-1-
قصة الشعر العربى المعاصر قصة عجيبة كأحسن قصص الف ليلة وليلة الخالدة واعجبها واعذبها وقعا على النفس الانسانية وادعاها الى الارتياح الى مصير الشعر العربى والتفاؤل ببلوغه اعلى القمم والافتخار بما سيحققه قريبا من معجزات الصور
وقصة الشعر العربي المعاصر قصة تحقيق ثورة عميقة ظهرت بذورها فى قديم الزمان منذ اقدم شعر عربي وصل الينا الى احدث ما انتجته قرائح المعاصرين فثورة الصعاليك ولا سيما عروة وسر انقطاع الحطيئة الى الهجاء وقصة موته المشهورة وصراع ابى العتاهية مدة زهده فى الحياة الدنيا والتجاء عنترة العبسى وقيس بن الملوح وجميل بثينة وكثير عزة الى الهوى العذرى العفيف ومحاولة ابى نواس في استنفاد فنون اللذة وضروب الاستهتار وفلسفة ابى العلا المعرى ومجون شعراء الاندلس وتفننهم فى الظرف وانزواء الشابى فى الجمالية البحتة وتسامية الرفيع عن عادى الشهوات ومألوف الانفعالات والاحاسيس كل هذه المآسى وغيرها مما لم نذكره ، هى البذور الاصلية الحقيقية لانطلاق الشعر العربى المعاصر الى بعيد الآفاق .
ان الشعر العربي المعاصر كالشجرة المباركة ان خلت من اصل ثابت في الارض لا يمكنها ان تبعث اغصانها مورقة عالية نحو عنان السماء
وهو ان اعترف باصله فهو لا يجحد ان ذلك الاصل مكث زمنا طويلا ثابتا في الارض موثقا بها تضطر ، الانانية الجدباء والشكل الخانق الى الانحناء الى اسفل لا الى الرنو الى أعلى
وهو وان استمد من الشعر القديم روحه العربى فقد انطلق به الى شاسع الافاق التى لم يعهدها قط على جودته ومتانته الشعر القديم
ليست القوة في ان يجهل المرء غريزة او شهوة ما انما القوة فى ان تجذبه هذه وتلك فيتغلب عليهما بالانصراف الارادى الى الغايات السامية والفضائل الاكيدة وان بقى به اليهما حنين ابى العتاهية الى حياته الاولى طيلة سنى تزهده
وليس الابداع فى ان يعظ المرء غيره انما الابداع فى ان يبلغ قمة الفن التى تجعله يصور القبيح قبيحا فينفر منه الناس نفورا والجميل جميلا فيتهافت عليه الناس تهافتا
والابداع في ان ينفذ الى قلوب الناس وشعورهم لا الى عقولهم لان الانسان العادى البسيط معبود لقلبه وشعوره لا لعقله لذلك لا لعقله فقد نبذ الشعر العربي المعاصر الموعظة والحكمة نبذا مطلقا وعوضهما بالايحاء والاثارة .
وهكذا مسالة الشعر العربي المعاصر ليست مسالة تنقيح او تحوير او تلفيق او تحسين للشعر العربى القديم انما اصبحت مسالة خلق جديد اروع واكمل .
فالشاعر العربى المعاصر يعيش صميم الحياة متصلا شديد الاتصال بمجتمعه شاعرا صادق الشعور بما لشعبه من امال جسام وما يعانيه فى سبيل تحقيقها من صراع وكفاح وما يعترضه من حواجز وعقبات وما يصيبه من ألم او لذة ويناله من خيبة او نصر .
اصبح الشاعر المعاصر يحس واقع شعبه المر ويعيش حيرته فيهتم ببائع الحصير (احمد صافي النجفي) وبائع الابر (كيلاني حسن سند) ومساح الاحذية والسائل القروى (النجفي) ويصف سوق القرية الهزيل المضحك (عبد الوهاب البياتى) ويلفت انتباهه الفلاح قصيدتان بعنوان " موت الفلاح محمود " احداهما لناظم حكمت والاخرى لعبد الوهاب البياتى) ويعني بالاكوخ الحقيرة (ديوان " اغاني الكوخ " لمحمود حسن اسماعيل)...
فالشعر العربى المعاصر اذن ثورة على الشعر العربى القديم فى مفهومه ومضموضه بما يفرضه على الشاعر من هجر " البروج العاجية " المألوف والنزول الى المشاكل والمآسى الشعبية او السمو الى القمم الانسانية
ولم تتوفر شروط هذه الثورة الا منذ سنوات معدودات قد لا تتجاوز العشر عندما وجد الشاعر نفسه فى قلب الكفاح فنزل اليه وشارك فيه وناله منه ما نال غيره من عناء وبلاء وتضييق وعذاب وتعذيب
هذا انا عند القنال وفي يدي امل الخلود هذا انا والمدفع الرشاش والحقد المبيد (كمال نشأت) لكنه ما كاد يبلو ذلك الكفاح حتى انقلبت مأساته الخاصة الى ماساة عامة هي فى آن واحد مأساة شعبه ومأساة شعوب ومأساة الانسانية جمعاء
وهكذا انطلق شعور الشاعر انطلاقا مطلقا واتسعت آفاقه اتساعا غير متناه فخرج من جوه الضيق المحدود الى ما لاحدود .
فاصبحت ادنى تجاربه الفردية الخاصة تتسامى الى اقصى التجارب الجماعية العامة بحيث هو اليوم إن يشعر شعورا عنيفا بمآسيه الخاصة يغن المآسي الانسانية العامة
فالبنية الصغيرة التى بدأت تجرب رجليها فى المشى تصبح فى قصيدة لعبد الرحمان الشرقاوى صورة للمعركة التى يقتحمها العربى فى سبيل حريته وتحقيق كرامته :
تحاول جاهدة ان تسير وكانت لعهدى لم تقعد ويا طالما رنحتها الخطى ويا طالما وقعت ضاحكه لتنهض عازمة من جديد . . كذلك تمضى بنا المعركة تدربها عثرات الطريق وتدفعها خبرة التجربة
والطفل الذى لم يولد بعد يصبح فى قصيدة لكمال عبد الحليم صورة للسلم التى ما زالت ولا تزال بين العدم والوجود .
ولكنني بعد لم اولد فمالي من حاضر او غد ويأبى الوزير وانصاره ويخشون ان يشهدوا مولدى ويأبى الطغاة دعاة الحروب اعادة امى الى والدى انا كائن بعد لم أولد انا والسلام على موعد
وزهران الميت في قصيدة " شنق زهران " لصلاح الدين عبد الصبور يصبح رمزا للحياة :
واتى السياف "مسرور" واعداء الحياة وتدلى رأس زهران الوديع مات زهران وعيناه حياة فلماذا قريتى تخشى الحياة
وحثالة الاجناد من كل الاقوام فى قصيدة " كوريا عام ١٩٥٣ " لعبد الوهاب البياتى يصبحون اعداء الحياة فيقول الامريكى منهم:
في موطنى "تكساس" كنت ابيع اوسمة الجنود ورسوم ابراهام والدولار والدم واللبان والسم والاكفان للمتعطلين وكنت اتقن لعبة الداما وتزييف النقود وكنت مخلوقا تعيس
ويقول التركي : وانا باستمبول كنت مقامرا لصا خسيس وكنت مسمارا صغير في نعش موطنى الحبيس
لكن احباب السلام سيكيلون الدمار لاعداء الحياة وسيخلفون حتما السلام : عيناك يا " سيئول " يا اخت الشمال ابدا ورائى انت يا اخت الشمال وقوافل الاسرى واغنية السلام كالفجر تولد فى قلوب آلاف آلاف الجنود
ويحس الشاعر المعاصر ماساة الشرق الكبرى فى الصمت البليد والكسل القاتل والخنى المريع والحمق والبله والتفاهة فهذا عبد الوهاب البياتي يقول من بغداد :
ما زال اعداء الحياة يراولون تجارة القول المزيف والرقيق
ما زال " هولاكو " وهارون الرشيد ولم تزل اهرام خوفو ساخرات من الحزانى الكادحين وعلى هشيم صخورها لما تزل حمراء آثار السياط
وادمع البؤساء والمستضعفين . . . وعمائم خضر وصيادو الذباب يخمسون " قصيدة عصماء " فى ذم الزمان وقبور موتاهم وحانات المدينة والقباب وسحائب الافيون والشرق القديم ما زال يلعب بالحصى والرمل..
وهذا صلاح الدين عبد الصبور يقول من مصر : الناس فى بلادى جارحون كالصقور غناؤم كرجفة الشتاء في ذؤابة الشجر وضحكهم يئز كاللهيب في الحطب خطاهم تريد ان تسوخ في التراب ويقتلون يسرقون يشربون يجشأون لكنهم بشر وطيبون حين يملكون قبضتى نقود ومؤمنون بالقدر
وهذا نزار قبانى من سورية يردف قائلا : فى بلادى حيث يحيا الناس من دون عيون حيث يبكبى الساذجون ويصلون . . ويزنون . ويحبون اتكال .. وينادون الهلال يا هلال ... ايها النبع الذي يمطر ماس
وحشيشا ونعاس . . دمت للشرق . . لنا عنقود ماس للملايين التى قد عطلت فيها الحواس . . شرقنا المجتر تاريخا واحلاما كسوله وخرافات خوالي . شرقنا الباحث عن كل بطوله في ابى زيد الهلالي .
وهذا صوت من تونس الجديدة يصرخ قائلا :
فى بلاد فى بلاد البسطاء حيث يطغى الزور والكفر واسباب الفناء ويهين الدين والعفة " اخوان الصفاء حيث جل الناس يحيون شقاء ويعيشون فسوقا ورثاء ويموتون بكاء وينادون الرجاء من ايادى الاغبياء حيث تطغى شهوة النفس على كل النساء فتراهن يسرن نحو قبر الاولياء حيث يصمدن زمر وينادين الحجر فيكرمن الحجر ويذللن البشر . حيث جل الناس من شعبى رجالا ونساء يتغذون بترديد الخرافات لرأس الغول او سيف اليزن . .
أليس عجبا وبادرة خير ووعى ان تتجاوب أصوات اربعة من اربع جهات من الوطن العربي فيعبروا عن نفس الماساة التي هي مأساة واحدة في الشرق العربي كلية وبصور تكاد تكون متماثلة الرسم متحدة اللفظ
وهكذا فالميزة الكبرى للشعر العربى المعاصر هي النزعة الواقعية لا الرمزيه اذ أصبح الشاعر يحس بالاشياء والمآسى والقضايا احساسا صادقا عاريا فلا يانف من ذكرها باسمائها العنيفة الجارحة ووصفها كما هى فى الواقع بما فيها من قبح او جمال فيقول عبد الوهاب البياتى في قصيدة " المحرقة"
والتافهون وراء حائطنا يرنون للموتى باعجاب . وقلوبهم جيف معطرة للبيع فى حانوت قصاب ناموا على اعتاب قاتلهم يتثاءبون طوال احقاب وبدر شاكر السياب يقول علي لسان "المخبر":
فى البدء كان يطيف بى شبح يقال له : الضمير فى البدء لم أك في الصراع سوى اجير كالبائعات حليبهن كما تؤجر -للبكاء ولندب موتى غير موتاهن - في الهند النساء قد امعن الباكي على مضض فعاد هو البكاء . قوتى وقوت بنبى لحم آدمي او عظام فليحقدن على كالحمم المسعرة - الانام كي لا يكونوا اخوة لي آنذاك ولا اكون وريث قابيل اللعين -
ويفاجئنا كمال نشأت في قصيد " نامت نهاد " بصورة واقعية عنيفه لاذعه للشعوب البائسة الكادحة الضائعة اناقد اكلت الجوع والالم المرير وعرفت ما معنى الضياع
كل الضياع ومشيت حيث خطا المنون وعلى الدجون وعلى الصباح اثار دم سال من هذى الجراح .
ويقول محمد العروسى المطوى التونسي على لسان الخائن المحتضر : ماذا كست من الدنا لاشئ في دنيا الغرور ذل .. وعار . . هم أقل من البوار . ويلاه من سوء المصير هلا اعود هلا اكفر عن حياة . كانت سرابا خادعا رباه . . لو كانت عدم
ثم ان الشاعر العربى المعاصر يعلن الثورة الكبرى ثورة المستضعفين على الطغاة ثورة الكرامة على العبودية ثورة الشرق على الغرب ثورة الروح على المادة فبعد ان يصف عبد الوهاب البياتي المأساة الفلسطينية العظمى فى " الملجأ العشرين" بقوله :
لا شئ يذكر لم تزل يافا وما زال الرفاق تحت الجسور وفوق اعمدة الضياء يتأرجحون بلا رؤوس في الهواء ولم يزل دمنا المراق على حوائطنا القديمة واللصوص وحقولنا الجرداء يغزوها الجراد يصرخ في طمأنينة وثبات وإيمان يافا نعود غدا اليك مع الحصاد ومع السنونو والربيع
ومع الرفاق العائدين من المنافى والسجون ومع الضحى والقبرات والامهات .
والشاعر العربى المعاصر جذوة من نار فى كفاح شعبه وكفاح الشعوب يقذف باعداء الحياة فى السجون ويكيل لهم السموم كيلا ويفنيهم فناء فى سبيل الكرامة والانسانية يهزه فى ذلك هزا ايمانه العنيف الصاخب بالنصر النهائى فهذا كمال عبد الحليم فى صرخته العارمة المتفجرة:
نحن لن يرهبنا السجن ولن نلقى السلاح دولة الظلم ستنهار وتذروها الرياح فنباح الظالم المسعور اصداء النباح ولنا النصر وللننصر مساء او صباح حينما نقذف للسجن باعداء الكفاح
وهذا نذير العظمة ينتهى فى (دير ياسين) الى نفس تلك الصرخة :
احلامنا لا بوركت احلامنا ان لم تكن احلام نار تودي بمن اخنى وجار
وهذا صلاح جواد الطعمة فى تفاؤله وايمانه فى قصيده " العائدون " :
الارض تلك لنا . . لنا حق مضاع لابد يوما ان تعود . . تعود بالدم والصراع . . واذا لمحت ولادة النور الحبيب ابصرت تلك الارض يرعاها بنوها الاقربون والقرية الخضراء آمنة وجدولها الطروب والزارعين لهم لانفسهم جناها يحصدون
وهذا صوت رئيف خورى: اطلق رجاء شديدا تعال ننشد نشدا عدونا يستبد
واننا نستعد والنصر ما منه بد وسوف نزار بعد كزأرة الغيظ قبلا أعلى فأعلى فأعلى
وهذا صوت محمد العروسي المطوي على لسان السجين مخاطبا ابنه فى قصيده " عيد ابن السجين "
بني . . ترقب . . وخل الضجر قمما قريب يجيب القدر وتحلو الحياة وآتي اليكم بعيد الخلود فصبرا بنى قريبا اعود
هذا هو الشاعر العربى المعاصر وقد تجسم تجسما مع شعبه وجميع الشعوب المستضعفة المظلومة وصور مآسيها احسن تصوير واروعه واقربه الى النفس الانسانية واشده وقعا عليها وعدل نبض قلبه المرهف الاحساس على نبض قلوبها الكليمة فأيقظ ما بقى فيها من شتات الشعور ودفعها من جديد دفعا عنيفا نحو الحياة الكريمة الكاملة فصدقت معجزة الشعر الكبرى وهى الخلق والشاعر اليوم شاعر بمسؤولياته العظيمة التى لم يعرفها الشاعر العربى القديم وهو دائب فى عزيمة وثبات على المحافظة على مخلوقه الفذ وسينتهى به لا محالة الى اروع التحقيق واكمله واعظم الانتصارات واسماها - يتبع-

