينا مما آل بالبيت الى التجزئة الى بيتين او اكثر كقول نزار قباني فى " أجيرة " :

آمنت بالحسين الاجير ... وطاته بدراهمي

وركلته ...

وذللته ...

بدمي... بأطواق كوهم الواهم

وكقول عبد الوهاب البياتي في " الظلال الهائمة " :

أترى الظلال الهائمات وراءه وعت الغناء

أم لا تزال

مثلى تسير

هي والهجير

لتموت فى صمت الحقول بلا غدير

وآل ذلك ايضا بارتباط البيت بالأخر وبجذم البيت او تمديده بقدر امتداد الشعور او الاحساس كقول البياتى في القصيد المذكور :

وهواي كان

طفلا إلاهيا على الاشواك يحبو في الهجير

صوب الغدير

وقول بلند الحيدري :

كنا نقول غدا يموت وتستفيق

من كل دار

أصوات أطفال صغار

وظهر فى الشعر العربي المعاصر تنويع القافية وتقارب القوافي المتماثلة أو تباعدها كما ظهر اهمال القافية اهمالا كقول احمد كمال زكي :

وترد النوم عن جفن ثقيل

تتثاءب

ثم تخطو بوعاء من خشب

وفتات من رغيف

وبقايا من ادام

وزكيبة

وقول صلاح الدين عبد الصبور :

كان زهران غلاما

أمه سمراء والاب مولد

وبعينية وسامه

وعلى الصدغ حمامه

وعلى الزند ابو زيد سلامه

ممسكا سيفا وتحت الوشم نبش كالكتابه

اسم قرية

دنشواي

وظهر فى قلب البيت استعمال التفعيلة الواحدة عوض التفعيلتين مع تنويع تعدادها تنويعا غير محدود ولامعين واستعمال جميع انواع الزحاف من اضمار وخبن وطي ووقص وعصب وقبض وعقل وكف مفردة أو مركبة وجميع ضروب العلل المختصة منها بالزيادة كالترفيل والتذييل والتسبيغ والمختصة منها بالنقص كالحذف والقطع والقصر والحذذ والصلم والوقف والتشعيث والكسف ومركبات الحذف من قطف وبتر ...

وهذه ثلاثة ابيات من قصيد " يوم عظيم " تعتمد على تفعيلة متفاعلن كاملة أو مضمرة مذكورة أربع مرات في البيت الاول وثلاثا في البيت الثاني ومرة واحدة في البيت الاخير :

ولسوف يجمعني بهم يوم انتصار العاملين

يوم الاخوة والمحبة والنعيم

يوم عظيم

وهذه اربعة ابيات من " عالم فارغ " (صفاء الحيدرى) تعتمد نفس تلك التفعيلة

مذكورة مرتين فى البيت الاول وثلاث مرات في البيت الثاني ومرة واحدة في البيتين الثالث والرابع :

ومضى النهار مضى النهار

مرت دقائقه كأحلام قصار

وغررت بي

وتركتني ...

وهذه ابيات من " الخيمة الباكية " (بديع حقى) تعتمد تفعيلة فعولن صحيحها ومقصورها ومحذوفها مذكورة ثلاث مرات في البيت الاول واربعا في البيتين الثاني والثالث ومرتين فى البيت الرابع ومرة واحدة في البيت الخامس :

ولكن بقلبي هنا

بكاء وجوع وموت المنى

واسمع همسا مزيجا بخوف

يدور بجوفي

يقول : ... وقد يرى البعض فى ذلك ما ألفه الشعر العربى القديم من جزء وشطر ونهك لكي ذلك الرأى غير صحيح لان الشعر العربى المعاصر بعد ان خلق البيت الشعري خلقا جديدا ذهب به مذاهب شتى تتفق حينا وقواعد الشعر التقليدية وتخرج حينا عنها خروجا بينا واضحا .

ولو تصدينا لذكر أمثلة لذلك لطال بنا الامر ولكنا نشير خاصة الى بعض اشعار بدر شاكر السياب ونلفت الانظار اليها وبدر شاكر السياب هذا شاعر عراقي شاب لا يزال يتخبط فى شتى المذاهب الاروبية من رومنطيقية ورمزية وغيرهما ولم تستقر شخصيتة بعد

وهكذا نرى الشعر العربى المعاصر قد بدأ يخرج عن الاشكال التقليدية والتفعيلات المألوفة بترتيب القصيد ترتيبا ثوريا واستعمال تفعيلات جديدة ابتكرها ابتكارا ولسوف يبتكر منها اكثر فاكثر فضلا عما استعمله من ازدواج التفعيلات

القديمة كاستعمال مثلا فى القصيد الواحد بل في البيت الواحد تفعيلة متفاعلن (الكامل) وتفعيلة فاعلاتن (الرمل)

وظهر ايضا في الشعر العربى المعاصر الميل الا التكرار لا تكرار الكلمات ومجموعات الكلمات فحسب كما ورد ذلك في الشعر العربى القديم عند المهلهل والخنساء خاصة بل اعادة الابيات باسرها مرة او مرات عديدة حسب الغاية التي يقصد إيحاؤها والطاقة الروحية التي يراد إبلاغها

وبفضل هذا كله بدا الشعر العربى المعاصر يرد الى أصله الجوهري اعني روعة الفن فالقصيدة كالزهرة الفيحاء واللوحة الجميلة والقمر الساطع ساعة خلقها وتصويرها ساعة ابداع والهام والشاعر الحق لا يمكنه ابدا ان يعرف ساعة الهامه فهي عنده كنوبة الحمى تعترية من حيث لا يدري ولاتدع فيه مجالا للامتناع أو التردد أو التفكير فهي تتسلط عليه تسلطا وتستبد به استبدادا فيغمره نور روحاني اشبه مايكون بالنور الذي يغمر الانبياء والرسل ساعة الوحي .

ويكون القصيد تلك اللوحة البارعة ، تلك الزهرة الفيحاء ، تلك الاغنية الساحرة ، التى تهمس اليك بما تحسه انت نفسك ويختلج في صدرك فتقوم لديك مقام احساسك وشعورك وتعبيرك

فيجب اذن - والحالة تلك - ان لانفكك اللوحة ولانحث اوراق الزهرة ولانقطع الاغنية . . يحصر عدد تفعيلاتها والوقوف على بحرها وخفي زحافها وعللها . فالحساب والاحصاء والتحليل من باب العقل والمنطق لامن باب الفن لانها نافية للايحاء قاتلة للفن .

وهكذا يتضح لنا في خاتمة هذا المطاف السريع - اذ لا يمكننا في عجالة كهذه أن نفي الشعر العربي المعاصر حقه من الدرس والتمحيص -يتضح لنا ما حقق الشعر من ثورة على قديمة فى مفهومه ومضمونه وشكله وما فتح امامه من افاق غير محدودة ستجعل منه يوما - لا يبعد عن الظن ان يكون قريبا - شعرا انسانيا عاليا يتبوأ منزلة ممتازة فى قافلة الشعر الأنسانى العالمى .

اشترك في نشرتنا البريدية